الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
أما علاج هذين المانعين فهو أن يقول لقلبه : ما أشد غباوتك في الاحتراز من الفكر في الموت ، وما بعده تألما بذكره مع استحقار ألم مواقعته ، فكيف تصبر على مقاساته إذا وقع ، وأنت عاجز عن الصبر على تقدير الموت وما بعده ومتألم به . وأما الثاني ، وهو كون الفكر مفوتا للذات الدنيا فهو أن يتحقق أن فوات لذات الآخرة أشد وأعظم ، فإنها لا آخر لها ، ولا كدورة فيها ، ولذات الدنيا سريعة الدثور وهي مشوبة بالمكدرات ، فما فيها لذة صافية عن كدر ، وكيف وفي التوبة عن المعاصي والإقبال على الطاعة تلذذ بمناجاة الله تعالى ، واستراحة بمعرفته وطاعته .

وطول الأنس به ، ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة وروح الأنس بمناجاة الله تعالى لكان ذلك كافيا فكيف بما ينضاف إليه من نعيم الآخرة ، نعم هذه اللذة لا تكون في ابتداء التوبة ، ولكنها بعد ما يصير عليها مدة مديدة وقد صار الخير ديدنا كما كان الشر ديدنا فالنفس قابلة ما عودتها تتعود والخير عادة ، والشر لجاجة .

فإذن هذه الأفكار هي المهيجة للخوف المهيج لقوة الصبر عن اللذات ومهيج هذه الأفكار وعظ الوعاظ ، وتنبيهات تقع للقلب بأسباب تتفق لا تدخل في الحصر فيصير الفكر موافقا للطبع فيميل القلب إليه ويعبر عن السبب الذي أوقع الموافقة بين الطبع والفكر الذي هو سبب الخير بالتوفيق ; إذ التوفيق هو التأليف بين الإرادة ، وبين المعنى الذي هو طاعة نافعة في الآخرة وقد روي في حديث طويل أنه قام عمار بن ياسر فقال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه : يا أمير المؤمنين ، أخبرنا عن الكفر على ماذا بني ? فقال علي رضي الله عنه : بني على أربع دعائم : على الجفاء ، والعمى ، والغفلة ، والشك ، فمن جفا احتقر الحق ، وجهر بالباطل ، ومقت العلماء ومن عمي نسي الذكر ، ومن غفل حاد عن الرشد ، ومن شك غرته الأماني فأخذته الحسرة والندامة ، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب ، فما ذكرناه بيان لبعض آفات الغفلة عن التفكر وهذا القدر في التوبة كاف وإذا كان الصبر ركنا من أركان دوام التوبة فلا بد من بيان الصبر ، فنذكره في كتاب مفرد إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


(وأما علاج هذين المانعين فهو أن يقول لقلبه: ما أشد غباوتك في الاحتراز من الفكر في الموت، وما بعده تألما بذكره مع استحقار ألم مواقعته، فكيف تصبر على مقاساته إذا وقع، وأنت عاجز عن الصبر على تقدير الموت وما بعده ومتألم به .

وأما الثاني، وهو كون الفكر مفوتا للذات الدنيا فهو أن يتحقق أن لذة الآخرة أشد وأعظم، فإنها لا آخر لها، ولا كدورة فيها، ولذات الدنيا سريعة الدثور) أي: الذهاب والانطماس، (وهي) مع ذلك (مشوبة بالمكدرات، فما فيها لذة صافية عن كدر، وكيف وفي التوبة عن المعاصي والإقبال على الطاعة تلذذ بمناجاة الله تعالى، واستراحة بمعرفته وطاعته وطول الأنس به، ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة وروح الأنس بمناجاة الله تعالى لكان ذلك كافيا) ، ولم يحتج فيه إلى ضميمة (فكيف بما ينضاف إليه من نعيم الآخرة، نعم هذه اللذة لا تكون في ابتداء التوبة، ولكنها بعدما يصبر عليها مدة مديدة فقد صار الخير ديدنا) أي: عادة وطبعا (كما كان [ ص: 630 ] الشر) قبل ذلك (ديدنا) وطبعا (فالنفس قابلة لما عودتها) راغبة ما رغبتها (فتعود الخير عادة، والشر لجاجة) ، والعادة من العود إلى الشيء مرة بعد أخرى، وأكثر ما تستعمل في المراجعة في الشيء المضر بشؤم الطبع من غير تدبر عاقبته، ويسمى فاعله لجوجا .

وروى الطبراني في الكبير عن ابن مسعود موقوفا: "الخير عادة"، وروى ابن ماجه، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي، والقضاعي، وابن عساكر، من طريق يونس بن ميسرة بن حليس، عن معاوية بن أبي سفيان رفعه: "الخير عادة، والشر لجاجة" زاد بعضهم فيه، "ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، (فإذا هذه الأفكار هي المهيجة) أي: الباعثة (للخوف المهيج لقوة الصبر على اللذات) والشهوات، (ويهيج هذه الأفكار وعظ الواعظ، وتنبيهات تقع للقلب) على سبيل ورود الواردات (بأسباب تتفق) في بعض الأحوال والأحيان (لا تدخل في الحصر) ، ولا في الضبط، (فيصير الفكر موافقا للطبع فيميل القلب إليه) ، ومعنى موافقته للطبع الرجوع إلى الخير والامتناع عن الشر، فيكون الفكر بمنزلة الحاكم، والطبع محكوما عليه، (ويعبر عن السبب الذي أوقع الموافقة بين الطبع والفكر الذي هو سبب الخير بالتوفيق; إذ التوفيق هو التأليف بين الإرادة، وبين المعنى الذي هو طاعة نافعة في الآخرة) ، ويقرب منه قول بعضهم: هو جعل الله فعل عبده موافقا لما يحبه ويرضاه، وقول بعضهم: هو الهداية إلى وفق الشيء، وقدره وما يوافقه، ويعبر عنه أيضا بالتسديد، (وقد روي في حديث طويل) يروى من طريق أهل البيت (أنه قام عمار بن ياسر) رضي الله عنه (فقال لعلي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن الكفر على ماذا بني؟ فقال علي رضي الله عنه: بني على أربع دعائم: على الجفاء، والعمى، والغفلة، والشك، فمن جفا احتقر الحق، وجهر بالباطل، ومقت العلماء) أي: أبغضهم، (ومن عمي نسي الذكر، ومن غفل حاد عن الرشد، ومن شك غرته الأماني فأخذته المساءة والندامة، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب ) ، ومن شك تاه في الضلالة اهـ .

ورواه صاحب نهج البلاغة في حديث طويل عن علي رضي الله عنه قال فيه: والكفر على أربع دعائم: على التعمق، والتنازع، والزيغ، والشقاق، فمن تعمق لم يتب إلى الحق، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق، ومن زاغ ساءت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة، وسكر سكر الضلالة، ومن شاق وعرت عليه طرقه، وأعضل عليه أمره، وضاق مخرجه، والشك على أربع شعب على: التماري والهول والتردد والاستيلاء، فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله، ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه، ومن تردد في الريب، وطئته سنابك الشياطين، ومن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة هلك فيها اهـ .

قلت: هكذا رواه قبيصة بن جابر، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهما قالوا: كنا جلوسا عند علي بن أبي طالب إذ أتاه رجل من خزاعة فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن الإسلام والكفر على ماذا بنيا؟ فساقوه بطوله. ورواه الحارث عن علي مختصرا .

(فما ذكرناه بيان لبعض آفات الغفلة عن التفكر) إذ جعل الغفلة أحد مقامات الكفر، وقرنها بالعمى والشك، وأحال صاحبها عن الرشد، ووصفه بالحيرة، (وهذا القدر في التوبة كاف) لذوي البصائر .

(وإذا كان الصبر ركنا من أركان دوام التوبة فلا بد من بيان الصبر، فنذكره في كتاب مفرد إن شاء الله تعالى) ، وبهذا ينكشف لك سر الترتيب الذي رتبه المصنف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب فما أغزر عمله، وأدق نظره، فنسأل الله تعالى أن يزيدنا علما، ويرحمنا فيما نعلم بمنه وسعة جوده، وبه تم شرح كتاب التوبة .



(خاتمة)

في ذكر ما يتعلق من التنبيهات والإشارات في التوبة:

قال أبو القاسم القشيري في الرسالة: إن للتوبة أسبابا وترتيبا وأقساما; فأول ذلك انتباه القلب عن رقدة الغفلة، ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة، ويصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للإصغاء إلى ما يخطر بباله من زواجر الحق سبحانه بسمع قلبه، فإذا تمكن بقلبه سوء ما يصنعه، وأبصر ما هو عليه من قبيح الأفعال رسخ في قلبه إرادة التوبة، والإقلاع عن قبيح المعاملة، فيمده الحق سبحانه بتصحيح العزيمة والأخذ في جميع الرجوع والتأهب لأسباب التوبة، فأول [ ص: 631 ] ذلك هجران إخوان السوء; فإنهم هم الذين يحملون على رد هذا القصد، ويشوشون عليه صحة هذا العزم، ولا يتم ذلك إلا بالمواظبة على المشاهدة التي تزيد رغبته في التوبة، وتوفر دواعيه على إتمام ما عزم عليه مما يقوي خوفه ورجاءه، فعند ذلك تنحل من قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الفعال، فيقف عن تعاطي المحظورات، ويكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات فيفارق الزلة في الحال، ويبرم العزيمة على أن لا يعود إلى مثلها في الاستقبال، فإن مضى على موجب قصده، ونفذ بمقتضى عزمه، فهذا الموفق صدقا وإن نقض التوبة مرة أو مرات وتحمله إرادته على تجديدها، وقد يكون مثل هذا كثيرا فلا ينبغي قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء; فإن لكل أجل كتابا .

حكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: اختلفت إلى مجلس قاص فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت لم يبق في قلبي شيء، فعدت ثانيا فسمعت كلامه فبقي في قلبي كلامه في الطريق، ثم زال عن قلبي فعدت ثالثا، فبقي أثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي فكسرت آلات المخالفات، ولازمت الطريق، فحكى هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال: عصفور اصطاد كركا، أراد بالعصفور ذلك القاص، وبالكركي أبا سليمان الداراني.

ويحكى عن أبي حفص الحداد أنه قال: تركت العمل كذا وكذا مرة، فعدت إليه، ثم تركني العمل فلم أعد بعد إليه، وقيل: إن أبا عمرو بن نجيد في ابتداء أمره اختلف إلى مجلس أبي عثمان فأثر في قلبه كلامه فتاب، ثم إنه وقعت له فترة فكان يهرب من أبي عثمان إذا رآه، ويتأخر عن مجلسه، فاستقبله أبو عثمان يوما، فعدا أبو عمرو عن طريقه وسلك طريقا آخر، فتبعه أبو عثمان، فما زال به يقفو أثره حتى لحقه، ثم قال: له يا بني لا تصحب من لا يحبك إلا معصوما، إنما ينفعك أبو عثمان في مثل هذه الحالة، قال: فتاب أبو عمرو، وعاد إلى الإرادة وتعبد .

سمعت الشيخ أبا علي الدقاق يقول: تاب بعض المريدين ثم وقعت له فترة، فكان يفكر وقتا لو عاد إلى التوبة كيف كان حكمه؟ فهتف به هاتف: يا فلان أطعتنا فشكرناك، ثم تركتنا فأمهلناك، فإن عدت إلينا قبلناك. فعاد الفتى إلى الإرادة وتعبد، فإذا ترك المعاصي، وحل عن قلبه عقدة الإصرار، وعزم على أن لا يعود إلى مثله، فعند ذلك يخلص إلى قلبه صادق الندم فيتأسف على ما عمله، ويأخذ في التحسر على ما ضيعه من أحواله، وارتكبه من قبيح أعماله، فتتم توبته وتصدق مجاهدته، واستبدل بمخالطة العزلة وبصحبته مع إخوان السوء التوحش عنهم والخلوة، ويصل ليله بنهاره في التلهف، ويغتبق في عموم أحواله صدق التأسف، ويمحو بصبوب عبرته آثار عثرته، ويأسو لحبس توبته كلوم حوبته يعرف من بين أمثاله بذبوله، ويستدل على صحة حاله بتحوله، ولم يتم له شيء من هذا إلا بأربعة: فراغه من إرضاء خصومه، والخروج عما لزمه من مظالمه فإن أقل منزلة في التوبة إرضاء الخصوم بما أمكنه، فإن اتسع ذات يده لإيصال حقوقهم إليهم، أو سمحت نفوسهم بإحلاله والبراءة عنه، وإلا فالعزم بقلبه إلى أن يخرج عن حقوقهم عند الإمكان والرجوع إلى الله بصدق الابتهال، والدعاء لهم، وللتائبين صفات وأحوال هي من خصالهم يعد ذلك من جملة التوبة لكونها من صفاتهم، لا لأنها من شروط صحتها، وإلى ذلك تشير أقاويل الشيوخ في معنى التوبة، ثم ساقها فمن ذلك قول أبي علي الدقاق: التوبة بداية، والأوبة نهاية، والإنابة واسطتهما، فكل من تاب لخوف العقوبة فهو صاحب توبة، ومن تاب طمعا في الثواب فهو صاحب إنابة، ومن تاب مراعاة للأمر لا لرغبة في الثواب، ولا لرهبة من العقاب، فهو صاحب أوبة، ويقال أيضا التوبة صفة المؤمنين، والإنابة صفة المقربين، والأوبة صفة الأنبياء والمرسلين .

وقال الجنيد: سمعت الحارث يقول: ما قلت قط: اللهم إني أسألك التوبة، ولكن أقول: أسألك شهوة التوبة.

وسئل ذو النون المصري عن التوبة فقال: توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة، وقال أبو الحسن النوري: التوبة أن تتوب من كل شيء سوى الله عز وجل، وقال عبد الله بن علي التميمي: شتان ما بين تائب يتوب من الزلات، وتائب يتوب من الغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات، وكان يحيى بن معاذ يقول: إلهي لا أقول: تبت، ولا أعود لما أعرف من خلقي، ولا أضمن ترك الذنوب لما أعرف من ضعفى، ثم إني أقول: لا أعود لعلي أموت قبل أن أعود، وسئل ابن يزدانيار عن العبد إذا خرج إلى الله عز وجل على أي [ ص: 632 ] أصل يخرج، فقال: على أن لا يعود إلى ما منه خرج، ولا يراعي غير من إليه خرج، ويحفظ سره عن ملاحظة ما تبرأ منه، فقيل له: هذا حكم من خرج عن وجود، فكيف حكم من خرج من عدم، فقال: وجود الحلاوة في المستأنف عوضا عن المرارة في السالف.

وقال ذو النون: حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، ثم لا يكون لك قرار، ثم تضيق عليك نفسك.

وقيل لأبي حفص: لم يبغض التائب الدنيا؟ فقال: لأنها دار باشر فيها الذنوب، فقيل له: فهي دار أيضا قد أكرمه الله فيها بالتوبة، فقال: إنه من الذنب على يقين، ومن قبول التوبة على خطر.

وقال رجل لرابعة: إني قد أكثرت من الذنوب والمعاصي، فلو تبت هل يتوب علي؟ فقالت: لا لو تاب عليك لتبت .

وقال يحيى بن معاذ: زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها، وقال أبو عمر الأنماطي: ركب علي بن عيسى الوزير في مركب عظيم، فجعل الغرباء يقولون: من هذا؟ من هذا؟ فقالت امرأة قائمة على الطريق: إلى متى تقولون: من هذا؟ من هذا؟ هو عبد سقط من عين الله تعالى، فابتلاه بما ترون، فسمع علي بن عيسى ذلك فرجع إلى منزله، واستعفى من الوزارة، وذهب إلى مكة، وجاور بها. إلى هنا كلام القشيري، وقد اختصرت في سياقه .

وقال صاحب العوارف: توبة الاستجابة لمثلثي هي أن تستحي من الله لقربه منك إذا تحقق بها، ربما تاب في صلاته من كل خاطر يلم به سوى الله، ويستغفر الله منه، وهي لازمة لبواطن أهل القرب كما قيل:


وجودك ذنب لا يقاس به ذنب



وقال: وسئل أبو يعقوب السوسي عن التوبة فقال: التوبة من كل شيء ذمه العلم إلى ما مدحه العلم، قال: وهذا وصف يعم الظاهر والباطن لمن كوشف بصريح العلم; لأنه لا بقاء للجهل مع العلم كما لا بقاء لليل مع طلوع الشمس، وهذا يستوعب جميع أقسام التوبة بالوصف الخاص والعام، وهذا العلم يكون علم الظاهر والباطن، لتطهر الظاهر والباطن بأخص أوصاف التوبة، وأعم أوصافها اهـ .

