الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان حقيقة الرياء وما يراءى به

نعم ، بعض درجات الرياء أشد من بعض كما سيأتي بيانه في درجات الرياء إن شاء الله تعالى ، ولا يخلو شيء منه عن إثم غليظ أو خفيف بحسب ما به المراءاة ، ولو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير الله لكان فيه كفاية فإنه وإن ؛ لم يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله ولعمري لو ، عظم غير الله بالسجود لكفر كفرا جليا ، إلا أن الرياء هو الكفر الخفي ؛ لأن المرائي عظم في قلبه الناس ، فاقتضت تلك العظمة أن يسجد ويركع ، فكان الناس هم المعظمون بالسجود من وجه ، ومهما زال قصد تعظيم الله بالسجود وبقي تعظيم الخلق كان ذلك قريبا من الشرك ، إلا أنه قصد تعظيم نفسه في قلب من عظم عنده بإظهاره من نفسه صورة التعظيم لله فعن هذا كان شركا خفيا لا شركا جليا ، وذلك غاية الجهل ، ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشيطان وأوهم عنده أن العباد يملكون من ضره ونفعه ورزقه وأجله ومصالح حاله ومآله أكثر مما يملكه الله تعالى فلذلك عدل بوجهه عن الله إليهم وأقبل ، بقلبه عليهم ؛ ليستميل بذلك قلوبهم ، ولو وكله الله تعالى إليهم في الدنيا والآخرة لكان ذلك أقل مكافأة له على صنيعه فإن العباد كلهم عاجزون عن أنفسهم ، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ، فكيف يملكون لغيرهم ؟! هذا في الدنيا ، فكيف في يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ، بل تقول الأنبياء فيه : نفسي نفسي فكيف يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة ونيل القرب عند الله ما يرتقبه بطمعه الكاذب في الدنيا من الناس ؟! فلا ينبغي أن نشك في أن المرائي بطاعة الله في سخط الله من حيث النقل والقياس جميعا ، هذا إذا لم يقصد الأجر ، فأما إذا قصد الأجر والحمد جميعا في صدقته أو صلاته فهو الشرك الذي يناقض الإخلاص .

وقد ذكرنا حكمه في كتاب الإخلاص ويدل على ما نقلناه من الآثار قول سعيد بن المسيب وعبادة بن الصامت أنه لا أجر له فيه أصلا .

التالي السابق


(نعم، بعض درجات الرياء أشد من بعض كما سيأتي بيانه) قريبا بعد هذا الفصل (في درجات الرياء، ولا يخلو شيء منه عن إثم غليظ أو خفيف بحسب ما به المراءاة، ولو لم يكن في الرياء إلا أنه يركع ويسجد لغير الله لكان فيه كفاية؛ لأنه إذا لم يقصد التقريب إلى الله تعالى فقد قصد غير الله لعمري، ولو عظم غير الله بالسجود لكفر كفرا جليا، إلا أن الرياء هو الكفر الخفي؛ لأن المرائي عظم في قلبه الناس، فاقتضت تلك العظمة أن يركع ويسجد لهم، فكان الناس هم المعظمون بالسجود من وجه، ومهما زال قصد تعظيم الله بالسجود وبقي تعظيم الخلق كان ذلك قريبا من الشرك، إلا أنه إن قصد تعظيم نفسه في قلب من عظم عنده بإظهاره من نفسه صورة التعظيم لله فمن هذا كان شركا خفيا لا شركا جليا، وذلك غاية الجهل، ولا يقدم عليه إلا من خدعه الشيطان) بغروره (وأوهم عنده أن العباد يملكون من نفعه وضره ورزقه وأجله ومصالح حاله ومآله أكثر مما يملكه [ ص: 275 ] الله فلذلك عدل) أي: صرف (بوجهه عن الله تعالى إليهم، فأقبل بقلبه عليهم؛ ليستميل بذلك قلوبهم، ولو وكله الله تعالى إليهم في الدنيا والآخرة لكان ذلك أقل مكافأة له على صنيعه) ذلك .

(فإن العباد كلهم عاجزون عن أنفسهم، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، فكيف لغيرهم؟! هذا في الدنيا، فكيف في) الآخرة (يوم لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، بل يقول الأنبياء) عليهم السلام -مع جلالة قدرهم- (فيه: نفسي نفسي) كما جاء في حديث الشفاعة الطويل .

(فكيف يستبدل الجاهل عن ثواب الآخرة ونيل القرب عند الله تعالى ما يرتقبه بطعمه الكاذب في الدنيا من الناس؟!) فإذا عرفت ذلك (فلا ينبغي أن تشك في أن المرائي بطاعة الله في سخط الله من حيث النقل والقياس جميعا، هذا إذا لم يقصد الأجر، فأما إذا قصد الأجر والحمد جميعا في صدقته أو صلاته فهذا الشرك الذي يناقض الإخلاص، وقد ذكرنا حكمه في كتاب الإخلاص) على ما سيأتي إن شاء الله تعالى .

(ويدل على ما نقلناه من الآثار) فيما تقدم قريبا (من قول سعيد بن المسيب) رحمه الله تعالى (و) من قول (عبادة بن الصامت) رضي الله عنه وغيرهما (أنه لا أجر له فيه أصلا) ومثله في الحديث المرفوع عن أبي أمامة وغيره، كما قدمنا ذكره قريبا، والله الموفق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث