الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3433 133 - حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انطلق سعد بن معاذ معتمرا قال: فنزل على أمية بن خلف أبي صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشأم فمر بالمدينة نزل على سعد، فقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت [ ص: 157 ] فطفت، فبينا سعد يطوف إذا أبو جهل فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا وقد أويتم محمدا وأصحابه؟ فقال: نعم. فتلاحيا بينهما فقال أمية لسعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشأم قال: فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يمسكه فغضب سعد فقال: دعنا عنك فإني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك قال: إياي؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي. قالت: فوالله ما يكذب محمد. قال: فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: فأراد أن لا يخرج فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي فسر يوما أو يومين، فسار يومين معهم فقتله الله

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر بقتل أمية بن خلف فقتل في وقعة بدر، قتله رجل من الأنصار من بني مازن، وقال ابن هشام: قتله معاذ بن عفراء وخارجة بن زيد وخبيب بن إساف اشتركوا فيه، وهو أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح.

                                                                                                                                                                                  (ذكر رجاله) وهم ستة: الأول أحمد بن إسحاق بن الحصين بن جابر أبو إسحاق السلمي السرماري، وسرمار قرية من قرى بخارى. الثاني: عبيد الله بن موسى بن باذام أبو محمد العبسي الكوفي، وهو أحد مشايخ البخاري. الثالث: إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. الرابع: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. الخامس: عمرو بن ميمون الأزدي الكوفي أدرك الجاهلية. السادس: عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.

                                                                                                                                                                                  وقد أخرج البخاري هذا الحديث أيضا في أول المغازي في باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من يقتل ببدر.

                                                                                                                                                                                  (ذكر معناه) قوله: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت وهو عمرو بن مالك الأوسي الأنصاري الأشهلي، يكنى أبا عمرو، وأسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير، وشهد بدرا وأحدا والخندق، فرمي يوم الخندق بسهم فعاش شهرا، ثم انتفض جرحه فمات منه. قوله: " معتمرا " نصب على الحال، وكانوا يعتمرون من المدينة قبل أن يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: " فنزل " أي: سعد بن معاذ حين دخل مكة لأجل العمرة على أمية بن خلف بن وهب، يكنى بأبي صفوان من كبار المشركين.

                                                                                                                                                                                  قوله: " وكان أمية إذا انطلق إلى الشام " يعني لأجل التجارة فمر بالمدينة؛ لأنها على طريقه فنزل على سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، وكان مؤاخيا معه. قوله: " وقال أمية لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس " لأنه وقت غفلة وقائلة، انطلقت فطفت بالتاء المفتوحة فيهما لأنه خطاب أمية لسعد، وفي رواية البخاري في أول المغازي، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انطلق سعد معتمرا فنزل على أمية بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من نصف النهار.

                                                                                                                                                                                  قوله: " فبينما سعد يطوف إذا أبو جهل " يعني قد حضر، وفي رواية المغازي: " فإذا به " أي: فخرج أبو أمية بسعد قريبا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، يعني يقول لأمية: من هذا معك؟ قال: فقال: هذا سعد، فقال أبو جهل؛ يعني لسعد: ألا أراك تطوف بمكة آمنا يعني حال كونك آمنا، وقد أويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتغيثونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما. قوله: " الصباة " بضم الصاد المهملة وتخفيف الباء الموحدة جمع صابئ مثل قضاة جمع قاض، وكانوا يسمون النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وأصحابه الذين هاجروا [ ص: 158 ] إلى المدينة صباة من صبأ إذا مال عن دينه. قوله: " فتلاحيا " أي: تخاصما وتنازعا وقيل: تسابا يعني سعد بن معاذ وأبو جهل. قوله: " على أبي الحكم " بفتحتين هو عدو الله أبو جهل، واسمه عمرو بن هشام المخزومي، وكناه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأبي جهل. قوله: " فإنه سيد أهل الوادي " أي: فإن أبا جهل سيد أهل الوادي، أراد به أهل مكة. قوله: " ثم قال سعد " أي: لأبي جهل: والله لئن منعتني من أن أطوف أي: من طواف البيت لأقطعن متجرك بالشام أي: تجارتك. وفي رواية المغازي: " أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه؛ طريقك على المدينة ". قوله: " فقال: دعنا عنك " أي: فقال سعد لأمية بن خلف: دعنا عنك أي: اترك محاماتك لأبي جهل، فإني سمعت محمدا يزعم أنه قاتلك والخطاب لأمية، وفي المغازي: دعنا عنك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: " إنه قاتلك " وفي رواية: " أنهم قاتلوك " قال: بمكة؟ قال: لا أدري.

                                                                                                                                                                                  قوله: " قال: إياي " أي: قال أمية: إياي؟ قال سعد: نعم إياك. قوله: " فرجع إلى امرأته " أي: فرجع أمية إلى امرأته، وفي رواية المغازي: ففزع لذلك أمية فزعا شديدا، فلما رجع إلى أهله قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعد، وهنا قال لها: أتعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ أراد به سعدا فنسبه إلى يثرب مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما قال له أخي يعني في المصاحبة دون النسب ولا الدين.

                                                                                                                                                                                  قوله: " قال: فوالله ما يكذب محمد " أي: قال أمية: ما يكذب محمد؛ لأنه كان موصوفا عندهم بالصدق والأمانة وإن كانوا لا يصدقونه. قوله: " فلما خرجوا " أي: أهل مكة إلى بدر، وجاء الصريخ، قال في التوضيح: فيه تقديم وتأخير، وهو أن الصريخ جاءهم فخرجوا إلى بدر، أخبرهم أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه خرجوا إلى عير أبي سفيان فخرجت قريش أشرين بطرين موقنين عند أنفسهم أنهم غالبون، فكانوا ينحرون يوما عشرة من الإبل ويوما تسعة، والصريخ فعيل من الصراخ وهو صوت المستصرخ أي: المستغيث.

                                                                                                                                                                                  قوله: " فأراد أن لا يخرج " أي: أراد أمية أن لا يخرج من مكة مع قريش إلى بدر، وفي المغازي فقال أمية: والله لا أخرج من مكة، فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس فقال: أدركوا عيركم فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان، جهزيني فقالت له: يا أبا صفوان، أونسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا، فلما خرج أمية جعل لا ينزل منزلا إلا عقل بعيره، فلم يزل بذلك حتى قتله الله عز وجل ببدر، وإنما سقت ما في المغازي لأنه كالشرح لما هنا، وقد ذكر الكرماني هنا شيئا بغير نظر ولا تأمل حتى نسب بذلك إلى التغفل عند بعض الشراح، وهو أنه قال: (فإن قلت): أين ما أخبر به سعد من كون أبي جهل قاتله أي: قاتل أمية؟ قلت: أبو جهل كان السبب في خروجه فكأنه قتله؛ إذ القتل كما يكون مباشرة قد يكون تسببا. انتهى، وإنما حمله على هذا الأمر العجيب؛ لأنه فهم أن قول سعد لأمية: إنه قاتلك " أي: إن أبا جهل قاتلك وليس كذلك، وإنما أراد سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يقتل أمية، فلما فهم هذا الفهم استشكل ذلك بكون أبي جهل على دين أمية، ثم تعسف بالجواب كذلك.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية