الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الأولى قبول الهدية

المطلب الثامن قبول الهبة، وردها من المهدى إليه، والاعتذار للمهدي

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: قبولها:

تحرير محل النزاع:

قبول الهبة من الواهب مشروع بالاتفاق; إذ هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم قريبا، واختلف العلماء في حكم قبول الهبة على قولين:

القول الأول: استحباب قبول الهبة.

وهذا قول جمهور أهل العلم.

القول الثاني: وجوب قبول الهبة إذا كان من غير مسألة ولا إشراف.

وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم.

الأدلة:

أدلة الجمهور: (الاستحباب ) :

استدل لهذا القول بما يلي:

[ ص: 63 ] 1. قوله تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا وجه الدلالة: أن الله عز وجل أمر بالأكل مما تهبه الزوجة لزوجها من صداقها، والأكل غير متعين، فدل على عدم وجوب قبول الهبة.

2 - ما تقدم من الأدلة على قبول النبي صلى الله عليه وسلم للهبة، وإثابته عليها.

والفعل يدل على الاستحباب.

(18 ) 3. ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى" قال حكيم: فقلت: يا رسول الله; والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي".

[ ص: 64 ] وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر حكيم بن حزام على ألا يقبل من أحد شيئا.

(19 ) 4 - ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح".

(20 ) وروى الترمذي: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن أبي فديك، عن عبد الله بن مسلم، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله: "ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن".

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن رد بعض أنواع الهبات، فدل ذلك على جواز رد ما سواها، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر وجه.

5 - ولأن قبول الهبة يترتب عليه استحباب، أو وجوب الإثابة، ففي إيجاب قبول الهبة مع هذا نظر.

أدلة القول الثاني: (الوجوب ) :

استدل لهذا الرأي بما يلي:

(21 ) 1 - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي عمر بن الخطاب رضي الله عنه العطاء، فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف [ ص: 65 ] ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك" قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا، ولا يرد شيئا أعطيه.

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر رضي الله عنه أن يأخذ ما أتاه من غير إشراف ولا مسألة.

ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:

الأول: أن هذا الأمر أمر ندب، فقد نقل ابن حجر عن الطبري أن أهل العلم أجمعوا على أن قول النبي لعمر رضي الله عنه: (خذه ) أمر ندب.

الثاني: أن هذا الحديث إنما هو في العطايا التي هي من بيت المال.

الثالث: أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بأخذ المال في هذا الحديث; لكونه عمل له عملا، فيكون قد أعطاه بذلك حقه.

2 - ما تقدم من قبول النبي صلى الله عليه وسلم للهبة.

ونوقش هذا الاستدلال: بأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب.

(22 ) 3. ما رواه مسلم من طريق بسر بن سعيد، عن ابن الساعدي المالكي أنه قال: استعملني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالة، فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني، فقلت [ ص: 66 ] مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق".

ونوقش الاستدلال به: ما نوقش به الدليل السابق.

(23 ) 4 - ما رواه أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إسرائيل، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين".

ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: أن النهي هنا للكراهة; لما تقدم من أدلة الجمهور.

(24 ) .. ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب قال: "رأيت ابن عمر وابن عباس يأتيهما هدايا المختار فيقبلانها".

[ ص: 67 ] (25 ) 6 - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن عمير قال: « أرسل معي بشر بن مروان بخمسمئة إلى خمسة أناس إلى أبي جحيفة، وإلى أبي رزين، وعمرو بن ميمون، ومرة، وأبي عبد الرحمن، فردها أبو رزين، وأبو جحيفة، وعمرو بن ميمون، وقبلها الآخرون » .

(26 ) 7 - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك بن سلمة، عن عبد الرحمن بن عصمة قال: كنت عند عائشة رضي الله عنها "فأتاها رسول من عند معاوية بهدية فقبلتها".

(27 ) 8 - ما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة، نا ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ما أحد يهدي إلي هدية إلا قبلتها، فأما أن أسأل فلم أكن لأسأل".

(28 ) 9 - ما رواه ابن حزم من طريق الحجاج بن المنهال، نا مهدي بن ميمون، نا واصل مولى أبي عيينة، عن صاحب له أن أبا الدرداء رضي الله عنه قال: "من آتاه الله عز وجل من هذا المال شيئا من غير مسألة ولا إشراف فليأكله، وليتموله" (ضعيف ) .

ونوقشت هذه الآثار: أنها محمولة على الاستحباب; لما تقدم من أدلة الجمهور.

الترجيح:

الراجح - والله أعلم - استحباب قبول الهبة ; لقوة الدليل على ذلك، ولمناقشة الدليل المخالف.

[ ص: 68 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث