الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وأما الآثار فيروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلا يطأطئ رقبته ، فقال : يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ؛ ليس الخشوع في الرقاب إنما ، الخشوع في القلوب ورأى أبو أمامة الباهلي رجلا في المسجد يبكي في سجوده فقال : أنت أنت ، لو كان هذا في بيتك .

وقال علي كرم الله وجهه : للمرائي ثلاث علامات : يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس ، ويزيد في العمل إذا أثني عليه ، وينقص إذا ذم .

وقال رجل لعبادة بن الصامت أقاتل بسيفي في سبيل الله أريد به وجه الله تعالى ومحمدة الناس ، قال : لا شيء لك ، فسأله ثلاث مرات ، كل ذلك يقول : لا شيء لك ، ثم قال في الثالثة : إن الله يقول : « أنا أغنى الأغنياء عن الشرك » الحديث وسأل رجل سعيد بن المسيب فقال : إن أحدنا يصطنع المعروف يحب أن يحمد ويؤجر ، فقال له : أتحب أن تمقت ? قال : لا ، قال : فإذا عملت لله عملا فأخلصه .

وقال الضحاك لا يقولن أحدكم : هذا لوجه الله ولوجهك ، ولا يقولن : هذا لله وللرحم ؛ فإن الله تعالى لا شريك له .

وضرب عمر رجلا بالدرة ، ثم قال له اقتص مني فقال : لا ، بل أدعها لله ولك .

فقال له عمر : ما صنعت شيئا ، إما أن تدعها لي فأعرف ذلك ، أو تدعها لله وحده فقال ، ودعتها لله وحده فقال : فنعم إذن .

وقال الحسن لقد صحبت أقواما إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه ، وما يمنعه منها إلا مخافة الشهرة ، وإن كان أحدهم ليمر فيرى الأذى في الطريق فما ، يمنعه أن ينحيه إلا مخافة الشهرة ويقال : إن المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء : يا مرائي ، يا غادر ، يا خاسر ، يا فاجر ، اذهب ، فخذ أجرك ممن عملت له فلا ، أجر لك عندنا .

وقال الفضيل بن عياض كانوا يراءون بما يعملون ، وصاروا اليوم يراءون بما لا يعملون .

وقال عكرمة إن الله يعطي العبد على نيته ما لا يعطيه على عمله ؛ لأن النية لا رياء فيها .

وقال الحسن رضي الله عنه المرائي يريد أن يغلب قدر الله تعالى ، وهو رجل سوء ، يريد أن يقول الناس : هو رجل صالح ، وكيف يقولون وقد حل من ربه محل الأردياء فلا بد لقلوب المؤمنين أن تعرفه .

وقال قتادة إذا راءى العبد يقول الله تعالى : انظروا إلى عبدي يستهزئ بي .

وقال مالك بن دينار القراء ثلاثة : قراء الرحمن وقراء الدنيا ، وقراء الملوك وإن ، محمد بن واسع من قراء الرحمن .

وقال الفضل من أراد أن ينظر إلى مراء فلينظر إلي .

وقال محمد بن المبارك الصوري أظهر السمت بالليل ؛ فإنه أشرف من سمتك بالنهار ؛ لأن السمت بالنهار للمخلوقين وسمت الليل ، لرب العالمين .

وقال أبو سليمان: التوقي عن العمل أشد من العمل .

وقال ابن المبارك إن كان الرجل ليطوف بالبيت وهو بخراسان فقيل له : وكيف ذاك ؟ قال : يحب أن لا يذكر أنه مجاور بمكة .

وقال إبراهيم بن أدهم ما صدق الله من أراد أن يشتهر .

التالي السابق


ثم قال: وبالجملة فآثار الوضع ظاهرة عليه في جميع طرقه وألفاظه. والله أعلم .

(وأما الآثار فيروى عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه رأى رجلا يطأطئ رقبته في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع [ ص: 267 ] رقبتك؛ ليس الخشوع في الرقاب، وإنما الخشوع في القلوب) أورده الإسماعيلي في مناقبه .

(ورأى أبو أمامة الباهلي) رضي الله عنه (رجلا في المسجد يبكي في سجوده فقال: أنت أنت، لو كان هذا في بيتك) أشار بذلك إلى أنه يخاف عليه من الرياء، فأما إذا كان في جوف بيته فلا يطلع عليه أحد إلا الله .

(وقال علي -رضي الله عنه-: للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص إذا ذم) نقله أبو الليث السمرقندي.

(وقال رجل لعبادة بن الصامت) الأوسي رضي الله عنه: (أقاتل بسيفي في سبيل الله أريد به وجه الله ومحمدة الناس، قال: لا شيء لك، فسأله ثلاث مرات، كل ذلك يقول: لا شيء لك، ثم قال في الثانية: إن الله تبارك وتعالى يقول: "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك" الحديث) .

وقد روي نحوه مرفوعا من حديث أبي أمامة، قال: "جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: رأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا شيء له، فأعادها ثلاث مرات، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا شيء له، ثم قال: إن الله لا يقبل إلا ما كان له خالصا، وابتغي به وجهه" ورواه أبو داود والنسائي والطبراني بسند جيد .

وكذلك يروى عن أبي هريرة "أن رجلا قال: يا رسول الله الرجل يجاهد في سبيل الله وهو يبتغي عرضا من الدنيا، قال: لا أجر له، وأعظم الناس هذه، فعاد الرجل، فقال: لا أجر له" رواه الحاكم وصححه، والبيهقي.

(وسأل رجل سعيد بن المسيب) رحمه الله تعالى (فقال: إن أحدنا يصطنع المعروف يحب أن يحمد ويؤجر، فقال له: أتحب أن تمقت؟ قال: لا، قال: فإذا عملت عملا لله فأخلصه.

وقال الضحاك) بن قيس بن خالد بن وهب الفهري، أبو أنيس، الأمير المشهور، صحابي صغير، قتل في مرج راهط سنة أربع وستين، روى له النسائي: (لا يقول أحدكم: هذا لوجه الله ولوجهك، ولا يقول: هذا لله وللرحم؛ فإن الله تعالى لا شريك له) .

وقد روي ذلك عنه مرفوعا بلفظ: "يقول الله: أنا خير شريك، فمن أشرك معي أحدا فهو لشريكه، يا أيها الناس أخلصوا الأعمال لله؛ فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص إليه، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم؛ فإنه للرحم، وليس لله منم شيء".

(وضرب عمر) رضي الله عنه (رجلا بالدرة، ثم قال له) عمر: (اقتصها مني، قال: لا، بل أدعها لله ولك، فقال له عمر: ما صنعت شيئا، إما أن تدعها إلي فأعرف ذلك لك، أو تدعها لله وحده، قال ودعتها لله وحده، قال: فنعم إذا) .

أخرجه الذهبي في نعم السمر، من طريق داود بن عمرو الضبي، حدثنا ابن أبي قتيبة، حدثنا سلامة بن مسيح التميمي، قال: قال الأحنف بن قيس قال: "وفدنا على عمر بفتح عظيم، فقال: أين نزلتم؟ قلت: في مكان كذا وكذا، فقام معنا إلى مناخ ركائبنا، فجعل يتخللها ببصره ويقول: ألا اتقيتم الله في ركابكم، أما علمتم أن لها عليكم حقا، ألا خليتم عنها فأكلت من نبت الأرض، فقلنا: يا أمير المؤمنين إنا قدمنا بفتح عظيم، فرجع ونحن معه، فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين انطلق معي فأعدني على فلان؛ فإنه ظلمني، فخفق رأسه بالدرة، وقال تدعون عمر وهو معرض لكم حتى إذا شغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه، أعدني أعدني، فانصرف الرجل يتذمر، فقال عمر: علي به، فألقى إليه المخفقة، فقال: اقتد، قال لا، ولكن أدعها لله ولك، قال: إما تدعها لله أو لي، قال: أدعها لله، قال: انصرف، ثم جاء يمشي حتى دخل منزله ونحن معه، فافتتح الصلاة، فصلى ركعتين، وجلس، فقال: يا ابن الخطاب ألست كنت وضيعا فرفعك الله تعالى، وكنت ضالا فهداك الله، وكنت ذليلا فأعزك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاءك رجل يستعديك فضربته، ما تقول لربك غدا إذا أتيته؟ فجعل يعاتب نفسه معاتبة طننت أنه من خير أهل الأرض".

(وقال الحسن ) البصري رحمه الله تعالى (لقد صحبت أقواما إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه، وما يمنعه منها إلا مخافة الشهرة، وإن كان أحدهم ليمر فيرى الأذى على الطريق، فلا يمنعه أن لا ينحيه إلا مخافة الشهرة) أخرجه أبو نعيم في الحلية .

(ويقال: إن المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي، يا غادر، يا خاسر، يا فاجر، اذهب، فخذ أجرك ممن عملت [ ص: 268 ] له، ولا أجر لك عندنا) .

وهذا قد روي مرفوعا من رواية جبلة اليحصبي، عن صحابي لم يسم، بلفظ: "يا فاجر، يا غادر، يا كافر، يا خاسر" رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص بسند ضعيف، وقد تقدم قريبا .

(وقال الفضيل) بن عياض رحمه الله تعالى (كانوا يراؤون بما يعملون، وصاروا اليوم يراؤون بما لا يعملون) أخرجه أبو نعيم في الحلية .

(وقال عكرمة) مولى ابن عباس: (إن الله يعطي العبد على قدر نيته ما لا يعطيه على قدر عمله؛ لأن النية لا رياء فيها) نقله صاحب القوت .

(وقال الحسن ) البصري -رحمه الله تعالى-: (المرائي يريد أن يغلب قدر الله تعالى، وهو رجل سوء، يريد أن يقول الناس: هو رجل صالح، وكيف يقولون وقد حل من ربه محل الأردياء) جمع رديء (فلا بد لقلوب المؤمنين أن تعرفه) أخرجه أبو نعيم في الحلية .

(وقال قتادة) بن دعامة السدوسي البصري العابد الثقة: (إذا راءى العبد يقول الله تبارك وتعالى: انظروا إلى عبدي يستهزئ بي) أخرجه البيهقي في الشعب .

(وقال مالك بن دينار) البصري -رحمه الله تعالى-: (القراء ثلاثة: قراء الدنيا، وقراء الملوك، وقراء الرحمن، وإن محمد بن واسع من قراء الرحمن) .

قال أبو نعيم في الحلية: حدثنا أبو عمر وعثمان بن محمد العثماني، حدثنا إسماعيل بن علي، حدثنا هارون بن حميد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إن من القراء قراء ذا وجهين، إذا لقوا الملوك دخلوا معهم فيما هم فيه، وإذا لقوا أهل الآخرة دخلوا معهم فيما هم فيه، وقراء يكونون من قراء الرحمن، وإن محمد بن واسع من قراء الرحمن" .

حدثنا أبو حامد بن جبلة، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا هارون، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "القراء ثلاثة: فقارئ للرحمن، وقارئ للدنيا، وقارئ للملوك، فيا هؤلاء محمد بن واسع عندي من قراء الرحمن" .

حدثنا مخلد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن محمد ابن ناجية، حدثنا نصر بن علي، قال سمعت سفيان يقول: قال مالك بن دينار: "للأمراء قراء، وللأغنياء قراء، وإن محمد بن واسع من قراء الرحمن" .

(وقال محمد بن المبارك) بن يعلى القرشي أبو عبد الله (الصوري) القلانسي، العابد، نزيل دمشق، وشيخ الشام بعد أبي مسهر، ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، قال: وكان مولده سنة 153 ووفاته سنة 215، روى له الجماعة: (أظهر السمت بالليل؛ فإنه أشرف من سمتك بالنهار؛ لأن السمت بالنهار للمخلوقين، وسمتك بالليل لرب العالمين .

وقال أبو سليمان) الداراني -رحمه الله تعالى-: (التوقي على العمل أشد من العمل) وهذا قد روي مرفوعا من حديث أبي الدرداء، بلفظ: "إن الاتقاء على العمل أشد من العمل" رواه البيهقي بسند ضعيف، ونقل نحوه عن أبي بكر الواسطي قال: "حفظ الطاعة أشد من فعلها؛ لأن مثلها مثل الزجاج لا يقبل الجبر" .

(وقال ابن المبارك) عبد الله -رحمه الله تعالى-: (إن الرجل ليطوف بالبيت وهو بخراسان) أي: قلبه متعلق بخراسان (قيل له: وكيف ذلك؟ قال: يحب أن يذكر أنه مجاور بمكة) وهذا بخلاف قول بعضهم: قوم بخراسان وقلوبهم بمكة.

(وقال إبراهيم بن أدهم) رحمه الله تعالى: (ما صدق الله من أراد أن يشتهر) أخرجه أبو نعيم في الحلية .

ومن الآثار:

قال محمد ابن الحنفية: "كل ما لا يبتغى به وجه الله مضمحل" أخرجه أبو نعيم في الحلية .

وقال الربيع بن خثيم: "ما لم يرد به وجه الله يضمحل" أخرجه ابن أبي شيبة.

وعن أبي العالية قال: قال لي أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-: "يا أبا العالية لا تعمل لغير الله فيكلك الله إلى ما عملت له".

وقال ابن مسعود: "من صلى صلاة والناس يرونه فليصل إذا خلا مثلها، وإلا فإنما هي استهانة يستهين بها ربه" أخرجه ابن أبي شيبة، ويأتي ذلك للمصنف في فصل الرياء بأوصاف العبادات .




الخدمات العلمية