الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الركن الثالث : المراءى لأجله ، فإن للمرائي مقصودا لا محالة وإنما ؛ يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض ، لا محالة ، وله أيضا ثلاث درجات :

الأولى : وهي أشدها وأعظمها ، أن يكون مقصوده التمكن من معصية ، كالذي يرائي بعبادته ، ويظهر التقوى والورع بكثرة النوافل ، والامتناع عن أكل الشبهات ، وغرضه أن يعرف بالأمانة فيولى القضاء أو الأوقاف أو الوصايا أو مال الأيتام ، فيأخذها ، أو يسلم إليه تفرقة الزكاة ، أو الصدقات ؛ ليستأثر بما قدر عليه منها ، أو يودع الودائع فيأخذها ويجحدها ، أو تسلم إليه الأموال التي تنفق في طريق الحج فيختزل بعضها ، أو كلها ، أو يتوصل بها إلى استتباع الحجيج ، ويتوصل بقوتهم إلى مقاصده الفاسدة في المعاصي. .

وقد يظهر بعضهم زي التصوف وهيئة الخشوع وكلام الحكمة على سبيل الوعظ والتذكير ، وإنما قصده التحبب إلى امرأة أو غلام لأجل الفجور ، وقد يحضرون مجالس العلم والتذكير وحلق القرآن ، يظهرون الرغبة في سماع العلم والقرآن ، وغرضهم ملاحظة النساء والصبيان ، أو يخرج إلى الحج ومقصوده الظفر بمن في الرفقة من امرأة أو غلام .

، وهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى ؛ لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلما إلى معصيته ، واتخذوها آلة ومتجرا وبضاعة لهم في فسقهم ويقرب من هؤلاء وإن كان دونهم من هو مقترف جريمة ، اتهم بها وهو مصر عليها ، ويريد أن ينفي التهمة عن نفسه ، فيظهر التقوى لنفي التهمة ، كالذي جحد وديعة واتهمه الناس بها فيتصدق ، بالمال ؛ ليقال : إنه يتصدق بمال نفسه ، فكيف يستحل مال غيره ؟! وكذلك من ينسب إلى فجور بامرأة أو غلام فيدفع التهمة عن نفسه بالخشوع وإظهار التقوى .

الثانية : أن يكون غرضه نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة كالذي يظهر الحزن والبكاء ، ويشتغل بالوعظ والتذكير ؛ لتبذل له الأموال ويرغب ، في نكاحه النساء ، فيقصد إما امرأة بعينها لينكحها أو امرأة شريفة على الجملة وكالذي ، يرغب أن يتزوج بنت عالم عابد ، فيظهر له العلم والعبادة ؛ ليرغب في تزويجه ابنته .

فهذا رياء محظور ؛ لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا ، ولكنه دون الأول فإن ؛ المطلوب بهذا مباح في نفسه .

الثالثة : أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو نكاح ، ولكن يظهر عبادته خوفا من أن ينظر إليه بعين النقص ، ولا يعد من الخاصة والزهاد ويعتقد أنه من جملة العامة ، كالذي يمشي مستعجلا فيطلع عليه الناس ، فيحسن المشي ويترك العجلة كيلا يقال : إنه من أهل اللهو والسهو ، لا من أهل الوقار وكذلك إن سبق إلى الضحك ، أو بدا منه المزاح ، فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار ، فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء ، وإظهار الحزن ويقول : ما أعظم غفلة الآدمي عن نفسه ! والله يعلم منه أنه لو كان في خلوة لما كان يثقل عليه ذلك ، وإنما يخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار لا بعين التوقير وكالذي يرى جماعة يصلون التراويح أو يتهجدون ، أو يصومون الخميس والاثنين ، أو يتصدقون فيوافقهم خيفة أن ينسب إلى الكسل ، ويلحق بالعوام ، ولو خلا بنفسه لكان لا يفعل شيئا من ذلك ، وكالذي يعطش يوم عرفة أو عاشوراء أو في الأشهر الحرم فلا يشرب ؛ خوفا من أن يعلم الناس أنه غير صائم ، فإذا ظنوا به الصوم امتنع عن الأكل لأجله ، أو يدعى إلى طعام فيمتنع ليظن أنه صائم ، وقد لا يصرح بأني صائم ، ولكن يقول : لي عذر ، وهو جمع بين خبيثين ، فإنه يري أنه صائم ، ثم يري أنه مخلص ليس بمراء ، وأنه يحترز من أن يذكر عبادته للناس ، فيكون مرائيا ، فيريد أن يقال : إنه ساتر لعبادته ، ثم إن اضطر إلى شرب لم يصبر عن أن يذكر لنفسه فيه عذرا تصريحا أو تعريضا بأن يتعلل بمرض يقتضي فرط العطش ويمنع من الصوم ، أو يقول : أفطرت تطييبا لقلب فلان ثم قد لا يذكر ذلك متصلا بشربه ؛ كي لا يظن به أنه يعتذر رياء ، ولكنه يصبر ، ثم يذكر عذره في معرض حكاية عرضا مثل أن يقول : إن فلانا محب للإخوان ، شديد الرغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه ، وقد ألح علي اليوم ، ولم أجد بدا من تطييب قلبه .

ومثل أن يقول : إن أمي ضعيفة القلب ، مشفقة علي ، تظن أني لو صمت يوما مرضت ، فلا تدعني أصوم فهذا وما يجري مجراه من آفات الرياء فلا يسبق إلى اللسان إلا لرسوخ عرق الرياء في الباطن .

أما المخلص فإنه لا يبالي كيف نظر الخلق إليه ، فإن لم يكن له رغبة في الصوم ، وقد علم الله ذلك منه ، فلا يريد أن يعتقد غيره ما يخالف علم الله ، فيكون ملبسا ، وإن كان له رغبة في الصوم لله ، قنع بعلم الله تعالى ، ولم يشرك فيه غيره ، وقد يخطر له أن في إظهاره اقتداء غيره به ، وتحريك رغبة الناس فيه ، وفيه مكيدة وغرور ، وسيأتي شرح ذلك وشروطه .

التالي السابق


(الركن الثالث: المراءى لأجله، فإن للمرائي مقصودا لا محالة؛ فإنه لا يرائي إلا) وفي نسخة: فإنما يرائي (لإدراك مال أو جاه أو غرض، لا محالة، وله أيضا ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: وهي أشدها وأعظمها، أن يكون مقصده التمكن من معصية الله، كالذي يرائي بعبادته، ويظهر التقوى والورع بكثرة النوافل، والامتناع من أكل الشبهات، وغرضه أن يعرف بالأمانة) عندهم (فيولى) منصب (القضاء أو الأوقاف أو الوصايا أو مال الأيتام، فيأخذها، أو يسلم إليه تفرقة الزكاة، أو الصدقات؛ ليستأثر بما يقدر عليه منها، أو يودع) عنده (الودائع فيأخذها أو يجحدها، أو تسلم إليه الأموال التي تنفق في طريق الحج فيختزل) أي: يقتطع (بعضها، أو كلها، أو يتوصل بها إلى استتباع الحجيج، ويتوصل بقوتهم إلى مقاصده الفاسدة في المعاصي .

وقد يظهر بعضهم زي التصوف وهيئة الخشوع وكلام الحكمة على سبيل الوعظ والتذكير، وإنما قصده التحبب إلى امرأة أو غلام لأجل الفجور، وقد يحضرون مجالس العلم والتذكير وحلق القرآن، يظهرون الرغبة في سماع العلم والقرآن، وغرضهم ملاحظة النسوان والصبيان، أو يخرج إلى الحج ومقصده الظفر بمن في الرفقة من غلام أو امرأة، وهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى؛ لأنهم جعلوا طاعة الله سلما لمعصيته، واتخذوها آلة وبضاعة ومتجرا لهم في فسقهم) وخبيث صنعهم .

(ويقرب من هؤلاء -وإن كان دونهم- من هو مقترف جريمة، اتهم بها وهو مصر عليها، ويريد أن ينفي التهمة عن نفسه، فيظهر التقوى لنفي التهمة، كالذي جحد وديعة) لإنسان (فاتهمه الناس بها، فتصدق بالمال؛ ليقال: إنه يتصدق بمال نفسه، فكيف يستحل مال غيره؟! وكذلك من ينسب إلى فجور بامرأة أو غلام فيدفع عنه التهمة بالخشوع وإظهار التقوى) حتى لا يظن به ذلك .

(الدرجة الثانية: أن يكون غرضه نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة) الصورة (كالذي يظهر الحزن والبكاء، ويشتغل بالوعظ والتذكير؛ لتبذل له الأموال، وترغب في نكاحه النساء، فيقصد إما امرأة بعينها لينكحها أو امرأة شريفة) في قومها (على الجملة، وكذلك يرغب في أن يتزوج بنت عالم عابد، فيظهر له العلم والعبادة؛ ليرغب في تزويجه ابنته، فهذا رياء محظور؛ لأنه طلب بطاعة الله متاع) الحياة (الدنيا، ولكنه دون الأولى؛ فإن المطلوب بهذا مباح في نفسه .

الدرجة الثالثة: أن لا يقصد نيل حظ [ ص: 280 ] وإدراك مال أو نكاح، ولكن يظهر عبادته خيفة من أن ينظر إليه بعين النقص، ولا يعد من الخاصة والعباد) وفي نسخة بدله: والزهاد (ويعتقد أنه من جملة العامة، ومن آحاد الناس، كالذي يمشي) في طريق (فيطلع عليه الناس، فيحسن المشي بهيئته ويترك العجلة) والإسراع (كيلا يقال: إنه من أهل اللهو والسهو، لا من أهل الوقار) والخشوع (وكذلك يسبق إلى الضحك، أو يبدر منه المزاح، فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار، فيتبع ذلك بالاستغفار) والحوقلة (وتنفس الصعداء، وإظهار الحزن) وتغير اللون (ويقول: ما أعظم غفلة الآدمي عن نفسه! والله تعالى يعلم منه أنه لو كان في خلوة لما كان يثقل عليه ذلك، وإنما يخاف أن ينظر إليه لا بعين التوقير) والتعظيم .

(وكالذي يرى جماعة يصلون التراويح ويتهجدون، أو يصومون الاثنين والخميس، أو يتصدقون فيوافقهم) في فعلهم (خيفة أن ينسب إلى الكسل، ويلحق بالعوام، ولو خلا بنفسه لكان لا يفعل شيئا منه، وكالذي يعطش في يوم عرفة وعاشوراء أو في الأشهر الحرم فلا يشرب؛ خوفا من أن يعلم الناس أنه غير صائم، فإذا ظنوا به الصوم امتنع من الأكل لأجلهم، أو يدعى إلى الطعام فيمتنع) من الأكل (ليظن أنه صائم، وقد لا يصرح بأنه صائم، ولكن يقول: لي عذر، وهو جمع بين خبيثين، فإنه يرائي أنه صائم، ثم يرائي أنه مخلص ليس بمراء، وأنه يحترز من أن يذكر عبادته للناس، فيكون مرائيا، فيريد أن يقال: إنه ساتر لعبادته، ثم إنه إن اضطر إلى شرب) ماء (لم يصبر عن أن يذكر لنفسه عذرا تصريحا أو تعريضا بأن يتعلل بمرض اقتضى فرط العطش) ولو لم يشرب لتضرر (ويمتنع) لأجل ذلك (من الصوم، أو يقول: أفطرت تطييبا لقلب فلان) ويسميه .

(ثم قد لا يذكر ذلك متصلا بشربه؛ كي لا يظن به أنه يعتذر رياء، ولكنه يصبر، ثم يذكر عذرا في معرض حكاية) يسوقها (مثل أن يقول: إن فلانا) ويسميه باسمه (محب للإخوان، شديد الرغبة في أن يأكل الإنسان من طعامه، وقد ألح علي اليوم، ولم أجد بدا من تطييب قلبه) فوافقته (ومثل أن يقول: إن أمي ضعيفة القلب، مشفقة علي، تظن أني لو صمت يوما مرضت، فلا تدعني أن أصوم) رعاية لخاطرها .

(فهذا وما يجري مجراه علامات الرياء، ولا يسبق إلى اللسان إلا لرسوخ عرق الرياء في الباطن) وتمكنه منه (أما المخلص فلا يبالي كيف نظر الخلق إليه، فإن لم تكن له رغبة في الصوم، وقد علم الله ذلك منه، فلا يريد أن يعتقد غيره ما يخالف علم الله، فيكون ملبسا، وإن كانت له رغبة في الصوم لله، قنع بعلم الله، ولم يشرك فيه غيره، وقد يخطر له) بباله (أن في إظهاره اقتداء غيره به، وتحريك رغبة الناس فيه، وفيه مكيدة وغرور، وسيأتي شرح ذلك وشروطه) في الفصل الذي بعده .




الخدمات العلمية