الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المسألة الثامنة: الشرط الثامن: أن لا تتضمن الهبة محذورا شرعيا

        وفيها أمور:

        الأمر الأول: الهبة للمقرض:

        تحرير محل النزاع:

        الهبة للمقرض لا تخلو من ثلاث حالات:

        الحال الأولى: أن يكون ذلك بشرط، فيحرم ذلك باتفاق الفقهاء.

        كما لو أقرضه بشرط أن يبيعه، أو يهديه، ونحو ذلك.

        والدليل على ذلك: ما يأتي من الأدلة على التحريم في الحال الثالثة مع عدم الشرط، فمع الشرط من باب أولى.

        ويدل لهذا أيضا: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل سلف وبيع"، ويدخل في هذا إذا أقرضه واشترط أن يبيعه.

        ولأن القرض يراد به الإرفاق والإحسان، فإذا اشترط فيه عوضا أخرجه عن موضوعه.

        الحال الثانية: أن يكون ذلك بعد الوفاء، فيجوز ذلك باتفاق العلماء. والدليل على ذلك:

        ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: "كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين، فهم به أصحابه... وقال: اشتروا له سنا فأعطوه إياه"، فقالوا: إنا لا نجد سنا [ ص: 314 ] إلا سنا هي أفضل من سنه، قال: "فاشتروها فأعطوها إياه، فإن من خيركم أحسنكم قضاء".

        الحال الثالثة: أن يكون ذلك بلا شرط، وقبل الوفاء.

        صورة المسألة: أن يقرض شخص شخصا مبلغا من المال، وفي أثناء مدة القرض يبذل المقترض للمقرض هبة من الهبات، فهل يجوز ذلك؟ المقترض إذا وهب المقرض شيئا قبل الوفاء ومن غير شرط، ففي حكم ذلك الإهداء خلاف بين الفقهاء - رحمهم الله تعالى - على قولين:

        القول الأول: أنه يحرم على المقترض أن يهب للمقرض، إلا إذا كان ذلك عادة جارية بينهما قبل القرض، أو حدث سبب مسوغ للإهداء - غير القرض - كالجوار والمصاهرة، أو كافأه المقرض مقابل تلك الهدية، أو احتسب تلك الهبة من دينه، ففي هذه الحالات تجوز الهبة، وفيما عداها تحرم.

        وهو قول المالكية، والمذهب عند الحنابلة.

        واستدلوا بأدلة منها:

        (144 ) 1 - ما رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن عياش، حدثني عتبة بن حميد الضبي، عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي له؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا [ ص: 315 ] أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه، أو حمله على الدابة، فلا يركبها، ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك".

        وجه الدلالة من الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى المقرض عن قبول هبة المقترض إلا إذا كانت العادة جارية بينهما قبل القرض، فدل ذلك على تحريم الهبة إذا لم تكن العادة جارية بينهما قبل ذلك; لأن النهي المطلق يقتضي التحريم.

        (145 ) 2 - ما رواه عبد الرزاق عن الثوري، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنه، فقال: إنه كان جار سماك، فأقرضته، وكان يبعث إلي من سمكه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: "حاسبه، فإن كان فضلا فرد عليه، وإن كان كفافا فقاصصه".

        [ ص: 316 ] (146 ) 3 - ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه: أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال: "ألا تجيء فنطعمك سويقا وتمرا، وتدخل في بيت، ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا".

        (147 ) 4 - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إذا أقرضت قرضا فلا تهدين هدية كراع، ولا ركوب دابة".

        (148 ) 5 - ما رواه البيهقي من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي: [ ص: 317 ] مرزوق التجيبي، عن فضالة بن عبيد صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا" (إسناده حسن ) .

        (149 ) 6 - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم - وهو ابن علية - ، عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: "سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن الرجل يهدي له غريمه، فقال: إن كان يهدي له قبل ذلك فلا بأس، وإن لم يكن يهدي له قبل ذلك فلا يصلح".

        (105 ) 7 - ما رواه عبد الرزاق من طريق كلثوم بن الأقمر، عن زر بن حبيش قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: إني أريد العراق أجاهد، فاخفض لي جناحك، فقال لي أبي بن كعب: "إنك تأتي أرضا فاشيا بها الربا، فإذا أقرضت رجلا قرضا فأهدى لك هدية فخذ قرضك، واردد إليه هديته".

        القول الثاني: أن المقترض إذا أهدى للمقرض من غير شرط جاز ذلك.

        وهو قول الحنفية، والشافعية، ورواية عن الحنابلة، وهو قول ابن حزم.

        [ ص: 318 ] أدلتهم:

        استدلوا بعموم الأحاديث المرغبة في الإهداء وقبول الهدية:

        ومنها: ما رواه البخاري من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت".

        وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن هذه الأحاديث دلت بعمومها على مشروعية الهبة، ولم يرد ما يخص هذا العموم بتحريم الهبة من المقترض للمقرض .

        نوقش الاستدلال بهذه الأدلة ونحوها من الأدلة الدالة على الترغيب في الإهداء وقبول الهدية: بأنها عامة مخصصة بالأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول الدالة على المنع من إهداء المقترض للمقرض أثناء مدة القرض.

        الترجيح:

        الراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه أصحاب القول الأول; وذلك لقوة ما استدلوا به، في المقابل ضعف أدلة المخالفين بمناقشتها، (ولأن المقصود بالهدية أن يؤخر الاقتضاء، وإن كان لم يشترط ذلك ولم يتكلم به، فيصير بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة وألف مؤخرة، وهذا ربا، ولهذا جاز أن يزيد عند الوفاء ويهدي له بعد ذلك لزوال معنى الربا ) .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية