الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

فصل في الشجاج

قال ( الشجاج عشرة   : الحارصة ) وهي التي تحرص الجلد : أي تخدشه ولا تخرج الدم ( والدامعة ) وهي التي تظهر الدم [ ص: 285 ] ولا تسيله كالدمع من العين ( والدامية ) وهي التي تسيل الدم ( والباضعة ) وهي التي تبضع الجلد أي تقطعه ( والمتلاحمة ) وهي التي تأخذ في اللحم ( والسمحاق ) وهي التي تصل إلى السمحاق وهي جلدة رقيقة بين اللحم وعظم الرأس ( والموضحة ) وهي التي توضح العظم أي تبينه ( والهاشمة ) وهي التي تهشم العظم : أي تكسره ( والمنقلة ) وهي التي تنقل العظم بعد الكسر : أي تحوله ( والآمة ) وهي التي تصل إلى أم الرأس وهو الذي فيه الدماغ . قال : ( ففي الموضحة القصاص إن كانت عمدا   ) لما روي { أنه عليه الصلاة والسلام قضى بالقصاص في الموضحة } ولأنه يمكن أن ينتهي السكين إلى العظم فيتساويان فيتحقق القصاص . قال : ( ولا قصاص في بقية الشجاج ) لأنه لا يمكن اعتبار المساواة فيها لأنه لا حد ينتهي السكين إليه ، ولأن فيما فوق الموضحة كسر العظم ولا قصاص فيه ، وهذا رواية عن أبي حنيفة .

وقال محمد في الأصل وهو ظاهر الرواية : يجب القصاص فيما قبل الموضحة لأنه يمكن اعتبار المساواة فيه ، إذ ليس فيه كسر العظم ولا خوف هلاك غالب فيسبر غورها بمسبار ثم تتخذ حديدة بقدر ذلك فيقطع بها مقدار ما قطع فيتحقق استيفاء القصاص . قال ( وفيما دون الموضحة حكومة عدل   ) لأنه ليس فيها أرش مقدر ولا يمكن إهداره فوجب اعتباره بحكم العدل ، [ ص: 286 ] وهو مأثور عن النخعي وعمر بن عبد العزيز . قال ( وفي الموضحة إن كانت خطأ نصف عشر الدية ، وفي الهاشمة عشر الدية ، وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشر الدية ، وفي الآمة ثلث الدية ، وفي الجائفة ثلث الدية ، فإن نفذت فهما جائفتان ففيهما ثلثا الدية ) لما روي في كتاب عمرو بن حزم رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال { وفي الموضحة خمس من الإبل ، وفي الهاشمة عشر ، وفي المنقلة خمسة عشر ، وفي الآمة } ويروى { المأمومة ثلث الدية } وقال عليه الصلاة والسلام { في الجائفة ثلث الدية } وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه حكم في جائفة نفذت إلى الجانب الآخر بثلثي الدية ، ولأنها إذا نفذت نزلت منزلة جائفتين إحداهما من جانب البطن والأخرى من جانب الظهر وفي كل جائفة ثلث الدية فلهذا وجب في النافذة ثلثا الدية .

وعن محمد أنه جعل المتلاحمة قبل الباضعة وقال : هي التي يتلاحم فيها الدم ويسود . وما ذكرناه بدءا مروي عن أبي يوسف وهذا اختلاف عبارة لا يعود إلى معنى وحكم . .

التالي السابق


( قوله وإن دفعه دفعه إليهم أثلاثا : ثلثاه لوليي الخطإ ، وثلثه لغير العافي من وليي العمد عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقالا : يدفعه أرباعا إلخ ) قال صاحب النهاية : وأصل هذا ما اتفقوا عليه ، وهو [ ص: 352 ] أن قسمة العين إذا وجبت بسبب دين في الذمة كالغريمين في التركة ونحوها كانت القسمة بطريق العول والمضاربة ، لأنه لا تضايق في الذمة فيثبت حق كل واحد منهما على وجه الكمال فيضرب بجميع حقه . أما إذا وجبت قسمة العين ابتداء لا بسبب دين في الذمة كما في مسألة بيع الفضولي وهي أن فضوليا لو باع عبد إنسان كله وفضوليا آخر باع نصفه وأجاز المولى البيعين كان العبد بين المشتريين أرباعا وكانت القسمة بطريق المنازعة ، لأن الحق الثابت في العين ابتداء لا يثبت بصفة الكمال عند المزاحمة ، لأن العين الواحدة تضيق عن الحقين على وجه الكمال .

ولما ثبت هذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في مسألتنا هذه : [ ص: 353 ] ثلاثة أرباع العبد المدفوع لولي الخطإ . وربعه للساكت من ولي العمد . لأن حق ولي العمد كان في جميع الرقبة ، فإذا عفا أحدهما بطل حقه وفرغ النصف فيتعلق حق ولي الخطإ بهذا النصف بلا منازعة ، بقي النصف الآخر واستوت منازعة ولي الخطإ والساكت من ولي العمد في هذا النصف فصار هذا النصف بينهما نصفين ، فكانت القسمة بينهما بطريق المنازعة أرباعا كما في مسألة الفضوليين .

ولأبي حنيفة رحمه الله أن أصل حقهما ليس في عين العبد بل في الأرش الذي هو بدل المتلف ، والقسمة في غير العين تكون بطريق العول والمضاربة ، وهذا لأن حق ولي الخطإ في عشرة وحق شريك العافي في خمسة فيضرب كل واحد منهما بحصة ، كرجل عليه ثلاثة آلاف درهم ألف لرجل وألفان لآخر مات المديون وترك ألفا كانت التركة بين صاحبي الدين أثلاثا بطريق العول والمضاربة ثلثاها لصاحب الألفين وثلثها لصاحب الألف ، فكذا هاهنا بخلاف بيع الفضولي ، لأن [ ص: 354 ] الملك يثبت للمشتري في العين ابتداء ، إلى هنا أشار الإمام قاضي خان والمحبوبي في الجامع الصغير ، إلى هنا كلامه . واقتفى أثره في هذا الشرح والبيان صاحبا العناية ومعراج الدراية . أقول : فيه نظر ، لأن المصنف صرح في أوائل هذا الباب بأن الواجب الأصلي في جناية المملوك هو الدفع ولهذا يسقط الموجب بموت العبد لفوات محل الواجب وإن كان للمولى حق النقل إلى الفداء كما في مال الزكاة ، وصرح به أيضا عامة الفقهاء في كتبهم فما معنى بناء قول أبي حنيفة في هذه المسألة على أن أصل حقهما ليس في عين العبد بل في الأرش ، وهلا يقتضي هذا أن يكون الواجب الأصلي في جناية المملوك هو الفداء دون دفع عين العبد . ثم إن قول المصنف في بيان طريقة أبي حنيفة رحمه الله هاهنا لأن الحق تعلق بالرقبة ينبو عما ذكره هؤلاء الشراح في تعليل قول أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة كما لا يخفى على ذي فطرة سليمة . .




الخدمات العلمية