الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الطرف الرابع : في تولي طرفي العقد ، فيه مسائل .

                                                                                                                                                                        إحداها : هل يتولى الجد طرفي تزويج بنت ابنه الصغيرة أو الكبيرة بابن ابن آخر مولى عليه ؟ فيه وجهان . اختار ابن الحداد والقفال وابن الصباغ الجواز ، وصاحب " التلخيص " وجماعة من المتأخرين المنع .

                                                                                                                                                                        قلت : قال الرافعي في " المحرر " : رجح المعتبرون الجواز . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        فإن جوزنا ، اشترط الإتيان بشقي الإيجاب والقبول على الأصح . وقيل : يكفي أحدهما . وإن منعنا ، فإن كانت بالغة ، زوجها السلطان بإذنها ، ويقبل الجد للابن . وإن كانت صغيرة ، وجب الصبر إلى أن تبلغ فتأذن ، أو يبلغ الصغير فيقبل ، [ ص: 71 ] كذا حكاه الشيخ أبو علي وغيره . وذكر الإمام تفريعا على المنع : أنه يرفع إلى السلطان ليتولى أحد الطرفين . قال : ثم يحتمل أن يتخير منهما ، ويحتمل أن يقال : يأتي بما يستدعيه الولي ، وهذا مفروض فيما إذا كانت الولاية بسبب الجنون ، وإلا ، فغير الأب والجد لا يزوج الصغير ولا الصغيرة .

                                                                                                                                                                        [ المسألة ] الثانية : للعم تزويج بنت أخيه بابنه البالغ ، ولابن العم تزويجها بابنه على المذهب فيهما . هذا إذا أطلقت الإذن وجوزناه . فإن عينته في الإذن ، جاز قطعا ، لانتفاء التهمة .

                                                                                                                                                                        وإن زوجها بابنه الطفل ، لم يصح على المذهب ، لأنه نكاح لم يحضره أربعة ، وليس له قوة الجدودة .

                                                                                                                                                                        [ المسألة ] الثالثة : إذا كان الولي ممن يجوز له نكاحها ، كابن العم ، والمعتق ، والقاضي ، وأراد نكاحها ، لم تجز تولية الطرفين ، ولكن يزوج ابن العم من في درجته ، فإن لم يكن ، فالقاضي . وإن كان الراغب القاضي ، زوجه وال فوقه ، أو خرج إلى قاضي بلد آخر ، أو يستخلف من يزوجه إن كان له الاستخلاف . وإن كان الراغب الإمام الأعظم ، زوجه بعض قضاته . هذا هو الصحيح . وفي الإمام وجه مشهور : أنه يتولى الطرفين . وفي القاضي وابن العم وجه أبعد ، ويجيء مثله في المعتق . وحكي الوجه في القاضي عن أبي يحيى البلخي . ولو أراد أحد هؤلاء تزويجها بابنه الصغير ، فكنفسه . وحيث جوزنا لنفسه ، فذلك إذا سمته في إذنها . فإن أطلقت ، وجوزنا الإطلاق ، فوجهان حكاهما الحناطي . وفي " فتاوى " البغوي : أنه لو أراد نكاح بنت عمه وهو وليها ، وهو غائب عنها ، زوجها به قاضي بلد المرأة ، لا قاضي بلد الرجل .

                                                                                                                                                                        [ المسألة ] الرابعة : من منعناه تولي الطرفين ، فوكل في أحدهما ، أو وكل [ ص: 72 ] شخصين فيهما ، لم يصح على الأصح ، لأن فعل الوكيل فعل الموكل . وقيل : يصح ، لوجود العدد . وقيل : يجوز للجد ، لتمام ولايته من الطرفين . ولو وكل الولي رجلا ، ووكله الخاطب ، أو وكله في تزويجه لنفسه ، فتولى الطرفين ، لم يصح على الصحيح .

                                                                                                                                                                        [ المسألة ] الخامسة : زوج أمته بعبده الصغير ، وجوزنا له إجباره ، فهو كتولي الجد طرفيه .

                                                                                                                                                                        [ المسألة ] السادسة : ابنا عم ، أحدهما لأب ، والآخر لأبوين ، أراد الأول نكاحها ، يزوجه الثاني ، وإن أراد الثاني وقلنا : هما سواء ، زوجه الأول ، وإلا ، فالقاضي .

                                                                                                                                                                        [ المسألة ] السابعة : قالت لابن عمها أو معتقها : زوجني ، أو زوجني من شئت ، ليس للقاضي تزويجه بها بهذا الإذن ، لأن المفهوم منه التزويج بأجنبي . وإن قالت : زوجني نفسك ، حكى البغوي عن بعض الأصحاب : أنه يجوز للقاضي تزويجه إياها . قال : وعندي لا يجوز ، لأنها إنما أذنت له ، لا للقاضي .

                                                                                                                                                                        قلت : الصواب الجواز ، لأن معناه : فوض إلى من يزوجك إياي . - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية