الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

[ ص: 279 ] فصل فيما دون النفس قال : ( وفي النفس الدية ) وقد ذكرناه . قال ( وفي المارن الدية ، وفي اللسان الدية  ، وفي الذكر الدية ) والأصل فيه ما روى سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال { : في النفس الدية ، وفي اللسان الدية ، وفي المارن الدية } وهكذا هو في الكتاب الذي كتبه رسول الله عليه الصلاة والسلام لعمرو بن حزم رضي الله عنه . والأصل في الأطراف أنه إذا فوت جنس منفعة على الكمال أو أزال جمالا مقصودا في الآدمي على الكمال يجب كل الدية لإتلافه النفس من وجه وهو ملحق بالإتلاف من كل وجه تعظيما للآدمي . أصله قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية كلها في اللسان والأنف ، وعلى هذا تنسحب فروع كثيرة فنقول : في الأنف الدية لأنه أزال الجمال على الكمال وهو مقصود ، وكذا إذا قطع المارن أو الأرنبة لما ذكرنا ، ولو قطع المارن مع القصبة  لا يزاد على دية واحدة لأنه عضو واحد ، وكذا اللسان لفوات منفعة مقصودة وهو [ ص: 280 ] النطق ، وكذا في قطع بعضه إذا منع الكلام لتفويت منفعة مقصودة وإن كانت الآلة قائمة  ، ولو قدر على التكلم ببعض الحروف قيل : تقسم على عدد الحروف ، وقيل : على عدد حروف تتعلق باللسان ; فبقدر ما لا يقدر تجب ، وقيل : إن قدر على أداء أكثرها تجب حكومة عدل لحصول الإفهام مع الاختلال ، وإن عجز عن أداء الأكثر يجب كل الدية لأن الظاهر أنه لا تحصل منفعة الكلام ، وكذا الذكر  لأنه يفوت به منفعة الوطء والإيلاد واستمساك البول والرمي به ودفق الماء والإيلاج الذي هو طريق الإعلاق عادة ، وكذا في الحشفة الدية  كاملة ، لأن الحشفة أصل في منفعة الإيلاج والدفق والقصبة كالتابع له . .

التالي السابق


( قوله ولو وطئت رجلا في سيرها وقد نخسها الناخس بإذن الراكب فالدية عليهما جميعا [ ص: 336 ] إذا كانت في فورها الذي نخسها ، لأن سيرها في تلك الحالة مضاف إليهما ) أقول : ولقائل أن يقول : الراكب مباشر فيما أتلف بالوطء لحصول التلف بثقله وثقل الدابة جميعا كما صرحوا به ، والناخس مسبب كما مر في الكتاب ، وإذا اجتمع المباشر والمسبب فالإضافة إلى المباشر أولى كما صرحوا به سيما في مسألة الراكب والسائق ، فما بالهم جزموا هنا بإضافة الفعل إلى الراكب والناخس معا وحكموا بوجوب الدية عليهما جميعا فتدبر .

( قوله والإذن يتناول فعله من حيث السوق ولم يتناوله من حيث إنه إتلاف فمن هذا الوجه يقتصر عليه ) قال في النهاية : أي يقتصر الضمان على الناخس . أقول : ليس هذا بشرح صحيح ، إذ مقتضى هذا الوجه وهو حيثية كون فعل الناخس إتلافا أن يكون الناخس متعديا بكونه مسببا لجناية الدابة ، ولا يلزم منه أن لا يوجد هناك مسبب آخر أو مباشر حتى يلزم اقتصار الضمان على الناخس وقد وجد في مسألتنا ، فإن الراكب فيها مباشر ، ولا أقل من أن يكون أيضا مسببا فلا يقتصر الضمان على الناخس بل يجب عليه وعلى الراكب جميعا كما هو جواب المسألة . فالصواب أن مراد المصنف بقوله فمن هذا الوجه يقتصر عليه : أي فمن هذا الوجه يقتصر فعل الناخس وهو النخس على الناخس : أي لا ينتقل إلى الآمر وهو الراكب ، كما ينتقل إليه من وجه آخر وهو حيثية كونه سوقا كما في المسألة الأولى ، فحينئذ ينتظم الكلام ويتم المرام كما لا يخفى على ذوي الأفهام .




الخدمات العلمية