الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 3636 331 - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ. عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ، وَنُعَيْمٌ بِضَمِّ النُّونِ ابْنُ حَمَّادٍ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّفَّاءُ الْفَارِضُ الْمَرْوَزِيُّ سَكَنَ مِصْرَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: مَاتَ سَنَةً ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَهُشَيْمٌ بِضَمِّ الْهَاءِ ابْنُ بُشَيْرٍ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ السُّلَمِيُّ الْوَاسِطِيُّ، وَحُصَيْنٌ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ أَبُو الْهُذَيْلِ الْكُوفِيُّ، وَعَمْرٌو بِفَتْحِ الْعَيْنِ ابْنُ مَيْمُونٍ قَدْ مَرَّ عَنْ قَرِيبٍ. قَوْلُهُ: " قِرْدَةً " بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهِيَ الْحَيَوَانُ الْمَشْهُورُ، وَتُجْمَعُ عَلَى قُرُودٍ وَقِرَدَةٍ أَيْضًا بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ كَمَا فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ. قَوْلُهُ: " قَدْ زَنَتْ " حَالٌ مِنْ قِرْدَةٍ الْمُفْرَدَةِ، (فَإِنْ قُلْتَ)): كَيْفَ ذَكَرَ قَوْلَهُ اجْتَمَعَ مَعَ أَنَّ فَاعِلَهُ جَمَاعَةٌ وَهُوَ قَوْلُهُ قِرَدَةٌ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الضَّمِيرَ الْمَرْفُوعَ فِي رَجَمُوهَا وَفِي قَوْلِهِ مَعَهُمْ؟ (قُلْتُ): (أَمَّا الْأَوَّلُ): فَلِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ، (وَأَمَّا الثَّانِي): فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ الرَّاوِيَ كَانَ بَيْنَ الْقِرَدَةِ فَغَلَّبِ الْمُذَكَّرَ عَلَى الْمُؤَنَّثِ، وَأَصْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مَا ذَكَرَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مَشْرُوحَةً مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: " كُنْتُ فِي الْيَمَنِ فِي غَنَمٍ لِأَهْلِي وَأَنَا عَلَى شَرَفٍ، فَجَاءَ قِرْدٌ مَعَ قِرَدَةٍ فَتَوَسَّدَ يَدَهَا، فَجَاءَ قِرْدٌ أَصْغَرُ مِنْهُ فَغَمَزَهَا فَسَلَّتْ يَدَهَا مِنْ تَحْتِ رَأْسِ الْقِرْدِ الْأَوَّلِ سَلًّا رَفِيقًا وَتَبِعَتْهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا وَأَنَا أَنْظُرُ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تُدْخِلُ يَدَهَا مِنْ تَحْتِ خَدِّ الْأَوَّلِ بِرِفْقٍ فَاسْتَيْقَظَ فَزِعًا، فَشَمَّهَا فَصَاحَ، فَاجْتَمَعَتِ الْقُرُودُ، فَجَعَلَ يُصِيخُ وَيُومِي إِلَيْهَا بِيَدِهِ، فَذَهَبَ الْقُرُودُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً فَجَاءُوا بِذَلِكَ الْقِرْدِ أَعْرِفُهُ، فَحَفَرُوا لَهُمَا حُفْرَةً فَرَجَمُوهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجْمَ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ "، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنْ نَسْلِ الَّذِينَ مُسِخُوا فَبَقِيَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِضَافَةُ الزِّنَا إِلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْبَهَائِمِ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مُنْكَرٌ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانُوا مِنَ الْجِنِّ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ فِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ دُونَ غَيْرِهِمَا، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: كَانُوا مِنَ الْإِنْسِ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَتَغَيَّرُوا عَنِ الصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فَقَطْ، وَكَانَ صُورَتُهُ صُورَةَ الزِّنَا وَالرَّجْمِ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ تَكْلِيفٌ وَلَا حَدٌّ، وَإِنَّمَا ظَنُّهُ الَّذِي ظَنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ لَمْ تُوجَدْ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ فِي (الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ): هَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ، وَأَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ وَحْدَهُ ذَكَرَهُ فِي (الْأَطْرَافِ) قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أَصْلًا فَلَعَلَّهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُقْحَمَةِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ التِّينِ: بِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا نَسْلَ لَهُ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ بِمَا ثَبَتَ أَيْضًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أُوتِيَ بِالضَّبِّ قَالَ: " لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي مُسِخَتْ "، وَقَالَ فِي الْفَأْرِ: " فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا أُرَاهَا إِلَّا الْفَأْرَ "، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ قَالَا: إِنَّ الْمَوْجُودَ مِنَ الْقِرَدَةِ مِنْ نَسْلِ الْمَمْسُوخِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَحْيِ إِلَيْهِ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ صُورَةَ الزِّنَا وَالرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ زِنًا حَقِيقَةً وَلَا حَدًّا، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِشَبَهِهِ بِهِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ إِيقَاعَ التَّكْلِيفِ عَلَى الْحَيَوَانِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِالْجَوَابِ الْأَوَّلِ مِنْ جَوَابَيِ الْكَرْمَانِيِّ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْحُمَيْدِيِّ بِقَوْلِهِ: وَمَا قَالَهُ الْحُمَيْدِيُّ مَرْدُودٌ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي مُعْظَمِ الْأُصُولِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ وُقُوفَ الْحُمَيْدِيِّ عَلَى الْأُصُولِ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ مِنْ وُقُوفِ هَذَا الْمُعْتَرِضِ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ (الصَّحِيحَيْنِ)، وَمِثْلُهُ أَدْرَى بِحَالِهِمَا، وَلَوْ كَانَ فِي أَصْلِ الْبُخَارِيِّ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَجْزِمْ بِنَفْيِهِ عَنِ الْأُصُولِ قَطْعًا وَجَزْمًا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ أَيْضًا: وَتَجْوِيزُ الْحُمَيْدِيِّ أَنْ يُزَادَ فِي (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) مَا لَيْسَ مِنْهُ يُنَافِي مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْحُكْمِ بِتَصْحِيحِ جَمِيعِ مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَمِنَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهِ، (قُلْتُ): فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَعَرَّضَ إِلَى بَعْضِ رِجَالِهِ بِعَدَمِ الْوُثُوقِ، وَبِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَدَعْوَى الْحُكْمِ بِتَصْحِيحِ جَمِيعِ مَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِيهِ غَيْرُ مُوَجَّهَةٍ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْكُلِّيَّةِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ قَاطِعٍ، وَيَرُدُّ مَا قَالَهُ أَيْضًا بِأَنَّ النَّسَفِيَّ لَمْ يُذْكَرْ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية