الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
ومن ذلك الاستغفار والاستعاذة بالله من عذابه وغضبه ، فإن ذلك قد يكون لخاطر خوف ، وتذكر ذنب ، وتندم عليه ، وقد يكون للمراءاة .

فهذه خواطر ترد على القلب متضادة مترادفة متقاربة ، وهي مع تقاربها متشابهة فراقب قلبك في كل ما يخطر لك ، وانظر ما هو ، ومن أين هو ، فإن كان لله فامضه ، واحذر مع ذلك أن يكون قد خفي عليك شيء من الرياء الذي هو كدبيب النمل ، وكن على وجل من عبادتك أهي مقبولة أم لا ؛ لخوفك على الإخلاص فيها ، واحذر أن يتجدد لك خاطر الركون إلى حمدهم بعد الشروع بالإخلاص ؛ فإن ذلك مما يكثر جدا .

فإذا خطر لك فتفكر في اطلاع الله عليك ، ومقته لك .

وتذكر ما قاله أحد الثلاثة الذين حاجوا أيوب عليه السلام إذ قال : « يا أيوب ، أما علمت أن العبد تضل عنه علانيته التي كان يخادع بها عن نفسه ، ويجزى بسريرته » . .

وقول بعضهم : « أعوذ بك أن يرى الناس أني أخشاك وأنت لي ماقت » . .

وكان من دعاء علي بن الحسين رضي الله عنهما « اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لامعة العيون علانيتي ، وتقبح لك فيما أخلو سريرتي ، محافظا على رياء الناس من نفسي مضيعا لما ، أنت مطلع عليه مني ، أبدي للناس أحس أمري ، وأفضي إليك بأسوأ عملي ؛ تقربا إلى الناس بحسناتي ، وفرارا منهم إليك بسيئاتي ، فيحل بي مقتك ، ويجب علي غضبك أعذني . من ذلك يا رب العالمين » . .

وقد قال أحد الثلاثة نفر لأيوب عليه السلام : « يا أيوب ألم تعلم أن الذين حفظوا علانيتهم ، وأضاعوا سرائرهم عند طلب الحاجات إلى الرحمن تسود وجوههم ». فهذه جمل آفات الرياء .

فليراقب العبد قلبه ؛ ليقف عليها ، ففي الخبر « إن للرياء سبعين بابا » . .

وقد عرفت أن بعضه أغمض من بعض حتى إن بعضه مثل دبيب النمل ، وبعضه أخفى من دبيب النمل .

وكيف يدرك ما هو أخفى من دبيب النمل إلا بشدة التفقد والمراقبة وليته أدرك بعد بذل المجهود ، فكيف يطمع في إدراكه من غير تفقد للقلب ، وامتحان للنفس وتفتيش عن خدعها نسأل الله تعالى العافية بمنه وكرمه وإحسانه .

التالي السابق


(ومن ذلك الاستغفار والاستعاذة بالله من عذابه وغضبه، فإن ذلك قد يكون لخاطر خوف، وتذكر ذنب، وتندم عليه، وقد يكون للمراءاة، فهذه خواطر ترد على القلب متضادة مترادفة متقاربة، وهي مع تقاربها متشابهة) يعسر التمييز بينها إلا على ذوي البصائر .

(فراقب قلبك في كل ما يخطر لك، وانظر ما هو، ومن أين هو، فإن كان لله فأمضه، واحذر مع ذلك أن يكون خفي عليك شيء من الرياء الذي هو) في دقته وخفائه (كدبيب النمل، وكن على وجل من عبادتك أهي مقبولة) عند الله (أم لا؛ لخوفك على الإخلاص فيها، واحذر أن يتجدد لك خاطر الركون) أي: الميل (إلى حمدهم بعد الشروع في الإخلاص؛ فإن ذلك مما يكره) في الأعمال (جدا، فإذا خطر لك فتفكر في اطلاع الله عليك، ومقته لك، وتذكر ما قاله أحد الثلاثة نفر الذين حاجوا أيوب -عليه السلام- إذ قال: "يا أيوب، أما علمت أن العبد تضل عنه علانيته التي يخادع بها في نفسه، ويجزى بسريرته" وقول بعضهم: "أعوذ بك أن يرى الناس أني أخشاك وأنت لي ماقت") أي: باغض (وكان من دعاء علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: ("اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لامعة العيون) أي: ما ظهر منها (علانيتي، وتقبح لك فيما أخلو سريرتي، محافظا على رياء الناس في نفسي، ومضيعا ما أنت مطلع عليه مني، أبدي للناس أحسن أمري، وأفضي إليك بأسوأ عملي؛ تقربا إلى الناس بحسناتي، وفرارا منهم إليك بسيئاتي، فيحل بي مقتك، ويجب علي غضبك. أعوذ بالله من ذلك [ ص: 327 ] يا رب العالمين") .

وهذا الدعاء رواه صاحب نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- ولفظه: "اللهم إني أعوذ بك من أن يحسن في لامعة العيون علانيتي، ويقبح فيما أبطن لك سريرتي، محافظا على رياء الناس، مطلع من نفسي بجميع ما أنت مطلع عليه مني، فأبدي للناس حسن ظاهري، وأفضي إليك بسوء عملي؛ تقربا إلى عبادك وتباعدا من مرضاتك" وهو من رواية علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده .

(وقد قال أحد الثلاثة نفر لأيوب -عليه السلام-: "يا أيوب ألم تعلم أن الذين حفظوا علانيتهم، وأضاعوا سرائرهم عند طلب الحاجات إلى الرحمن تسود وجوههم" .

فهذه جملة آفات الرياء، فليراقب العبد قلبه؛ ليقف عليها، ففي الخبر "إن للرياء سبعين بابا") قال العراقي: هكذا ذكر المصنف هذا الحديث هنا، وكأنه تصحف عليه، أو على من نقله من كلامه أنه "الرياء" بالمثناة التحتية، وإنما هو "الربا" بالموحدة، والرسم كتابته بالواو، والحديث رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ: "الربا سبعون حوبا أيسرها أن ينكح الرجل أمه" وفي إسناده أبو معشر، واسمه نجيح، مختلف فيه .

وروى ابن ماجه من حديث ابن مسعود، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابا" وإسناده صحيح، هكذا ذكر ابن ماجه الحديثين في أبواب التجارات، وقد روى البزار حديث ابن مسعود بلفظ: "الربا بضع وسبعون بابا، والشرك مثل ذلك" وهذه الزيادة قد يستدل بها على أنه "الرياء" بالمثناة؛ لاقترانه مع الشرك. والله أعلم. اهـ .

قلت: روي ذلك من حديث أبي هريرة وابن مسعود والبراء وعائشة ورجل من الأنصار:

فحديث أبي هريرة: رواه ابن جرير بلفظ: "الربا سبعون حوبا أهونها مثل وقوع الرجل على أمه".

ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغيبة بلفظ: "وأيسرها كنكاح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم".

ورواه البيهقي بلفظ: "الربا سبعون بابا، أدناها كالذي يقع على أمه" وفي لفظ له: "إن الربا سبعون حوبا، أدناها مثل ما يقع الرجل على أمه، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه".

وأما حديث ابن مسعود فلفظه: "الربا ثلاث وسبعون بابا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم" رواه الحاكم والبيهقي.

وأما حديث البراء فلفظه: "الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه" رواه ابن جرير.

وأما حديث عائشة فلفظه: "إن الربا بضع وسبعون بابا أصغرها كالواقع على أخته" رواه أبو نعيم في الحلية .

وأما حديث رجل من الأنصار فلفظه: "الربا أحد وسبعون أو قال: ثلاثة وسبعون حوبا، أهونها مثل إتيان الرجل أمه" رواه عبد الرزاق في جامعه .

وأما حديث ابن مسعود الذي رواه البزار فقد رواه ابن جرير كذلك، وضبطوه بالموحدة، وقد تقدم ذكر هذا الحديث في كتاب اللسان .

(وقد عرفت أن بعضه أغمض من بعض حتى إن بعضه مثل دبيب النمل، وبعضه أخفى من دبيب النمل، وكيف يدرك ما هو أخفى من دبيب النمل) لشدة خفائه ودقته (إلا بشدة التفقد والمراقبة) وكثرة المجاهدة لعيوب النفس (وليته أدرك بعد بذل المجهود، فكيف يطمع في إدراكه من غير تفقد للقلب، وامتحان للنفس) ورياضة لها، وتهذيبها (وتفتيش عن خدعها) وتلبيساتها. والله الموفق .




الخدمات العلمية