وقال صاحب القوت: قال أبو محمد سهل: ليس من الأشياء أوجب على الخلق من التوبة، ولا عقوبة أشد عليهم من فقد علم التوبة، وقد جهل الناس علم التوبة، وقال: من يقول: إن التوبة ليس بفرض فهو كافر، ومن رضي بقوله فهو كافر .

وقال بعض علماء الشام: لا يكون المريد تائبا، حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال معصية عشرين سنة .

وكان إبراهيم بن أدهم يقول منذ أربعين سنة أشتهي أن أشتهي لأترك ما أشتهي، فلا أجد ما أشتهي، وإذا اتبع العبد الذنب بالذنب، ولم يجعل بين الذنبين توبة خيف عليه الهلكة; لأن هذا حال المصر، ولأنه قد شرد عن مولاه بترك رجوعه إليه، ودوام مقامه مع النفس على هواه، وهذا مقام المقت والبعد، فأفضل ما يعمله العبد قطع شهوات النفس أحلى ما يكون عنده الهوى; إذ ليس لشهواتها آخر ينتظر، كما ليس لبدايتها أول يرتسم، فإن لم يقطع ذلك لم تكن له نهاية، فإن شغل بما يستأنف من مزيد الطاعة، ووجد حلاوة العبادة، وإلا آخذ نفسه بالتصبر والمجاهدة، وهذه طريق الصادقين من المريدين، ثم لا يتخذ التائب عادة من ذنب تتعذر عليه توبته; فإن العادة جند من جنود الله تعالى لولاها لكان الناس كلهم تائبين، ولولا الابتلاء لكان الناس كلهم مستقيمين، وآخر شيء على التائب تمكينه خاطر السوء من قلبه بالإصغاء إليه فإنه سبب هلكته، وكل سبب يدعو إلى معصية أو يذكر معصية فهو معصية، وكل سبب يؤول إلى ذنب ويؤدي إليه فهو ذنب، وإن كان مباحا فقطعه طاعة، وهذا من دقائق الأعمال .

وقد كان يقال: من أتى عليه أربعون وهو العمر، وكان مقيما على ذنب لم يكد يتوب منه إلا القليل من المتداركين، وقد اشترط تعالى على التائبين من المؤمنين شرطين، وشرط على التائبين من المنافقين أربعة شروط; لأنهم اعتلوا بالخلق في الأعمال فأشركوهم بالخالق في الإخلاص، وضعف عليهم الشرط تشديدا لشدة دخولهم في المقت، واعتل غيرهم بوصفه فخفف عنهم شرطين، فقال تعالى: إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فقوله: تابوا أي: رجعوا إلى الحق من أهوائهم، وأصلحوا يعني ما أفسدوا بنفوسهم وبينوا، فيه وجهان: أحدهما بينوا ما كانوا يكتمون من الحق، ويخفون من حقيقة العلم، وهذا لمن عصى بكتم العلم، وستر الحق بالباطل .

وقيل: بينوا توبتهم حتى تبين ذلك فيهم، وظهرت أحكام التوبة فيهم، وقال تعالى في الشرطين الآخرين: [ ص: 633 ] إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله لأنهم كانوا يعتصمون بالناس وبالأموال وكانوا يراءون بالأعمال; فلذلك اشترط عليهم الاعتصام بالله والإخلاص لله، وقال بعض العارفين: العامة يتوبون من سيئاتهم، والصوفية يتوبون من حسناتهم يعني من تقصيرهم في أدائها لعظم ما يشهدون من حق الملك العزيز المقابل بها، ومن نظرهم إليها، وإلى نفوسهم بها، وهي منة إليهم واصلة، قال: وإنما حرم بعض التائبين المزيد، ولم يجدوا حلاوة التوبة لتهاونهم بحال الرعاية، وتسامحهم بترك حسن القيام بشاهد المراقبة، وذلك من قلة إحكام أمر التوبة، ولعدم القيام بحكم التوبة من الذنب الواحد، وأحكموا حال ثواب الصادقين في التوبة، لم يعدموا من الله المزيد; لأنهم محسنون، فهي في تجديد، قال الله تعالى: وسنزيد المحسنين ، فإذا رأيتك مستقيما على التوبة عاملا بالصالحات، ولم تجدك على مزيد من ميراث يوجد حلاوة أو حسن خليقة، أو عزوف زهد، أو خاصية معرفة فارجع إلى باب المراقبة أو موقف الرعاية فتفقدهما وأحكم حالهما فمن قبلهما أتيت .

وقال بعض العلماء: من تاب من تسعة وتسعين ذنبا، ولم يتب من ذنب واحد لم يكن عندنا من التائبين .



واعلم أن حقيقة التوبة من كل ذنب عشرة أعمال إلا أن يكون العبد توابا يحبه الله، ولا تكون توبته نصوحا التي شرطها الله تعالى، وفسرتها النبوة إلا أن يحكم العبد عشر توبات من كل ذنب: أولها ترك العود إلى فعل الذنب، ثم يتوب من القول به، ثم يتوب من الاجتماع مع سبب الذنب، ثم التوبة من السعي في مثله، ثم التوبة من النظر إليه، ثم التوبة من الاستماع إلى القائلين به، ثم التوبة من الهمة به، ثم التوبة من التقصير في حق التوبة، ثم التوبة من أن لا يكون أراد إلا وجه الله خالصا بجميع ما تركه لوجهه، ثم التوبة في النظر إلى التوبة والسكون إليها والإدلال بها، وهذا مطالعة التوحيد، وعلو الإشراق بالمريد، ثم يشهد بعد ذلك تقصيره عن القيام بحق الربوبية; لعظم ما يشهد من جلاله، فتكون توبته بعد ذلك من تقصيره عن القيام بحقيقة مشاهدته، ويكون استغفاره من توبته لما ضعف قلبه، ونقص همه عن معاينة مشاهده لعلو مقامه ودوام مزيده وإعلامه .

ولكل مقام توبة، ولكل حال من مقامات التوبة توبة، ولكل مشاهدة ومكاشفة توبة، فهذا حال التائب المنيب الذي هو من الله مقرب، وعنده حبيب، وهذا مقام مفتن تواب أي: مختبر بالأشياء مبتلى بها تواب إلى الله تعالى منها، راجع إليه عنها، ناظر إليه بها; لينظر مولاه أو ينظر بقلبه إليه أو إليها، أو يعتكف عليه أو عليها، أو يطمئن بوجودها إليها أو إليه، أو يطالب إياه هربا منها أو إياها فعليه من كل مشاهدة لسواه ذنب، وعليه من كل سكون إلى سواه عتب، كماله من كل شهادة علو، ومن كل إظهار في الكون حكم، فذنوبه وتوباته إلى الله تعالى لا تحصى. انتهى .

وروى صاحب نهج البلاغة أن عليا رضي الله عنه قال لرجل: قال بحضرته: أستغفر الله، ثكلتك أمك، أتدري ما الاستغفار؟ الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان: أولها الندم على ما مضى، والثاني العزم على ترك العود إليه أبدا، والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله عز وجل، ليس عليك تبعة، والرابع أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السمت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم، وينشأ بينهما لحم جديد. والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية. فعند ذلك تقول: أستغفر الله اهـ .

وقال صاحب القاموس في كتاب البصائر: قال الله تعالى: ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون قسم العباد إلى تائب وظالم، وما ثم قسم ثالث البتة، وأوقع الظلم على من لم يتب، ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه وبعيب نفسه وبآفات أعماله .

واعلم أن صاحب النظر إلى الوعد والوعيد يحدث له ذلك خوفا وخشية يحمله على التوبة، الثاني أن ينظر إلى أمره ونهيه فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة، والإقرار على نفسه بالذنب .

الثالث أن ينظر إلى تمكين الله تعالى إياه منها بتخلية بينه وبينها وتقديرها، وأنه لو شاء لعصمه منها فيحدث ذلك أنواعا من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وحكمته ورحمته ومغفرته وحلمه وكرمه، وتوجب له هذه المعرفة عبودية [ ص: 634 ] فهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها، ويعلم ارتباط الخلق والأمر، والجزاء بالوعد والوعيد بأسمائه وصفاته، وإن ذلك موجب الأسماء والصفات وأثرها في الوجود، وإن كل اسم مفيض أثره، وهذا المشهد يطلعه على رياض مونقة المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة ما يضيق عن التعبير نطاق الكلم .

والنظر الرابع نظره إلى الآمر له بالمعصية، وهو شيطانه الموكل به فيفيد النظر إليه اتخاذه عدوا وكمال الاحتراز منه والتحفظ والتيقظ لما يريده منه عدوه، وهو لا يشعر به، فإنه يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات بعضها أصعب من بعض:

عقبة الكفر بالله ودينه ولقائه .

ثم عقبة البدعة، إما باعتقاد خلاف الحق، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله من الرسوم المحدثة .

قال بعض مشايخنا: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة فولدت بينهما خسران الدنيا والآخرة .

ثم عقبة الكبائر وتزيينها له، وإن كان الإيمان فيه الكفاية .

ثم عقبة الصغائر بأنها مغفورة ما اجتنبت الكبائر، فما زال يحببها حتى يصر عليها .

ثم عقبة المباحات فيشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وأقل ما يناله منه تفويت الأرباح العظيمة .

ثم عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة، يزينها له، ويشغله بها عما هو أفضل وأعظم ربحا. ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم والأكثرون، قد ظفر بهم في العقبة الأولى، فإن عجز عنه في هذه العقبات جاءه في عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى على حسب مرتبته في الخير .

قال: وورود التوبة في القرآن على ثلاثة أوجه: الأول بمعنى التجاوز والعفو، وهذا مقيد بـ "على" فتاب عليكم ، أو يتوب عليهم ، و ويتوب الله على من يشاء .

الثاني بمعنى الرجوع والإنابة، وهذا مقيد بـ "إلى" تبت إليك فتوبوا إلى بارئكم ، وتوبوا إلى الله .

الثالث بمعنى الندم على الزلة، وهذا غير مقيد لا بـ "إلى"، ولا بـ "على" إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن تبتم فهو خير لكم .



ويقال: إن التوبة من طريق المعنى على ثلاثة أنواع: فالأول التوبة من ذنب يكون بين العبد وبين ربه، وهذه تكون بندامة الجنان واستغفار اللسان .

والثاني: التوبة من ذنب يكون بين العبد وبين طاعة الرب، وهذه تكون بجبر النقصان الواقع فيها .

والثالث من ذنب يكون بين العبد وبين الخلق، وهذه تكون بإرضاء الخصوم بأي وجه من الإمكان، ومن طريق اللفظ .

وسبيل اللطف على ثلاثة وثلاثين درجة منها: لا تكون مثمرة حتى يتم أمرها، ولا تظن أنك فريد فيها، فإن أباك آدم كان مقدم التائبين .

وإذا أردت التوبة فهو المريد لتوبتك، فإذا تاب فتوبته عليك جزاؤه بمحبته، ولا تقبل توبة من يدخرها من الوقت، ومن توقف عن سلوك طريق الناس، وسم جبين حاله بميسم الخائبين من الرجال، لا يقعدهم على سرر السرور إلا التوبة، ولا ينال مقام التوبة إلا بتوفيق الله .

وإذا تاب المؤمن أقبل الله عليه بالقبول، وكفل له نيل المأمول، ومن تاب كان في أمان الإيمان مصاحبا لسلاح الصلاح، ومن تاب وقصد الباب حصل له الفرج أفضل الأسباب .

إذا أقبل العبد على باب التوبة استحكم عقد إخوته مع أهل الإيمان من أثار غبار المعاصي، واتبعه برشاش الندم غلبت الحكمة الإلهية طاعته على معصيته .

من لاذ بحرم التوبة قبل القدرة عليه فلا سبيل للإيذاء عليه .

وعلى هذا القدر وقع الاقتصار في ذكر ما يليق بالتوبة من الإشارات والتنبيهات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد سيد المخلوقات الشافع المشفع للمذنبين في العرصات، وعلى آله وصحبه الثقات الأنجم الهداة .

كان الفراغ منه في الثاني عشر من رجب الفرد الحرام سنة 1202، والحمد لله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

تم الجزء الثامن ويليه الجزء التاسع أوله كتاب الصبر والشكر .

/////



الخدمات العلمية