الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        الأدلة:

        أدلة القول الأول: (صحة هبة المشاع) :

        استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية:

        [ ص: 273 ] 1. قوله تعالى: وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون .

        وجه الاستدلال: أن الله سبحانه أوجب نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول; إلا أن يوجد الحط من الزوجات عن النصف، وهذا يشمل الجملة.

        ونوقش: بأن الآية لا حجة فيها; لأن المراد من الفروض الدين لا العين، ألا ترى أنه قال: إلا أن يعفون ، والعفو إسقاط، وإسقاط الأعيان لا يعقل.

        ويجاب عن ذلك: بالمنع; إذ معنى قوله: إلا أن يعفون : أي: إلا أن يتركن أو يدعن شطر ما جعل للمرأة من المهر.

        ومن المعلوم أن المهر لا يلزم أن يكون دينا، بل يصح أن يكون عينا من عقار وغيره، فإذا جعل مهرها عقارا، ثم طلقها قبل الدخول فلها نصفه مشاعا، فإذا عفت عنه فقد وهبته إياه مشاعا.

        2. وقال البخاري: "لقول النبي صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن حين سألوه المغانم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نصيبي لكم".

        وروى البخاري من طريق عروة أن المسور بن مخرمة رضي الله عنه ومروان أخبراه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه وفد هوازن... قال: "أما بعد: فإن إخوانكم جاؤوا تائبين وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك [ ص: 274 ] فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فقال الناس: طيبنا لك".

        وجه الاستدلال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهب نصيبه من الغنيمة، ونصيبه منها مشاع.

        ونوقش من وجوه:

        الوجه الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك على وجه المبالغة في النهي عن الغلول، أي: لا أملك إلا نصيبي، فكيف أطيب لك بشيء من الغنيمة، ألا ترى أنه ليس لواحد من الغانمين أن يهب نصيبه قبل القسمة; لأنه لا يدري أين يقع نصيبه، أو كان ذلك مما لا يحتمل القسمة.

        ويجاب عنه: بأن هذه مجرد احتمالات لا تنهض في مقابل تصريح النبي صلى الله عليه وسلم بهبته لنصيبه، ولأخبر بأنه لا يستطيع هبة نصيبه; لأنه غير متميز، فلما لم ينقل عنه شيء من ذلك دل على صحة هبة المشاع.

        أما القول بأنه مما لا يحتمل القسمة، فهذا قول ينقضه الدليل الدال على صحة هبة المشاع، سواء كان مما يحتمل القسمة أو مما لا يحتملها.

        الوجه الثاني: أن هذا ليس فيه هبة شرعية، وإنما هو رد سبيهم إليهم على وجه المن عليهم، ورد الشيء لصاحبه لا يسمى هبة.

        ويجاب عنه: بأن هذا غير مسلم; لأن النبي صلى الله عليه وسلم ملك الغنيمة وأصحابه، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "نصيبي لكم"، ولو كان لم يملكها لما قال ذلك، ولما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في ردها لهم.

        الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنيمة قبل مجيء وفد هوازن، وإذا [ ص: 275 ] كان كذلك فما رده صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو مفرز مقسوم غير مشاع; إذ كل واحد من الغانمين رد غنمه إلى صاحبه.

        (121 ) 3 - ما رواه أحمد: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمير بن سلمة الضميري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالعرج، فإذا هو بحمار عقير، فلم يلبث أن جاء رجل من بهز، فقال: "يا رسول الله هذه رميتي فشأنكم بها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق".

        (إسناده حسن ) [ ص: 276 ] ووجه الاستدلال: أن البهزي وهب الحمار للرسول وأصحابه، وهذه هبة المشاع.

        ونوقش: بأن هذا لم يكن على وجه الهبة، بل على وجه الإباحة، ولا يؤثر فيها الشيوع، والممتنع هو القسمة على وجه التمليك.

        ويجاب عنه: بأن ظاهر قول البهزي: "شأنكم بها" يدل على أنه وهبه لهم، أي: افعلوا بهذا الحمار ما تشاؤون فهو ملك لكم.

        (122 ) 4 - ما رواه البخاري من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي أتي بشراب فشرب، وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام: "إن أذنت لي أعطيت هؤلاء" فقال: ما كنت لأوثر بنصيبي منك يا رسول الله أحدا، فتله في يده".

        وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ، وكان نصيبه منه مشاعا غير متميز، فدل ذلك على صحة هبة المشاع.

        [ ص: 277 ] ونوقش: بأن الحديث ليس فيه ما يدل على هبة المشاع، وإنما هو من طريق الإرفاق.

        ويجاب عنه: بأن ظاهر قول الغلام "ما كنت لأوثر نصيبي" وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم على قوله يدل على أن هذا السؤال سؤال هبة لنصيبه لا سؤال إرفاق.

        (123 ) 5 - ما رواه البخاري ومسلم من طريق محارب، عن جابر رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فقضاني وزادني".

        وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى لجابر ثمن بعيره وزاده على ذلك، وهذه الزيادة هبة المشاع; لأن الزيادة غير متميزة عن الثمن.

        ونوقش: بأن هذه الزيادة لم تكن هبة، وإنما هي ليتيقن بها الإيفاء، والزيادة لا يؤثر فيها الشيوع.

        ويجاب عنه: بأن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يمكنه التيقن من إيفائه حقه من غير زيادة، فلما زاده دل ذلك على أنه أراد إكرامه بهذه الهبة.

        (124 ) 7 - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين، فهم به أصحابه، فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا، وقال: اشتروا له سنا فأعطوه إياه، فقالوا: إنا لا نجد سنا إلا سنا هي أفضل من سنه، قال: "فاشتروه، فأعطوه إياه، فإن من خيركم أحسنكم قضاء".

        [ ص: 278 ] وجه الاستدلال: أن النبي، أمر بإعطاء سن لصاحب الدين أفضل من سنه، والزيادة فيه غير مقسومة، وهذه هبة لمشاع.

        ونوقش: بما نوقش به الحديث السابق.

        ويجاب عنه: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكنه أن يعطيه قيمة سنه لتعذر مثله، أو ينتظر الأعرابي حتى يوجد مثل سنه فيعطى إياه; لأن المثل إذا تعذر عدل إلى قيمته، فلما أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم زيادة على حقه مع إمكان إعطائه قيمته أو الانتظار إلى وجود مثله دل على أنه أراد الإحسان إليه بهبته لهذا الزائد على مثل حقه.

        (125 ) 8 - ما رواه البخاري ومسلم من طريق زهدم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين نستحمله، فقال: "والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه"، قال: فلبثنا ما شاء الله، ثم أتي بإبل، فأمر لنا بثلاث ذود غر الذرى".

        [ ص: 279 ] وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم وهب الأشعريين ثلاثا من الإبل مشاعة (126 ) 9 - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه - أبي قتادة رضي الله عنه - قال: كنت يوما جالسا مع رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في منزل في طريق مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نازل أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم...، فعقرته - أي: الحمار - ، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا عليه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن ذلك، فقال: "هل معكم منه شيء؟ فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها وهو محرم".

        وجه الاستدلال: أن أبا قتادة صاده ووهبه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هبة مشاعة، وأقرهم الرسول على ذلك.

        ويناقش: بما نوقش به حديث البهزي من أنه أباحه لهم، ولم يهبه إياهم.

        ويجاب عن ذلك: بأنه لو أراد إباحته لهم لتركه في مكانه، ثم أخبرهم بأنه أباحه لهم، لكن لما أتى به لهم علمنا أنه قصد هبته لهم.

        (127 ) 10 - وقال البخاري: وقالت أسماء للقاسم بن محمد وابن أبي عتيق: "ورثت عن أختي عائشة بالغابة، وقد أعطاني به معاوية مئة ألف فهو لكما".

        [ ص: 280 ] وجه الاستدلال: أن أسماء وهبت لهما ما ورثته من عائشة هبة مشاعة بينهما.

        ونوقش: بأن هذه الهبة لا يتحقق فيها الشيوع عند صاحبي أبي حنيفة. خلافا له; لأن هذه هبة الجملة، ولم يوجد فيها الشيوع إلا من أحد الطرفين فلا يفسد; إذ ليس فيه إلزام المتبرع مؤنة القسمة.

        وأجيب عنه: بأن هذه هبة النصف من كل واحد.

        (128 ) 11 - ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نلتقي عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة".

        وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم التمر مشاعا بينهم.

        ويناقش: بأن هذا الدليل لا يصلح للاستدلال به على مذهب أبي حنيفة; لأن العبرة بالشيوع المانع من الهبة صحة عندهم: الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، فلو وهبه مشاعا وسلمه مقسوما صحت الهبة، وقد سلمه أبو عبيدة هنا مقسوما.

        12 - أن ما جاز بيعه جازت هبته، والمشاع الذي ينقسم يجوز بيعه، فتجوز هبته قياسا.

        ونوقش: بأن البيع لا يفتقر إلى القبض بخلاف الهبة; فإنه عقد تبرع [ ص: 281 ] ومحتاج إلى القبض، فلو قلنا بجوازه في المشاع يلزم في ضمنه وجوب مؤنة القسمة، وهو لم يتبرع به.

        وأجيب عنه من وجهين:

        أحدهما: أنه لا يلزم الواهب مؤنة القسمة إلا إذا رضي بذلك.

        الثاني: أنه لم يعهد كون الشيوع مبطلا في التبرعات، كالقرض بأن دفع ألف درهم إلى رجل على أن يكون نصفه قرضا ويعمل في النصف الآخر شركة، فإنه يجوز مع أن القبض شرط لوقوع الملك في القرض، ولم تشترط القسمة، فدل على أن الشيوع لا يبطل التبرع حتى يكون مانعا.

        13 - أن ما ينقسم مشاع فأشبه ما لا ينقسم.

        ونوقش: بأنه قياس مع الفارق لأمرين:

        أحدهما: أن القبض القاصر هو الممكن فيما لا ينقسم، فيكتفى فيه ضرورة بخلاف ما ينقسم، فإن قبضه لا يتم إلا بقسمته.

        ويجاب عنه: بأن قبض كل شيء بحسبه، والجزء الشائع قبض بقبض الجميع أو الشريك لضرورة الشيوع، كما اكتفي بهذا القبض في البيع، ولما لم تلزم القسمة في البيع علمنا عدم لزومها هنا.

        الثاني: أن ما يقبل القسمة يلزم من صحة قبضه - مع كونه شائعا – مؤنة القسمة، وهذا إلزام لما لم يلتزمه.

        ويجاب عنه: أن الواهب لا يلزمه مؤنة المقاسمة إلا بالتزامه إياها.

        [ ص: 282 ] 14 - أن الله تعالى: قد حض على الصدقة وفعل الخير والفضل، والهبة فعل خير، وقد علم الله تعالى أن في أموال المحضوضين على الهبة والصدقة مشاعا وغير مشاع، فلو كان الله تعالى لم يبح لهم الصدقة والهبة في المشاع لبينه لهم، ولما كتمه عنهم، فصح يقينا أن هبة المشاع والصدقة به جائزة، كل ذلك فيما ينقسم وما لا ينقسم للشريك ولغيره.

        أدلة القول الثاني: (عدم صحة هبة المشاع ) :

        أولا: أدلتهم على عدم الصحة فيما يمكن قسمته:

        (129 ) 1 - أن القبض منصوص عليه في الهبة بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجوز الهبة إلا مقبوضة" فيشترط وجوده على أكمل الوجوه - كما في استقبال القبلة، حتى لو استقبل الحطيم لا تجوز صلاته مع أنه من البيت بالسنة.

        ويناقش من وجهين:

        أحدهما: أن الحديث منكر لا أصل له.

        الثاني: لو ثبت الحديث، فإن قبض كل شيء بحسبه.

        (130 ) 2 - ما رواه مالك عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه نحلها جذاذ عشرين وسقا من مال الغابة، فلما حضرته الوفاة قال: "والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك من مالي جذاذ عشرين وسقا، فلو كنت جددتيه واحتززتيه كان لك ذلك، وإنما هو مال وارث، وإنما أخواك وأختاك، فاقسموه على كتاب الله".

        [ ص: 283 ] وجه الاستدلال: أن أبا بكر رضي الله عنه اعتبر القبض والقسمة في الهبة لثبوت الملك; لأن الحيازة في اللغة: جمع الشيء المفرق في حيز، وهذا معنى القسمة.

        ويناقش من وجوه:

        أحدها: أن الأثر فيه دلالة على صحة هبة المشاع حيث وهبها مشاعا من التمر، ووافقته عائشة على ذلك، وغاية ما فيه أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، ولو قبضتها لملكتها، ويأتي بيانه.

        الثاني: أن اشتراط القبض - من هذا الأثر - قد خالفته آثار أخرى عن بعض الصحابة في عدم اشتراطه، كالوارد عن علي وابن مسعود من أنهما قالا: "إذا علمت الصدقة فهي جائزة وإن لم تقبض".

        الثالث: لو سلم باشتراط القبض فإن القبض في المشاع الموهوب ممكن ومتصور كما تقدم، ولا يسلم أن الحيازة في اللغة: جمع الشيء المفرق في حيز واحد، بل الحيازة في اللغة ضم الشيء إلى الشيء نفسه من غير تعرض لجمعه في حيز أو أكثر، وهذا الضم في المشاع متصور كما كان متصورا عندهم في بيع المشاع; إذ إن الموهوب له يحل محل الواهب كما يحل المشتري محل البائع لنصيبه، ويقبض كما يقبض بلا فرق.

        (131 ) 3 - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عمر بن الخطاب عنه أنه قال: "ما بال رجال [ ص: 284 ] ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال: مالي بيدي لم أعطه أحدا، وإن مات هو قال: قد كنت أعطيته إياه من نحل نحلة لم يحزها الذي نحلها حتى تكون إن مات لوارثه فهو باطل".

        وجه الاستدلال: كوجه الاستدلال بأثر أبي بكر رضي الله عنه.

        ويناقش: بأن عمر رضي الله عنه علق صحة الهبة على الحيازة، وقد تقدم في أثر أبي بكر رضي الله عنه أنها متصورة في المشاع.

        (132 ) 4 - ما رواه ابن حزم من طريق ابن وهب، عن الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبيد الله هو العزرمي، عن عمرو بن شعيب، وابن أبي مليكة "أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر قالوا: "لا تجوز صدقة حتى تقبض" (ضعيف جدا ) .

        وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه "أنه لا يجيزها حتى تقبض".

        ويناقش: بما تقدم من مناقشات لأثر أبي بكر، وأثر عمر رضي الله عنهما.

        5 - أن القبض ثبت مطلقا، والمطلق يتناول الكامل، والكامل هو الموجود من كل وجه، والقبض في المشاع موجود من وجه دون وجه; لأن القبض عبارة عن كون الشيء في حيز القابض، والمشاع ليس في حيزه من كل وجه; لأنه في حيزه من وجه، وفي حيز شريكه من وجه، وتمامها [ ص: 285 ] لا يحصل إلا بالقسمة; لأن الأنصباء بها تتميز وتجتمع، وما لم يجتمع لا يصير محرزا، أو يكون محرزا ناقصا، فلا ينهض لإفادة الملك.

        ويناقش من وجوه:

        أحدها: أن في اشتراط القبض في الهبة خلافا، كما تقدم في مناقشة الدليل الأول.

        الثاني: لو سلم باشتراط القبض فإن المنع لعدم تحققه منقوض بتصحيح بيع المشاع; لأن القبض في الهبة كالقبض في البيع، والملك يحصل بالهبة كما يحصل بالبيع، فأي فرق بين أن أبيع شخصا نصف عقار، أو أهبه إياه، أو أبيعه من عقار مشترك، أو أهبه إياه، فهو يحل محل الواهب كما يحل محل البائع.

        الثالث: لو لم يصح القياس على البيع في الصحة، فإن قبض المشاع الموهوب ممكن ومتصور كما تقدم.

        6 - أن الهبة عقد تبرع، فلو صحت في مشاع يحتمل القسمة لصار عقد ضمان; لأن الموهوب له يملك مطالبة الواهب بالقسمة فيلزمه ضمان القسمة، ولهذا توقف الملك على القبض; لأنه لو ملكه بنفس العقد لثبت له ولاية المطالبة بالتسليم; فيؤدي إلى إيجاب الضمان في عقد التبرع، وفي هذا تغيير للمشروع.

        ويناقش من وجهين:

        أحدهما: أن واهب المشاع لا يخلو من حالتين: إما أن يرضى بالقسمة، أو يمتنع منها، فإن رضي بها كان ملتزما إياها فلم يكن في إلزامه مؤنة القسمة [ ص: 286 ] إلزامه ما لم يلتزمه. وهو الضمان - ، وإن امتنع عنها لم يلزمه مؤنة القسمة عند أبي حنيفة; لأن مؤنة القسمة على الطالب دون الممتنع عنده.

        الثاني: لو صح هذا الإلزام فإن طلب الموهوب له القسمة، وألزم بها الواهب، فهو كما إذا ألزم بها البائع إذا باع حصة مما يملكه، فكما أن ذلك لا يمنع من صحة البيع وإن كان فيه إلزام بما لم يلتزمه، فكذلك لا يمنع من صحة الهبة.

        ثانيا: أدلتهم على صحة الهبة فيما لا يمكن قسمته:

        استدلوا على ذلك: بأن القبض القاصر فقط هو الممكن فيما لا ينقسم، فيكتفى به ضرورة دون القسمة.

        ويناقش: بالمنع من إمكان القبض القاصر فقط، بل القبض الكامل متصور وممكن، كما تقدم قريبا.

        الترجيح:

        الراجح - فيها يظهر - هو القول الأول; لقوة أدلته في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما ورد عليها من مناقشات، والله أعلم.

        ومما يؤيد هذا: أن الحنفية أجازوا هبة الاثنين للواحد، وعللوا لذلك بأنهما سلماها له جملة، وهو قبضها منهما، كذلك فلا شيوع.

        فرع:

        أما عكس هذه المسألة: وهي هبة الواحد للاثنين، فقد أجازها الصاحبان، ومنعها أبو حنيفة.

        [ ص: 287 ] وعلل لرأي الصاحبين: بأن هذه هبة الجملة منهما; إذ التمليك واحد فلا يتحقق فيه الشيوع، وبأن الشيوع لم يوجد إلا من أحد الطرفين فلا يفسد; إذ ليس فيه إلزام المتبرع مؤنة القسمة فصارت كالمسألة الأولى.

        ويناقش من وجوه:

        أحدها: أن التعليل الثاني مناقض للأول حيث ينفي الشيوع، والثاني يثبت وجوده من أحد الطرفين.

        الثاني: أن الواهب وهب كل واحد منهما النصف - في الحقيقة - وإن وهبها لهم بلفظ واحد، بدليل أنهما لو اقتسماها لحصل لكل واحد نصف العين، وهذه هبة المشاع.

        الثالث: ما تقدم من أن الشيوع في الهبة لا يؤدي إلى إلزام الواهب ما لم يلتزمه من مؤنة القسمة.

        أما أبو حنيفة فيقول: إن هذه هبة النصف لكل واحد، فيستدل له بما تقدم من الأدلة على عدم صحة هبة المشاع الذي ينقسم.

        وقد تقدمت مناقشتها - والله أعلم - .

        الأمر الثاني: هبة أحد الشريكين جميع المشاع:

        إذا وهب أحد الشريكين جميع المشاع المشترك بينه وبين شريكه، فإنه يجري في نصيبه الخلاف السابق في هبة أحد الشريكين لنصيبه، أما نصيب شريكه فيجري فيه الخلاف في هبة الفضولي.

        ويلاحظ أن الحنفية يصححون هذه الهبة إذا أجازها الشريك.

        [ ص: 288 ] ويعللون: بأنهما سلماها له جملة، وهو قبضها منهما كذلك.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية