الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وأما الزاهد المعتزل عن الناس فينبغي له أن يلزم قلبه ذكر الله والقناعة بعلمه ولا يخطر بقلبه معرفة الناس زهده ، واستعظامهم محله فإن ذلك يغرس الرياء في صدره حتى تتيسر عليه العبادات في خلوته به وإنما سكوته لمعرفة الله باعتزاله ، واستعظامهم لمحله ، وهو لا يدري أنه المخفف للعمل عليه .

قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعلمت المعرفة من راهب يقال له : سمعان ، دخلت عليه في صومعته فقلت : يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك قال : منذ سبعين سنة ، قلت :

فما طعامك قال يا حنيفي وما دعاك إلى هذا قلت : أحببت أن أعلم ، قال : في كل ليلة حمصة ، قلت : فما الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة ? قال : ترى الدير الذي بحذائك ? قلت : نعم ، قال : إنهم يأتوني في كل سنة يوما واحدا ، فيزينون صومعتي ، ويطوفون حولها ويعظموني ، فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها عز تلك الساعة ، فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة ، فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد ، فوقر في قلبي المعرفة . فقال : حسبك أو أزيدك قلت : بلى قال أنزل : عن الصومعة ، فنزلت ، فأدلى لي ركوة فيها عشرون حمصة ، فقال لي : ادخل الدير ، فقد رأوا ما أدليت إليك ، فلما دخلت الدير اجتمع علي النصارى ، فقالوا : يا حنيفي ما الذي أدلى إليك الشيخ قلت من قوته ، قالوا فما : تصنع به ونحن ؟! أحق به ، ثم قالوا : ساوم ، قلت : عشرون دينارا ، فأعطوني عشرين دينارا ، فرجعت إلى الشيخ ، فقال : يا حنيفي ، ما الذي صنعت ? قلت : بعته منهم ، قال : بكم ? قلت : بعشرين دينارا ، قال : أخطأت ، لو ساومتهم بعشرين ألف دينار لأعطوك ، هذا عز من لا تعبده فانظر كيف يكون عز من تعبده ؟! يا حنيفي أقبل على ربك ودع الذهاب والجيئة .

التالي السابق


(وأما الزاهد المعتزل عن الناس فينبغي أن يلزم قلبه ذكر الله ) تعالى (والقناعة بعمله) فقط (ولا يخطر بقلبه معرفة الناس بزهده، واستعظامهم محله) وتبجيلهم له (فإن ذلك يغرس الرياء في صدره حتى تتيسر عليه العبادة في خلواته به) وفي نسخة: العبادات في خلوته به .

(وإنما سكونه لمعرفة الناس باعتزاله، واستعظامهم لمحله، وهو [ ص: 331 ] لا يدري أنه المخفف للعمل عليه، قال إبراهيم بن أدهم) رحمه الله تعالى: (تعلمت المعرفة من راهب) في دير (يقال له: سمعان، دخلت عليه في صومعته) التي هو يتعبد فيها (فقلت: يا سمعان منذ كم أنت في صومعتك) هذه؟ (قال: منذ سبعين سنة، قلت: فما طعامك) في هذه المدة؟ (قال يا حنيفي وما دعاك إلى هذا) السؤال؟ (قلت: أحببت أن أعلم، قال: في كل ليلة حمصة، قلت: فما الذي يهيج في قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة؟ قال: ترى الدير الذي بحذائك؟ قلت: نعم، قال: إنهم يأتون في كل سنة يوما واحدا، فيزينون صومعتي، ويطوفون حولها، ويعظمونني، فكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها عز تلك الساعة، فأنا أحتمل جهد سنة لعز ساعة، فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعز الأبد، فوقر في قلبي المعرفة .

فقال: حسبك) أي: يكفيك ما علمت (أو أزيدك، فقلت: بلى) زدني (قال: انزل عن الصومعة، فنزلت، فأدلى) أي: أنزل (إلى ركوة فيها عشرون حمصة، فقال لي: ادخل الدير، فقد رأوا ما أدليت لك، فلما دخلت الدير اجتمعت علي النصارى، فقالوا: يا حنيفي ما الذي أدلى لك الشيخ) يعنون الراهب (قلت) : شيئا (من قوته، قالوا: وما تصنع به؟! فنحن أحق به، ثم قالوا: ساوم، قلت: عشرون دينارا، فأعطوني عشرين دينارا، فرجعت إلى الشيخ، فقال: يا حنيفي، ما الذي صنعت؟ قلت: بعته منهم، قال: بكم؟ قلت: بعشرين دينارا، قال: أخطأت، لو ساومتهم بعشرين ألف دينار لأعطوك، هذا عز من لا تعبده فانظر كيف يكون عز من تعبده؟! يا حنيفي أقبل على ربك ودع الذهاب والجيئة) .

أخرجه أبو نعيم في الحلية، عن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يزيد، حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن عمران النيسابوري، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: سمعت بقية بن الوليد يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: "تعلمت المعرفة من راهب يقال له: سمعان" فذكره له .




الخدمات العلمية