الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان حقيقة الرياء وما يراءى به

الرابع : الرياء بالعمل ، كمراءاة المصلي بطول القيام ومد الظهر وطول السجود والركوع ، وإطراق الرأس ، وترك الالتفات وإظهار الهدوء والسكون وتسوية القدمين واليدين وكذلك بالصوم والغزو والحج وبالصدقة وبإطعام الطعام وبالإخبات ، في المشي عند اللقاء ، كإرخاء الجفون ، وتنكيس الرأس ، والوقار في الكلام ، حتى إن المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته فإذا اطلع عليه أحد من أهل الدين رجع إلى الوقار وإطراق الرأس ؛ خوفا من أن ينسبه إلى العجلة وقلة الوقار ، فإن غاب الرجل عاد إلى عجلته فإذا ، رآه عاد إلى خشوعه ، ولم يحضره ذكر الله حتى يكون يجدد الخشوع له ، بل هو لاطلاع إنسان عليه ، يخشى أن لا يعتقد فيه أنه من العباد والصلحاء ومنهم من إذا سمع هذا استحيا من أن تخالف مشيته في الخلوة مشيته بمرأى من الناس ، فيكلف نفسه المشية الحسنة في الخلوة حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير ، ويظن أنه يتخلص به عن الرياء وقد ، تضاعف به رياؤه ؛ فإنه صار في خلوته أيضا مرائيا ، فإنه إنما يحسن مشيته في الخلوة ليكون كذلك في الملإ لا لخوف من الله وحياء منه .

وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالتبختر والاختيال ، وتحريك اليدين وتقريب الخطا ، والأخذ بأطراف الذيل وإدارة العطفين ؛ ليدلوا بذلك على الجاه والحشمة .

الخامس : المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين كالذي يتكلف أن يستزير عالما من العلماء ليقال : إن فلانا قد زار فلانا ، أو عابدا من العباد ليقال : إن أهل الدين يتبركون بزيارته ، ويترددون إليه ، أو ملكا من الملوك أو عاملا من عمال السلطان ؛ ليقال ؛ إنهم يتبركون به لعظم رتبته في الدين .

وكالذي يكثر ذكر الشيوخ ليري أنه لقي شيوخا كثيرة ، واستفاد منهم فيباهي بشيوخه ومباهاته ومراءاته تترشح منه عند مخاصمته ، فيقول لغيره ومن : لقيت من الشيوخ ? وأنا قد لقيت فلانا وفلانا ودرت البلاد وخدمت الشيوخ وما يجري مجراه فهذه مجامع ما يرائي به المراءون ، وكلهم يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد .

ومنهم من يقنع بحسن الاعتقادات فيه ، فكم من راهب انزوى إلى ديره سنين كثيرة ! وكم من عابد اعتزل إلى قلة جبل مدة مديدة ! وإنما خبأته من حيث علمه بقيام جاهه في قلوب الخلق ، ولو عرف أنهم نسبوه إلى جريمة في ديره أو صومعته لتشوش قلبه ولم يقنع بعلم الله ببراءة ساحته بل يشتد لذلك غمه ، ويسعى بكل حيلة في إزالة ذلك من قلوبهم ، مع أنه قد قطع طمعه من أموالهم ولكنه يحب مجرد الجاه ؛ فإنه لذيذ ، كما ذكرناه في أسبابه فإنه نوع قدرة وكمال في الحال ، وإن كان سريع الزوال ، لا يغتر به إلا الجهال ، ولكن أكثر الناس جهال .

