الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ولو أخذ الصيد من المعلم ثم قطع منه قطعة وألقاها إليه فأكلها يؤكل ما بقي ) ; لأنه لم يبق صيدا فصار كما إذا ألقى إليه طعاما غيره ، وكذا إذا وثب الكلب فأخذه منه وأكل منه ; لأنه ما أكل من الصيد ، والشرط ترك الأكل من الصيد فصار كما إذا افترس شاته ، بخلاف ما إذا فعل ذلك قبل أن يحرزه المالك ; لأنه بقيت فيه جهة الصيدية

التالي السابق


( قوله وكذا إذا وثب الكلب فأخذه منه وأكل منه ما أكل من الصيد ، والشرط ترك الأكل من الصيد فصار كما إذا افترس شاته ) قال صاحب العناية : وطولب بالفرق بين ما وثب فأخذ من صاحبه وأكل وبين ما أكل بعدما قتل ، فإن الصيد كما خرج عن الصيدية بأخذ صاحبه جاز أن يخرج أيضا بقتله

وأجيب بأنه إذا لم يتعرض بالأكل حتى أخذه صاحبه دل أنه كان ممسكا على صاحبه ، وانتهاسه منه

ومن لحم آخر في مخلاة صاحبه سواء

وأما إذا أكل قبل الأخذ كان ممسكا على نفسه انتهى كلامه

أقول : هذا الجواب لا يدفع المطالبة المذكورة ; لأن حاصلها نقض ما ذكره المصنف في تعليل مسألة الوثبة من أنه ما أكل من الصيد بما إذا أكل بعدما قتل ، فإن ذلك التعليل متمش في صورة القتل أيضا ; إذ الصيد كما يخرج عن الصيدية بأخذ صاحبه يخرج أيضا بقتله ، فلم يتحقق الأكل من الصيد في الصورتين معا مع أنهما مفترقان في الحكم

وحاصل الجواب المذكور بيان فرق بينهما من جهة أخرى غير ما ذكره المصنف في التعليل ، ولا يذهب عليك أن [ ص: 121 ] ذلك لا يدفع ورود المطالبة المذكورة على ما ذكره المصنف في التعليل

ولقد أحسن صاحب النهاية ها هنا في التقرير حيث قال : فوجه الفرق بين هذا وبين ما إذا أكل الكلب من الصيد بعد أن قتله قبل أن يأخذ الصائد حيث لا يؤكل ، وفي هذه الصورة وهي ما أكل منه بالوثبة بعد أخذ الصائد يؤكل ، وتعليل الكتاب ها هنا بقوله ; لأن ما أكل من الصيد شامل للصورتين ومع ذلك افترقتا في الحكم

والأوجه فيه هو أن الفرق إنما ينشأ بينهما من حيث وجود الإمساك لصاحبه وعدم الإمساك له ، فهاهنا أي في مسألة الوثبة لما لم يأكل من الصيد إلى أن أخذه صاحبه قد تم إمساكه على صاحبه ، وهناك لما أكل من الصيد بعد قتله قبل أن يأخذه صاحبه علم أنه إنما أمسكه لنفسه لا لصاحبه فخرج به من أن يكون معلما انتهى

فإنه طعن في التعليل المذكور في الكتاب بشموله للصورتين مع افتراقهما في الحكم ، وبين وجها آخر فارقا بينهما وعده أوجه لكونه سالما عن ورود المطالبة بالفرق بينهما

ثم أقول : التحقيق أن المطالبة بالفرق بين تينك المسألتين ساقطة عما ذكر في الكتاب أيضا ; لأن المصنف تدارك دفعها بقوله : بخلاف ما إذا فعل ذلك قبل أن يحرزه المالك ; لأنه بقيت فيه جهة الصيدية فيه على ما صرح به الشراح هو أن الصيد اسم لمتوحش غير محرز فقد زال التوحش بالقتل وبقي عدم الإحراز قبل أن يحرزه المالك ، فما بقي شيء من آثار الصيد ولوازمه يبقى حكم الصيدية فيه ، فظهر الفرق بين مسألة الوثبة وبين ما إذا أكله بعد أن قتله قبل أن يأخذه الصائد ، تأمل ترشد




الخدمات العلمية