الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الطرف الثالث : في ألفاظ الاختيار وأحكامه .

                                                                                                                                                                        أما ألفاظه ، فكقوله : اخترت نكاحك ، أو تقرير نكاحك ، أو حبسك ، أو عقدك ، أو اخترتك ، أو أمسكتك أو أمسكت نكاحك ، أو ثبت [ نكاحك ] أو ثبتك ، أو حبستك على النكاح . وكلام الأئمة يقتضي أن جميع هذا صريح ، لكن الأقرب أن يجعل قوله : اخترتك وأمسكتك من غير تعرض للنكاح كناية .

                                                                                                                                                                        ولو كان تحته ثمان مثلا ، وأسلمن معه ، فاختار أربعا منهن للفسخ وهو يريد حله بلا طلاق ، لزم نكاح الباقيات وإن لم يتلفظ فيهن بشيء .

                                                                                                                                                                        ولو قال لأربع : أريدكن ، ولأربع : لا أريدكن ، قال المتولي : يحصل التعيين بذلك . وقياس ما سبق حصول التعيين بمجرد قوله : أريدكن .

                                                                                                                                                                        فروع

                                                                                                                                                                        الفرع الأول : طلق واحدة منهن ، أو أربعا ، كان تعيينا للنكاح ، لأن المنكوحة هي التي تخاطب بالطلاق ، فتندفع الأربع المطلقات بالطلاق ، والباقيات بالفسخ بالشرع .

                                                                                                                                                                        ولو طلق أربعا غير معينات ، أمر بالتعيين . فإذا عين ، فالحكم ما ذكرنا ، [ ص: 166 ] هذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور . وفي " التتمة " وجه : أن الطلاق ليس تعيينا للنكاح .

                                                                                                                                                                        ولو آلى أو ظاهر من واحدة أو عدد ، فوجهان . أحدهما : أنه تعيين لنكاحهن ، وأصحهما : لا ، لأن الأجنبية تخاطب به ، بل هو بها أليق . فعلى هذا ، إن اختار من ظاهر منها ، أو آلى للنكاح ، صح الظهار والإيلاء ، ويكون ابتداء مدة الإيلاء من وقت الاختيار ، ويصير عائدا إن لم يفارقها في الحال .

                                                                                                                                                                        ولو قذف إحداهن ، لزمه الحد إن كانت محصنة ، ولا يسقط إلا بالبينة وإن اختار غير المقذوفة ، وإن اختارها ، سقط بالبينة وباللعان .

                                                                                                                                                                        [ الفرع ] الثاني : قال : فسخت نكاح هذه ، أو هؤلاء الأربع ، أو قال : اخترت هذه للفسخ ، أو هذه للفسخ من غير لفظ اخترت فإن أراد الطلاق ، فهو اختيار للنكاح ، وإن أراد الفراق ، أو أطلق ، فهو اختيار للفسخ . ولو قال لواحدة : فارقتك فالأصح أنه فسخ ، وبه قال الشيخ أبو حامد ، ورجحه ابن الصباغ والمتولي وغيرهما . وعن القاضي أبي الطيب أنه كقوله : طلقتك ; لأنه من صرائح الطلاق .

                                                                                                                                                                        الفرع الثالث : لو اختار الجميع للنكاح أو الفسخ ، فهو لغو ، ولو طلق الجميع ، وقع على المنكوحات ويعينهن .

                                                                                                                                                                        الفرع الرابع : قال : إن دخلت الدار فقد اخترتك للنكاح أو للفسخ ، لم يصح ; لأن تعليق الاختيار باطل ، فإنه إما كالابتداء ، كالنكاح ، وإما كالرجعة . وقيل : يصح تعليق الفسخ كالطلاق ، وهو ضعيف .

                                                                                                                                                                        ولو قال : إن دخلت الدار فأنت طالق ، فالصحيح جوازه ، تغليبا لحكم الطلاق ، ويحصل اختيارها ضمنا ، فإنه يحتمل في الضمني ما لا يحتمل استقلالا .

                                                                                                                                                                        [ ص: 167 ] ولو قال : إن دخلت الدار فنكاحك مفسوخ ، إن أراد الطلاق نفذ ، وإلا لغا . ولو قال : كلما أسلمت واحدة فقد اخترتها للنكاح ، لم يصح . ولو قال : فقد طلقتها ، صح على الأصح . ولو قال : فقد فسخت نكاحها ، إن أراد حله بلا طلاق ، لم يجز ، لأن تعليق الفسخ لا يجوز ، وإن أراد الطلاق ، جاز . وإذا أسلمت واحدة ، طلقت وحصل اختيارها ضمنا ، وهكذا إلى تمام الأربع ، وتندفع الباقيات ، وفي وجه : لا يصح تفسير الفسخ بالطلاق ، وهو ضعيف .

                                                                                                                                                                        [ الفرع ] الخامس : لا يكون الوطء اختيارا للموطوءة على المذهب ; لأن الاختيار هنا كالابتداء ، ولا يصح ابتداء النكاح بل استدامته إلا بالقول ، فإن الرجعة لا تحصل بالوطء . فلو وطئ الجميع وجعلناه اختيارا ، كان مختارا للأوليات ، وعليه المهر للباقيات ، وإن لم نجعله اختيارا ، اختار أربعا منهن وغرم المهر للباقيات .

                                                                                                                                                                        الفرع السادس : قال : حصرت المختارات في هؤلاء الست أو الخمس ، انحصرن ويندفع نكاح الباقيات .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        أسلم على ثمان وثنيات ، فأسلم معه أربع ، وتخلف أربع ، فعين الأوليات للنكاح ، صح التعيين . فإن أصرت المتخلفات ، اندفعن من وقت إسلامه ، وإن أسلمن في العدة ، قال البغوي : تقع الفرقة باختيار الأوليات ، وقال الإمام : نتبين اندفاعهن باختلاف الدين ، لكن نتبين تعيينهن من وقت تعيينه للأوليات . وهذا هو الموافق لأصول الباب .

                                                                                                                                                                        وإن طلق الأوليات ، صح وتضمن اختيارهن ، وينقطع نكاحهن بالطلاق ، ونكاح الأخريات بالفسخ بالشرع .

                                                                                                                                                                        [ ص: 168 ] وإن قال : فسخت نكاحهن ، فإن أراد به الطلاق ، فكذلك ، وإن أراد حله بلا طلاق ، فهو لغو ; لأن الحل هكذا إنما يكون فيما زاد على أربع . فإن لم تسلم المتخلفات ، تعين الأوليات ، وإن أسلمن ، اختار من الجميع أربعا ، وللمسلمات أن يدعين : أنك إنما أردت طلاقنا ، ويحلفنه ، وللمتخلفات أيضا أن يدعين إرادة الطلاق وبينونتهن بالفسخ الشرعي ويحلفنه .

                                                                                                                                                                        وفي وجه : لا يلغو الفسخ ، بل هو موقوف ، إن أصررن حتى انقضت العدة ، لغا ، وإن أسلمن فيها ، تبينا نفوذه في الأوليات ، وتعين الأخريات للنكاح ، والصحيح الأول . ولو عين المتخلفات للفسخ ، صح ، وتعينت الأوليات للزوجية . وإن عين المتخلفات للنكاح ، لم يصح ; لأنهن وثنيات وقد لا يسلمن . وعلى وجه الوقف : ينعقد الاختيار موقوفا ، فإن أسلمن ، بانت صحته . ولو أسلم على ثمان وثنيات ، فتخلفن ، ثم أسلمن متعاقبات في عددهن ، وهو يقول لكل من أسلمت : فسخت نكاحك ، فإن أراد الطلاق ، صار مختارا للأوليات ، وإن أراد حله بلا طلاق ، فهو على الصحيح لغو في الأربع الأوليات ، نافذ في الأخريات ; لأن فسخ نكاحهن وقع وراء العدد الكامل فنفذ . وعلى وجه الوقف : إذا أسلمت الأخريات ، تبينا نفوذ الفسخ في الأوليات . ولو أسلم معه من الثمان خمس ، فقال : فسخت نكاحهن ، فإن أراد الطلاق ، صار مختارا لأربع منهن وبن بالطلاق ، وعليه التعيين ، وإن أراد حله بلا طلاق ، انفسخ نكاح واحدة لا بعينها ، فإذا أسلمت المتخلفات في العدة ، اختار من الجميع أربعا .

                                                                                                                                                                        ولو قال : فسخت نكاح واحدة منكن ، إن أراد الطلاق ، صار مختارا لواحدة لا بعينها ، فيعينها ويختار للنكاح من الباقيات ثلاثة . وإن أراد حله بلا طلاق ، انفسخ نكاح واحدة فيعينها ، ويختار من الباقيات أربعا . وإن انفسخ نكاح اثنتين منهن غير معينتين ، وأراد حله بلا طلاق ، [ ص: 169 ] انفسخ نكاح واحدة فيعينها ، ويختار من الباقيات أربعا . فلو عين ثنتين ، انفسخت واحدة منهما فيعينها ، وله اختيار الأخرى مع ثلاث أخر . ولو اختار الخمس كلهن ، تعينت المنكوحات فيهن ، فيختار منهن أربعا .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية