الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الرابع : أن يكثر تأمله في تنعم اليهود والنصارى وأراذل ، الناس ، والحمقى من الأكراد والأعراب الأجلاف ، ومن لا دين لهم ، ولا عقل ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء وإلى سمت الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة والتابعين ويستمع أحاديثهم ويطالع أحوالهم ويخير عقله بين أن يكون على مشابهة أراذل الناس ، أو على الاقتداء بمن هو أعز أصناف الخلق عند الله ; حتى يهون عليه بذلك الصبر على الضنك ، والقناعة باليسير ، فإنه إن تنعم في البطن فالحمار أكثر أكلا منه ، وإن تنعم في الوقاع فالخنزير أعلى رتبة منه وإن تزين في الملبس والحلي ففي اليهود من هو أعلى زينة منه وإن قنع بالقليل ، ورضي به لم يساهمه في رتبته إلا الأنبياء والأولياء .

الخامس : أن يفهم ما في جمع المال من الخطر كما ذكرنا في آفات المال وما فيه من خوف السرقة ، والنهب ، والضياع وما في خلو اليد من الأمن والفراغ ويتأمل ما ذكرناه في آفات المال مع ما يفوته من المدافعة عن باب الجنة إلى خمسمائة عام ، فإنه إذا لم يقنع مما يكفيه ألحق بزمرة الأغنياء . وأخرج من جريدة الفقراء ويتم ذلك بأن ينظر أبدا إلى من دونه في الدنيا لا إلى من فوقه فإن الشيطان أبدا يصرف نظره في الدنيا إلى من فوقه ، فيقول : لم تفتر عن الطلب ، وأرباب الأموال يتنعمون في المطاعم ، والملابس ويصرف نظره في الدين إلى من دونه ، فيقول : ولم تضيق على نفسك ، وتخاف الله ، وفلان أعلم منك وهو لا يخاف الله والناس كلهم مشغولون بالتنعم فلم تريد أن تتميز عنهم قال أبو ذر أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أنظر إلى من هو دوني لا إلى من هو فوقي ، وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا نظر أحدكم إلى من فضله الله عليه في المال ، والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه .

فبهذه الأمور يقدر على اكتساب خلق القناعة .

وعماد الأمر الصبر وقصر الأمل ، وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام قلائل للتمتع دهرا طويلا فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لشدة طمعه في انتظار الشفاء .

التالي السابق


(الرابع: أن يكثر تأمله في تنعم اليهود والنصارى، وأرذال الناس، والحمقى من الأكراد، و) الأجلاف من (الأعراب) ، والسوادية (ومن لا دين لهم، ولا عقل) ، فينظر في تبسطاتهم من الملاذ (ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء) - عليهم السلام -، وسيرهم، وشمائلهم (والأولياء) ، والصالحين (وإلى سمت الخلفاء الراشدين) من الأئمة الأربعة، وعمر بن عبد العزيز (وسائر الصحابة والتابعين) ، ومن على قدمهم من السلف الخالفين، (ويستمع أحاديثهم) وأقوالهم، (ويطالع أحوالهم) من الكتب المؤلفة فيها كحلية أبي نعيم، والقوت لأبي طالب، والرسالة لأبي القاسم، وطبقات النساك، وغيرها (ويخير عقله بين أن يكون على مشابهة أرذال الخلق، أو على الاقتداء بمن هو أعز أصناف الخلق عند [ ص: 170 ] الله; حتى يهون عليه بذلك الصبر على الضنك، والقناعة باليسير، فإنه إن تنعم في البطن) ، أي: في المأكولات (فالحمار أكثر أكلا منه، وإن تنعم في الوقاع) ، أي: الجماع (فالخنزير أعلى رتبة منه) ، فإنه موصوف بكثرته لا يفتر عنه، وكذا الدب يضرب به المثل في كثرة الوقاع، وكذا العصافير فإنها كثيرة السفاد، (وإن تزين في الملبس) الحسن (و) ركوب (الخيل) المسومة (ففي اليهود من هو أعلى رتبة منه) ، وكذا في النصارى، بل وسائر أنواع الكفار في غالب الديار، ويتخذون فرء الخيل للركوب (وإن قنع بالقليل، ورضي به) في كل ما ذكر (لم يساهمه) ، أي: لم يشاركه (في رتبته إلا الأنبياء والأولياء) ، فليتأمل الإنسان في هذا القدر حتى يعرف قدر القناعة.