التالي السابق


(الرابع: الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول القيام ومد الظهر) زيادة عن العادة (وتطويل السجود والركوع، وإطراق الرأس، وترك الالتفات) يمينا وشمالا (وإظهار الهدوء والسكون) والطمأنينة (وتسوية القدمين واليدين) واصطفافهما (وكذلك) المراءاة (بالصوم والغزو والحج والصدقة وإطعام الطعام، و) المراءاة (بالإخبات في الشيء عند اللقاء، كإرخاء الجفون، وتنكيس الرأس، والوقار في الكلام، حتى إن المرائي قد يسرع في الشيء إلى حاجته فإذا اطلع عليه واحد من أهل الدين رجع إلى الوقار وإطراق الرأس؛ خوفا من أن ينسبه إلى العجلة) والخفة (وقلة الوقار، فإن غاب الرجل عاد إلى عجلته، وإذا رآه عاد إلى خشوعه، ولم يحضره ذكر الله حتى يكون يجدد الخشوع له، بل هو لاطلاع إنسان عليه، يخشى أن لا يعتقد فيه أنه من العباد والصلحاء) فتقوم عليه القيامة بسبب ذلك .

(ومنهم من إذا سمع هذا استحيا أن تخالف مشيته في الخلوة مشيته بمرأى من الناس، فيكلف نفسه المشية الحسنة في الخلوة حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير، ويظن أنه يتخلص به من) وصمة (الرياء، و) لا يدري أنه (قد تضاعف به رياؤه؛ فإنه صار في خلوته أيضا مرائيا، فإنه إنما يحسن مشيته في خلوته ليكون كذلك في الملأ) من الناس (لا لخوف من الله وحياء منه .

وأما أهل الدنيا فمراءاتهم بالتبختر) في المشي (والاختيال، وتحريك اليدين) قصدا (وتقريب الخطا، والأخذ بأطراف الذيل) من اليمين والشمال (وإدارة العطفين؛ ليدلوا بذلك على الجاه والحشمة) وعلو المنصب .

(الخامس: المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين [ ص: 272 ] كالذي يتكلف أن يستزير عالما من العلماء) مشهورا (ليقال: إن فلانا قد زار فلانا، أو) يستزير (عابدا من العباد) معروفا (ليقال: إن أهل الدين يتبركون بزيارته، ويترددون إليه، أو) يستزير (ملكا من الملوك) أو أميرا من الأمراء (أو عاملا من عمال السلطان؛ ليقال؛ إنهم يتبركون به لعظم رتبته في الدين) فيروج بذلك حاله (وكذلك الذي يكثر ذكر الشيوخ) في مجالسهم (ليري أنه) قد (لقي شيوخا كثيرة، واستفاد منهم فيباهي بشيوخه) ويقول كما قال الفرزدق:


أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع

(فمباهاته ومراءاته تترشح عند مخاصمته، فيقول لغيره: ومن لقيت من الشيوخ؟ وأنا لقيت فلانا وفلانا ودرت البلاد) وقطعت الوهاد (وخدمت الشيوخ) وتلقيت عنهم كذا وكذا (وما يجري مجراه) من الدعاوى .

(فهذا مجامع ما يرائي به المراؤون، وكلهم يطلبون به الجاه والمنزلة في قلوب العباد .

ومنهم من يقنع بحسن الاعتقادات فيه، فكم من راهب انزوى إلى دير سنين كثيرة! وكم من عابد اعتزل) الناس (إلى قلة جبل شاهق مدة مديدة! وإنما خبأته من حيث علمه بقيام جاهه في قلوب الخلق، ولو عرف أنهم نسبوه إلى جريمة في ديره أو صومعته لتشوش قلبه) من تلك النسبة (ولم يقنع بعلم الله ببراءة ساحته) من تلك الجريمة (بل يشتد بذلك غمه، ويسعى بكل حيلة في إزالة ذلك من قلوبهم، مع أنه قد قطع طعمه في أموالهم) فلا تخطر له ببال (ولكنه يحب مجرد الجاه؛ فإنه لذيذ، كما ذكرناه في) بيان (أسبابه فإنه نوع قدرة واستيلاء وكمال في الحال، وإن كان سريع الزوال، لا يغتر به إلا الجهال، ولكن أكثر الناس جهال) غلب عليهم الجهل والغرور .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث