الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني عشر في اختلاف الزوجين في النكاح

جزء التالي صفحة
السابق

المسألة الخامسة : إذا زوج أمته ثم قال : كنت مجنونا أو محجورا علي وقت تزويجها ، وأنكر الزوج وقال : تزوجتها تزوجا صحيحا ، فإن . لم يعهد السيد ما ادعاه ولا بينة ، فالقول قول الزوج بيمينه ; لأن الظاهر صحة النكاح . وكذا لو قال : زوجتها وأنا محرم ، أو قال : لم تكن ملكي يومئذ ثم ملكتها ، وكذا الحكم لو باع عبدا ثم قال بعد البيع : بعته وأنا محجور علي ، أو لم يكن ملكي ثم ملكته . وعن نصه في " الإملاء " أنه لو زوج أخته ومات الزوج ، فادعى ورثته أن أخاها زوجها بغير إذنها وقالت : بل زوجني بإذني ، فالقول قولها . ولك أن تقول : قد سبق ذكر وجهين فيما لو ادعى أحد المتعاقدين صحة البيع والآخر فساده ، فليجئ ذلك الخلاف في هذه الصورة .

قلت : لم يذكره الأصحاب في هذه الصورة ، ولا يصح مجيئه لأن الظاهر الغالب في الأنكحة الاحتياط لها ، وعقدها بشروطها وبحضرة الشهود وغيرهم ، بخلاف البيع فإن وقوعه فاسد كثير . والله أعلم .

ولو ادعت المنكوحة أنها زوجت بغير إذنها وهي معتبرة الإذن ، ففي فتاوى البغوي أنه لا يقبل قولها بعد ما دخلت عليه وأقامت معه ، كأنه جعل الدخول بمنزلة الرضى .

[ ص: 246 ] أما إذا عهد للسيد المزوج جنون ، أو حجر ، أو قال : زوجتها وأنا صبي ، فأيهما يصدق بيمينه ؟ قولان خرجهما الشيخ أبو زيد . أظهرهما عند الشيخ أبي علي وغيره : أن المصدق الزوج ; لأن الغالب جريان العقد صحيحا ، ولأنه صح ظاهرا والأصل دوامه .

ولو زوج أخته برضاها ، ثم ادعت أنها كانت صغيرة يومئذ ، ففي فتاوى القفال والقاضي حسين والبغوي ، أن القول قولها بيمينها وإن أقرت يومئذ ببلوغها ، كما لو أقر بمال ثم قال : كنت صغيرا يوم الإقرار ، وهذا يمكن أن يكون تفريعا على أحد القولين ويمكن أن يفرق بأن الغالب من العقد الجاري بين مسلمين ، صحته وهذه لم تعقد .

ولو وكل الولي بتزويجها ، ثم أحرم ، وجرى العقد ، فادعى الولي جريانه في الإحرام ، وأنكر الزوج ، فنص الشافعي - رحمه الله ، أن القول قول الزوج عملا بظاهر الصحة . ولم يحك الشيخ أبو علي خلافا في هذه الصورة . قال الإمام : وسببه أن الإحرام طرأ والأصل استناد العقد إلى الحل ، لكن الشيخ ألحق بمسألة الإحرام المنقولة عن النص ، ما إذا وكل بقبول نكاح ثم أحرم الموكل وقبل الوكيل ، ثم اختلف الزوجان ، فقال الزوج : عقد قبل إحرامي [ أو بعده ] أو بعد [ ص: 247 ] تحللي ، وقالت : بل في حال إحرامك ، فالقول قول الزوج ، فلم يفرق بين أن يدعي سبق الإحرام النكاح وعكسه . ومقتضى ما سبق في المسألة الرابعة ، أن الولي إذا زوج ثم ادعى المحرمية بين الزوجين ، لا يلتفت إلى دعواه أن لا يفرض النزاع في مسألة النص بين الولي والزوج ، بل يفرض بين الزوجين .

ولو زوج أمته ، ثم ادعى أن الزوج كان واجدا للطول ، وأنكر الزوج صدق الزوج . ولو زوج بنته ومات ، فادعت أن أباها كان مجنونا يوم العقد ، نظر ، هل كان التزويج برضاها أم بغيره ؟ وحكمه ما سبق في المسألة الرابعة .

فرع

ادعى نكاح امرأة وأقام بينة به ، ثم ادعت أنها زوجة غيره وأقامت بينة به ، قال ابن الحداد : يعمل ببينة الرجل ; لأن حقه في النكاح أقوى منها ، فإن المتصرف إن شاء أمسكها ، وإن شاء طلق ، فقدمت بينته كصاحب اليد مع غيره ، هذا قول ابن الحداد ، وبه قال الجمهور . وقال الشيخ أبو علي : يحتمل أن ينظر في جواب من ادعت أنها زوجته ، فإن أنكر فلا نكاح له ، فيعمل ببينة الرجل .

وإن سكت ، فهما بينتان تعارضتا ، ولم يتعرضوا في تصوير المسألة لدعواها المهر ، أو حقا من حقوق النكاح ، وقد سبق في سماع دعوى الزوجية المجردة خلاف . فإن سمعت وأنكر الزوج ، ففي إقامة البينة أيضا خلاف . فإذا ادعت الزوجية المجردة ، فإنما تقيم [ هي ] البينة تفريعا على سماع هذه الدعوى والبينة مع إنكاره .

[ ص: 248 ] فرع

في فتاوى البغوي أنه إذا كان تحته مسلمة وذمية لم يدخل بهما ، فقال للمسلمة : ارتددت ، وقال للذمية : أسلمت ، فأنكرتا ، ارتفع نكاحهما لزعمه . وذكر الإمام الرافعي هنا مسائل منثورة من فتاوى القفال والقاضي حسين والبغوي ، تتعلق بأبواب النكاح قدمتها أنا فوضعتها في مواضعها اللائقة بها ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث