الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
بيان ذم الشهرة وانتشار الصيت .

اعلم أصلحك الله أن أصل الجاه هو انتشار الصيت والاشتهار وهو مذموم ، بل المحمود الخمول إلا من شهره الله تعالى لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة منه .

قال أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسب امرئ من الشر ، أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه إلا من عصمه الله .

وقال جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب : المرء من الشر إلا من عصمه الله من السوء أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه ؛ إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .

ولقد ذكر الحسن رحمه الله للحديث تأويلا ولا بأس به ؛ إذ روى هذا الحديث ، فقيل له : يا أبا سعيد إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع ، فقال : إنه لم يعن هذا ، وإنما عنى به المبتدع في دينه والفاسق في دنياه .

التالي السابق


(بيان ذم الشهوة وانتشار الصيت) *

(اعلم) هداك الله بنور اليقين (أن أصل الجاه) مقلوب الوجه، وقد وجه وجاهة، فهو وجيه، إذا كان له حظ ورؤية، ومنه: "وجوه القوم" ساداتهم، وله جاه (هو انتشار الصيت) في الناس، والصيت بالكسر الذكر الجميل (وهو مذموم، بل المحمود الخمول) وهو خفاء القدر والذكر (إلا من شهره الله تعالى لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة منه، قال أنس) رضي الله عنه (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "حسب امرئ من الشر) أي: يكفيه منه في أخلاقه ومعاشه ومعاده (إلا من عصمه الله، أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه") لأنه إنما يشار إليه في دين لكونه أحدث بدعة عظيمة، فيشار إليه بها، وفي دنيا لكونه أحدث منكرا من الكبائر غير متعارف بينهم، بخلاف ما يقارب الناس فيه، ككثرة صلاة أو صوم، فليس محل إشارة ولا تعجب؛ لمشاركة غيره له .

فأشار في هذا الحديث بالإشارة بالأصابع إلى أنه عبد هتك الله ستره، فهو في الدنيا في عار، وغدا في النار، ومن ستره الله في هذه الدار لم يفضحه في دار القرار .

قال العراقي: رواه البيهقي في الشعب بسند ضعيف. انتهى .

قلت: رواه بإسناد فيه ابن لهيعة، وحاله معلومة، ويوسف بن يعقوب فإن كان النيسابوري فقد قال أبو علي الحافظ: ما رأيت بنيسابور من يكذب غيره، وإن كان ...القافي باليمن فمجهول .

ثم إن لفظ البيهقي: "بحسب امرئ من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو في دنيا، إلا من عصمه الله".

ورواه كذلك الطبراني في الأوسط، والبيهقي أيضا من حديث أبي هريرة، فيه عندهما عبد العزيز بن حصين، ضعفه يحيى والناس، وقد رواه البيهقي بسند آخر، فيه كلثوم بن محمد بن أبي سروة، قال الذهبي: قال أبو حاتم: تكلموا فيه. وقد رواه أيضا الحكيم في النوادر، عن الحسن مرسلا .

(وقال جابر بن عبد الله) رضي الله عنه (قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "حسب المرء من الشر إلا من عصمه الله من السوء أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه؛ إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم) .

قال العراقي: هو غير معروف من حديث جابر، معروف من حديث [ ص: 233 ] أبي هريرة، رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الشعب بسند ضعيف، مقتصرين على أوله. ورواه مسلم مقتصرا على الزيادة التي في آخره .

وروى الطبراني والبيهقي في الشعب أوله من حديث عمران بن حصين، بلفظ: "كفى بالمرء إثما" ورواه ابن يونس في تاريخ الغرباء من حديث ابن عمر بلفظ: "هلاك ...بالرجل" وفسر دينه بالبدعة، ودنياه بالفسق، وإسنادهما ضعيف. اهـ .

قلت: لفظ الطبراني والبيهقي قد ذكر قبله، وأن البيهقي رواه من طريقين، كل منهما ضعيف، وأما تلك الزيادة التي رواها مسلم فقد رواها كذلك أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة بزيادة: "وأموالكم" بعد "وصوركم" .

ورواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات، وابن عساكر من حديث أبي أمامة، ورواها هناد في الزهد، عن الحسن مرسلا، ورواها الحكيم في النوادر، عن يحيى بن أبي كثير مرسلا .

وأما حديث عمران بن حصين، فلفظه عند الطبراني في الكبير: "كفى بالمرء من الشر أن يشار إليه بالأصابع" وفي رواية له: "كفى بالمرء من الإثم" وفيه زيادة: "قالوا: يا رسول الله وإن كان خيرا فهو شر له إلا من رحمه الله، وإن كان شرا فهو شر له".

وقد رواه الرافعي في تاريخ قزوين، وقال: كذا في النسخة، وربما كانت اللفظة: "فهو شر له إلا من رحمه الله".

وأما حديث ابن عمر فرواه الديلمي بلفظ: "كفى بالمرء من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دينه بفسق، أو في دنياه أن يعطيه -إلا من عصمه الله- مالا، ولا يصل به رحما، ولا يعطي حقه" ورواه بهذا اللفظ الحكيم في تاريخه من حديث أنس.

(وقد ذكر الحسن) البصري رحمه الله تعالى (للحديث تأويلا لا بأس به؛ إذ روى هذا الحديث، فقيل له: يا أبا سعيد إن الناس إذا رأوك أشاروا إليك بالأصابع، فقال: إنه لم يعن هذا، وإنما عنى به المبتدع في دينه) فإنه لا يشار إليه إلا إذا أحدث في الدين بدعة عظيمة، تكون سبب الإشارة، كما يقولون: خالف تعرف .

(والفاسق في دنياه) بأن أحدث منكرا من الكبائر، وهذا التأويل ذكره الحكيم في نوادر الأصول، وقد روى نحوه مرفوعا من حديث أنس وابن عمر، كما تقدم قبله .




الخدمات العلمية