(الخامس: أن يفهم ما في جمع المال من الخطر) ، والإشراف على الهلاك (كما ذكرناه في آفات قدر المال وما فيه من خوف السرقة، والنهب، والضياع) إما بالحرق، أو بالغرق، أو بغير ذلك من الأسباب (وما في خلو اليد من الأمن) الحاضر (والفراغ) للمخاطر، (ويتأمل ما ذكرناه من آفات المال مع ما يفوته من المدافعة عن باب الجنة إلى خمسمائة عام، فإنه إذا لم يقنع بما يكفيه التحق بزمرة الأغنياء. وأخرج عن جريدة الفقراء) فقد روى أحمد، والترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه من حديث أبي هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسمائة عام، وروى الحكيم في النوادر من حديث سعيد بن عامر بن جذيم: يدخل فقراء المسلمين قبل الأغنياء بخمسمائة سنة، حتى إن الرجل ليدخل في غمارهم فيؤخذ بيده فيستخرج.

(ويتم ذلك بأن ينظر أبدا إلى من هو دونه في الدنيا لا إلى من فوقه) فيها (فإن الشيطان أبدا يصرف نظره في الدنيا إلى من فوقة، فيقول: لم تفتر) ، أي: لم تكسل (عن الطلب، وأرباب الأموال يتنعمون في المطاعم، والملابس) ، والمراكب؟ (ويصرف نظره في الدين إلى من دونه، فيقول: ولم تضيق على نفسك، وتخاف الله، وفلان أعلم منك) وأفضل منك ، (وهو لا يخاف الله) ، ولا يتقيد؟ (والناس كلهم مشغولون بالتنعم) ، والتلذذ (فلم تريد أن تتميز عنهم) في حياتك؟ (قال أبو ذر) - رضي الله عنه -: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أنظر إلى من هو دوني لا إلى من هو فوقي) .

رواه أحمد، وابن حبان في أثناء حديث، وقد تقدم (أي في الدنيا، وقال أبو هريرة) - رضي الله عنه -: (قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا نظر أحدكم) ، أي: تأمل بعينه (إلى من فضله الله عليه في المال، والخلق) بفتح الخاء، وسكون اللام: الصورة، قال الحافظ: ووجد في بعض النسخ المعتمدة ضبطه بضمتين (فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه) ; لأنه إذا نظر إلى من فوقه استصغر ما عنده، وحرص على المزيد فيه، أدبه بالنظر إلى من دونه ليرضى، فيشكر ويقل حرصه; إذ الإنسان حسود بطبعه، فإذا قاده طبعه للنظر إلى الأعلى حملته الغيرة على الكفران والسخط، فإذا رد نفسه إلى النظر إلى الدون حمله حب النعمة إلى الرضا والشكر .

رواه أحمد، والشيخان، وأبو يعلى بلفظ: إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال، والخلق ، فلينظر إلى من هو أسفل منه.

وفي رواية: إلى من تحته، وروى هناد، والبيهقي في الشعب، وقال: والجسم بدل: والخلق، وفيه: فلينظر إلى من هو دونه في المال والجسم.

(فبهذه الأمور يقدر على اكتساب خلق القناعة، وعماد الأمر الصبر) على مر العيش (وقصر الأمل، وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام قلائل للتمتع دهورا طويلة) ، وفي بعض النسخ: دهرا طويلا (فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء) ، وكراهة مذاقه (لشدة طمعه في انتظار الشفاء) من أمراضه الشديدة .




الخدمات العلمية