الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل قتل عبدا خطأ

جزء التالي صفحة
السابق

قال ( ومن فقأ عيني عبد ، فإن شاء المولى دفع عبده وأخذ قيمته وإن شاء أمسكه ، ولا شيء له من النقصان عند أبي حنيفة ، وقالا : إن شاء أمسك العبد وأخذ ما نقصه ، وإن شاء دفع العبد وأخذ قيمته ) وقال الشافعي : يضمنه كل القيمة ويمسك الجثة لأنه يجعل الضمان مقابلا بالفائت فبقي الباقي على ملكه ، كما إذا قطع إحدى يديه أو فقأ إحدى عينيه . ونحن نقول : إن المالية قائمة في الذات وهي معتبرة في حق الأطراف لسقوط اعتبارها في حق الذات قصرا عليه . وإذا كانت معتبرة [ ص: 362 ] وقد وجد إتلاف النفس من وجه بتفويت جنس المنفعة والضمان يتقدر بقيمة الكل فوجب أن يتملك الجثة دفعا للضرر ورعاية للمماثلة ، بخلاف ما إذا فقأ عيني حر لأنه ليس فيه معنى المالية ، وبخلاف عيني المدبر لأنه لا يقبل الانتقال من ملك إلى ملك ، وفي قطع إحدى اليدين وفقء إحدى العينين لم يوجد تفويت جنس المنفعة . ولهما أن معنى المالية لما كان معتبرا وجب أن يتخير المولى على الوجه الذي قلناه كما في سائر الأموال فإن من خرق ثوب غيره خرقا فاحشا إن شاء المالك دفع الثوب إليه وضمنه قيمته ، وإن شاء أمسك الثوب وضمنه النقصان . وله أن المالية وإن كانت معتبرة في الذات فالآدمية غير مهدرة فيه وفي الأطراف أيضا ، ألا ترى أن عبدا لو قطع يد عبد آخر يؤمر المولى بالدفع أو الفداء وهذا من أحكام الآدمية ، لأن موجب الجناية على المال أن تباع رقبته فيها ثم من أحكام الأولى أن لا ينقسم على الأجزاء ، [ ص: 363 ] ولا يتملك الجثة ، ومن أحكام الثانية أن ينقسم ويتملك الجثة فوفرنا على الشبهين حظهما من الحكم .

التالي السابق


( قوله ونحن نقول : إن المالية قائمة في الذات وهي معتبرة في حق الأطراف لسقوط اعتبارها في حق الذات قصرا عليه ) قال جمهور الشراح في حل هذا المقام : يعني أن المالية معتبرة في حق الأطراف كما أنها معتبرة في حق الذات لسقوط اعتبار المالية في حق الذات قصرا عليه : أي لأن اعتبار المالية في حق الذات مقتصرا عليه ساقط بالإجماع : يعني لم يقتصر اعتبار المالية على الذات فحسب ، بل اعتبرت في حق الذات والأطراف جميعا ، هذا زبدة ما قالوا . أقول : فعلى هذا المعنى يكون كلام المصنف هنا منافيا لما ذكره في تعليل المسألة المارة في صدر هذا الفصل من قبل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حيث قال : ولأن فيه : أي في العبد معنى الآدمية حتى كان مكلفا وفيه معنى المالية والآدمية أعلاهما فيجب اعتبارها بإهدار الأدنى عند تعذر الجمع بينهما ا هـ .

فإن مدلول ما قاله هناك أن المالية التي هي أدنى من الآدمية مهدرة في حق ذات العبد لتعذر الجمع بينها وبين الآدمية ، وإنما المعتبرة فيه هي الآدمية عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، ومدلول كلامه هنا على المعنى المذكور أن المالية معتبرة في حق ذات العبد وأطرافه جميعا عند أئمتنا فبينهما تدافع لا يخفى . ثم إن صاحب العناية من بين هؤلاء الجمهور قال في تقرير المعنى المذكور : ونحن نقول : إن المالية قائمة في الذات وهي معتبرة في حق الأطراف ، لأن اعتبارها [ ص: 362 ] في حق الذات : أي في جميع البدن وحده مقتصرا عليه ساقط بالإجماع ، فإن الشرع قد أوجب كمال الدية بتفويت جنس المنفعة بتفويت الأطراف ا هـ .

أقول : فيه خلل زائد . أما أولا فلأنه فسر الذات بجميع البدن ، وليس بصحيح لأن جميع البدن من الأطراف . قال في الصحاح : بدن الإنسان جسده وقوله تعالى { فاليوم ننجيك ببدنك } قالوا : بجسد لا روح فيه ا هـ .

وإنما المراد بالذات ما يقابل الأطراف وهو النفس وإتلافها بإزالة الروح . وأما ثانيا فلأنه علل سقوط اقتصار اعتبار المالية على الذات بقوله فإن الشرع قد أوجب كمال الدية بتفويت جنس المنفعة بتفويت الأطراف ، وليس بسديد لأن إيجاب الشرع كمال الدية بتفويت ذلك لا يدل على اعتبار المالية في حق الأطراف لجواز أن يكون إيجابه إياه للآدمية كما في الحر تدبر . وقال تاج الشريعة من الشراح في حل كلام المصنف هنا : يعني أن اعتبار المالية في الأطراف لا في الذات لأنها تسلك مسلك الأموال ولهذا لا يتحملها العاقلة ، وفسر الذات في قول المصنف المالية قائمة في الذات بالعبد حيث قال : أي في العبد . وقال في شرح قوله لسقوط اعتبارها في حق الذات قصرا عليه : يعني أن سقوط اعتبار المالية مقتصرا في النفس لا في الأطراف ، ووجوب الضمان بدل الآدمية لا بدل المالية ، ولهذا لا يجاوز على عشرة آلاف بل ينقص عشرة فتكون المالية في العبد باعتبار الأطراف ا هـ .

أقول : هذا المعنى هو المطابق لما ذكره المصنف في تعليل المسألة المارة في صدر الفصل من قبل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وإن كان في استفادته من عبارة المصنف هاهنا تمحل كثير كما ترى ، لكنه غير مطابق لما ذكره هناك من قبل أبي يوسف ، وكلامه هنا مسوق لإقامة الحجة على الشافعي من قبل أئمتنا جميعا ولهذا قال : ونحن نقول : فلا بد أن يطابق لأصلهم جميعا وقد فات ذلك . وبالجملة إن كلام المصنف رحمه الله هنا ليس بخال عن الاضطراب كما لا يذهب على الفطن ، ولعل صاحب الكافي تفطن له حيث ترك أسلوب تقرير المصنف هنا وسلك مسلكا آخر في التقرير والبيان مع كون عادته أن يقتفي أثر المصنف في وضع المسائل وتقرير الدلائل .

( قوله وله أن المالية وإن كانت معتبرة في الذات فالآدمية غير مهدرة فيه وفي الأطراف أيضا ) [ ص: 363 ] أقول : الظاهر من هذا البيان أن المالية والآدمية معتبرتان معا في ذات العبد : أي نفسه وأطرافه أيضا عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقد مر من المصنف في أول الفصل أن المعتبر في ذات العبد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله هي الآدمية دون المالية ، فإنها مهدرة في ذاته عندهما في فصل الجناية ، ولهذا لو زادت قيمته على تمام الدية ينقص عنه عشرة دراهم عند هما فكان بين كلاميه في المقامين تدافع ، اللهم إلا أن يحمل قوله هنا إن المالية وإن كانت معتبرة في الذات على مجرد الفرض فالمعنى أن المالية وإن فرضت معتبرة في الذات فالآدمية غير مهدرة فيه لكنه لا يخلو عن بعد .

( فصل في جناية المدبر وأم الولد والجناية على كل واحد منهما ) .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث