الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وتجوز الوصية للحمل وبالحمل إذا وضع لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية ) أما الأول فلأن الوصية استخلاف من وجه لأنه يجعله خليفة في بعض ماله والجنين صلح خليفة في الإرث فكذا في الوصية إذ هي أخته ، [ ص: 433 ] إلا أن يرتد بالرد لما فيه من معنى التمليك ، بخلاف الهبة ، لأنها تمليك محض ولا ولاية لأحد عليه ليملكه شيئا .

[ ص: 434 ] وأما الثاني فلأنه بعرض الوجود ، إذ الكلام فيما إذا علم وجوده وقت الوصية ، [ ص: 435 ] وبابها أوسع لحاجة الميت وعجزه ، ولهذا تصح في غير الموجود كالثمرة فلأن تصح في الموجود أولى .

التالي السابق


( قوله وتجوز الوصية للحمل وبالحمل إذا وضع لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية ) أي وتجوز الوصية للحمل ، مثل أن يقول أوصيت بثلث مالي لما في بطن فلانة وبالحمل كما إذا أوصى بما في بطن جاريته ولم يكن منه لكن بشرط أن يعلم أنه موجود في البطن وقت الوصية له أو به بأن جاءت به لأقل من ستة أشهر من [ ص: 433 ] وقت الوصية على ما ذكره الطحاوي وصححه الإسبيجابي في شرح الكافي واختاره المصنف ، أو من وقت موت الموصي بأن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت موته على ما ذكره الفقيه أبو الليث في باب الوصايا والإمام الإسبيجابي في شرح الطحاوي واختاره صاحب النهاية ، هذا زبدة ما في العناية وغاية البيان .

قال بعض المتأخرين بعد أن شرح المقام بهذا المنوال : أقول : ليس مبنى هذا الاختلاف على الاختلاف في أنه هل يكفي في صحة الوصية وجود الموصى له وبه وقت موت الموصي ، أو لا بد مع ذلك من وجودهما وقت الوصية لاتفاق مشايخنا على أن الشرط لصحتها وجودهما وقت الموت فقط لا وقت الوصية أيضا لأنها تمليك بعد الموت فلا بد من وجودهما إذ ذاك دون وقت الإيجاب بدليل ما ذكره الإمام قاضي خان ، وسيجيء أيضا أنه لو قال أوصيت بثلث مالي لفلان وليس له مال ثم استفاد مالا كان للموصى له ثلث ما ترك ، وبدليل ما ذكره صاحب المحيط نقلا عن الأصل أنه إذا أوصى بثلث ماله لبني فلان وليس لفلان ابن يوم الوصية ثم حدث له بنون بعد ذلك ومات الموصي كان الثلث للذين حدثوا من بنيه ، فتبين أن منشأ الاختلاف ليس بذاك بل خصوصية في المسألة اعتبرها الطحاوي ولم يتنبه لها غيره ، وهي أن المفهوم عرفا ولغة إذا قيل أوصيت لما في بطنها بكذا كونه موجودا في بطنها وقتئذ لأن المعنى لما ثبت وتحقق في بطنها في هذا الوقت ، إلى هنا كلام ذلك البعض .

أقول : فيه اختلاف فاحش ، فإن قوله لاتفاق مشايخنا على أن الشرط لصحتها وجودهما وقت الموت فقط لا وقت الوصية أيضا ممنوع ، كيف وقد وضع في المحيط والذخيرة فصل على حدة لبيان أن المعتبر لصحة الإيجاب في الوصايا وجود الموصى به يوم موت الموصي أو وجوده يوم الوصية ، وذكر هناك أن حاصل هذا الفصل أن الموصى به إذا كان معينا يعتبر لصحة الإيجاب وجوده يوم الوصية ، حتى إن من أوصى لإنسان بعين لا يملكه ثم ملكه يوما من الدهر لا تصح الوصية ، وإذا كان العين الموصى به في ملك الموصي يوم الوصية فالوصية تتعلق به حتى إذا هلك ذلك العين تبطل الوصية ، ومتى كان الموصى به غير معين وهو شائع في بعض التركة فكذلك يعتبر لصحة الإيجاب وجود الموصى به يوم الوصية وتتعلق الوصية به ، فلو قال أوصيت لك بثلث غنمي أو بشاة من غنمي وليس في ملكه غنم يوم الوصية لا تصح الوصية ، حتى لو وجدت للموصي أغنام بعد ذلك قبل أن يموت لا يكون للموصى له من الأغنام الحادثة شيء ، ومتى كان الموصى به غير معين وهو شائع في جميع التركة يعتبر لصحة الإيجاب وجود الموصى به يوم موت الموصي ، فإذا أوصى لرجل بثلث ماله وله مال فهلك ذلك المال واكتسب مالا غيره فإن ثلث ماله الذي اكتسبه للموصى له ولم تتعلق الوصية بالمال الموجود يوم الوصية حتى لا تبطل بهلاكه ا هـ .

فقد ظهر لك بذلك أن المعتبر لصحة الإيجاب في أكثر أقسام الوصايا وجود الموصى به وقت الوصية لا وقت الموت ، فلا معنى لقوله باتفاق مشايخنا على أن الشرط لصحتها وجودهما : أي وجود الموصى له وبه وقت الموت فقط لا وقت الوصية أيضا ، وقوله في تعليل ذلك لأنها تمليك بعد الموت فلا بد من وجودهما إذ ذاك دون وقت الإيجاب ليس بتام ، لأن سبب الاستحقاق هو الوصية فيجوز أن يعتبر وجودهما وقت وجود ذلك السبب ، كما يجوز أن يعتبر وجودهما وقت تحقق الحكم وهو الملك ، ومن هذا منشأ الاختلاف الواقع بين المشايخ على ما مر من قبل ، وقوله بدليل ما ذكره الإمام قاضي خان ، وسيجيء أيضا أنه لو قال أوصيت لفلان بثلث مالي وليس له مال ثم استفاد مالا كان للموصى له ثلث ما ترك ليس بصحيح ، لأن ذلك إنما يكون دليلا على كون المعتبر وقت الموت فيما إذا كان الموصى به غير معين وهو شائع في جميع التركة كما هو الحال في قوله أوصيت بثلث مالي لفلان لا فيما إذا كان الموصى به معينا كما فيما نحن فيه ، وعن هذا قال صاحب النهاية وغيره في شرح تلك المسألة التي ستجيء [ ص: 434 ] في الكتاب : هذا إذا كان الموصى به غير معين وهو شائع في جميع التركة كما في اسم المال ، وأما إذا كان معينا في نوع من المال فالحكم بخلافه ، ونقلوا عن الذخيرة ما نقلناه عن المحيط والذخيرة من التفصيل فيما مر آنفا .

وقوله وبدليل ما ذكره صاحب المحيط نقلا عن الأصل أنه إذا أوصى بثلث ماله لبني فلان وليس لفلان ابن يوم الوصية ثم حدث له بنون بعد ذلك ومات الموصي كان الثلث للذين حدثوا من بنيه ليس بتام ، لأن ما ذكره صاحب المحيط هناك جواب ظاهر الرواية ، ولا يلزم منه أن يكون الجواب في غير ظاهر الرواية أيضا كذلك سيما عند الطحاوي ، فمن أين يثبت الاتفاق بذلك وعن هذا قال صاحب البدائع : ثم يعتبر ذلك من وقت الموت في ظاهر الرواية ، وعند الطحاوي من وقت وجود الوصية انتهى .

وقوله فتبين أن منشأ الاختلاف ليس بذاك بل خصوصية في المسألة التي اعتبرها الطحاوي ولم يتنبه لها غيره ، وهو أن المفهوم عرفا ولغة إذا قيل أوصيت لما في بطنها بكذا كونه موجودا في بطنها وقتئذ لا يكاد يصح ، إذ لا نسلم جدا أن المفهوم عرفا ولغة إذا قيل أوصيت لما في بطنها بكذا كونه موجودا وقتئذ ، بل يكفي كونه موجودا وقت موت الموصي لثبوت حكم الوصية عند موته ، وكيف يتصور من أساطين الفقهاء سيما أصحاب ظاهر الرواية أن لا ينتبهوا لما يفهم من الكلام عرفا ولغة ، ولا ينبغي أن ينسب إلى أحد منهم الغفلة عن شيء من اللغة والعرف فضلا عن الغفلة عنهما معا . وقوله لأن المعنى لما ثبت وتحقق في بطنها في هذا الوقت تحكم بحت ، بل المعنى لما ثبت وتحقق في بطنها .

وأما كون ثبوته في وقت الوصية أو في وقت الموت فأمر خارج عن مفهوم نفس اللفظ ، وإنما المعين له شيء آخر هو محل الاجتهاد من الفريقين ، وقد بينه صاحب البدائع بأن قال : وجه ما ذكره الطحاوي أن سبب الاستحقاق هو الوصية فيعتبر وقت وجوده . ووجه ظاهر الرواية أن وقت نفوذ الوصية واعتبارها في الحكم وقت الموت فيعتبر وجوده من ذلك الوقت انتهى . ثم إن ذلك البعض قال : واعلم أن في كلام صاحب الكافي هنا اضطرابا لأنه دل أوله على أن اعتبار المدة من وقت الوصية فيهما : أي في الموصى له وبه ، وآخره دل على أنه من وقت الموت إذا كانت الوصية للحمل ولم يظهر لي وجهه انتهى . أقول : إن صاحب الكافي . قال في أول كلامه : وتجوز الوصية للحمل وبالحمل إن ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية ، ثم قال في آخره : وأما الثاني فلأنه تجري فيه الوراثة فتجري فيه الوصاية لما مر من أن الوصية أخت الميراث وقد تيقنا بوجوده يوم الموت متى جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من يوم انتهى .

فيجوز فيه الوجهان : أحدهما أن يكون المضاف مقدرا في قوله من وقت الوصية فيكون المعنى من وقت وجوب الوصية ، ولا يخفى أن وقت وجوب الوصية هو وقت موت الموصي فيوافق أول كلامه آخره ، وقد أشار صاحب معراج الدراية إلى تأويل كلام المصنف بهذا الوجه ليوافق كلامه ما ذكر في المبسوط . وثانيهما أن يكون مراده بإيراد آخر كلامه مخالفا لأوله هو الإشارة إلى وقوع الروايتين في تعيين أول المدة التي يعلم فيها وجود الحمل في البطن ، وقد خفي على ذلك البعض كل من ذينك الوجهين حيث قال : لم يظهر لي وجهه .

ثم إنه أخطأ في قوله وآخره دل على أنه من وقت الموت إذا كانت الوصية للحمل ، فإن الذي في آخره إنما هو الوصية بالحمل لا الوصية للحمل لأنه قال فيه : وأما الثاني ولا ريب أن الثاني في قوله وتجوز الوصية للحمل وبالحمل هو الوصية بالحمل . ثم إن الزيلعي قال في شرح الكنز : وذكر في الكافي ما يدل على أنه إن أوصى له يعتبر من وقت الوصية ، وإن أوصى به يعتبر من وقت الموت انتهى . أقول : ليس ذاك أيضا بسديد ، لأن عبارة الكافي في أول الكلام هكذا : وتجوز الوصية للحمل وبالحمل إن ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية ، ولا يخفى أن قوله من وقت الوصية إن لم يتعلق بقوله بالحمل فقط لكونه قريبا منه فلا أقل من أن يتعلق بمجموع قوله للحمل وبالحمل ، فمن أين يدل ذلك على اختصاص الاعتبار من وقت الوصية بما إذا أوصى له .

نعم ما ذكره صاحب الكافي في آخر كلامه يدل على كون الاعتبار من وقت الموت فيما إذا أوصى بالحمل ، وبهذا ترد المخالفة بين أول كلامه وآخره والمخلص ما بيناه آنفا من أحد الوجهين فتبصر .

( قوله وأما الثاني فلأنه بعرض الوجود إذ الكلام فيما إذا علم وجوده وقت الوصية ) قال صاحب العناية : في شرح هذا المحل : وأما الثاني وهو الوصية به فلأنه [ ص: 435 ] أي الحمل بعرضية الوجود ، إذ الكلام فيما إذا علم وجوده وقت الوصية ، فإن وضع المسألة فيما إذا وضعت لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية أو الموت وبذلك يعلم وجوده وقت الوصية لا محالة انتهى .

أقول : فيه خلل ظاهر ، فإن زيادة قوله أو الموت في قوله من وقت الوصية أو الموت مع كونها غير مطابقة للمشروح تقتضي أن لا يصح قوله وبذلك يعلم وجوده وقت الوصية لا محالة ، إذ على تقدير أن وضعت لأقل من ستة أشهر من وقت موت الموصي لا يعلم وجوده وقت الوصية أصلا فيما إذا مضت بين الوصية والموت مدة يصير بها زمان وضع الحمل أكثر من ستة أشهر من وقت الوصية ، وهذا مما لا سترة به .




الخدمات العلمية