الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من كتاب الظهار واللعان

1334 [ 1249 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن أبي الزناد، عن القاسم بن محمد قال: شهدت ابن عباس فحدث بحديث المتلاعنين، فقال له ابن شداد: أهي التي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " "لو كنت راجما أحدا بغير بينة رجمتها؟" . .

قال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت قد أعلنت.

التالي السابق


الشرح

عويمر العجلاني الأنصاري من بني عمرو بن عوف، ابن عم عاصم بن عدي.

رواه عنه: عاصم، وسهل بن سعد .

وعاصم بن عدي بن الجد بن عجلان بن ضبيعة الأنصاري الأوسي العجلاني أخو معن بن عدي، شهد بدرا.

وروى عنه: سهل، وابنه أبو البداح بن عاصم، وكان سيد بني [ ص: 319 ] العجلان .

وحديث مالك عن ابن شهاب، رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف وابن أبي أويس، ومسلم عن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، بروايتهم عن مالك.

وحديث إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب أخرجه أبو عبد الله بن ماجه عن أبي مروان محمد بن عثمان عن إبراهيم.

وحديث ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أخرجه البخاري عن آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب.

وابن شداد: هو عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي.

سمع: عمر بن الخطاب، وأباه.

وروى عنه: الشعبي، وعكرمة بن خالد، وغيرهما .

وحديث ابن جريج عن ابن شهاب أخرجه البخاري عن يحيى، ومسلم عن محمد بن رافع، بروايتهما عن عبد الرزاق عن ابن جريج.

وحديث القاسم عن ابن عباس مخرج في الصحيحين بزيادات على ما في الكتاب، فروى البخاري عن سعيد بن عفير عن الليث عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن [ ص: 320 ] محمد، عن ابن عباس أنه ذكر التلاعن عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال عاصم بن عدي في ذلك قولا ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع أهله رجلا، فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا لقولي، فذهب به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجد عند أهله آدم خدلا كثير اللحم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم بين"، فجاءت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها أنه وجده، فلاعن النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما، فقال رجل لابن عباس في المجلس: هي التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو رجمت أحدا بغير بينة رجمت هذه؟ فقال: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء.

ويروى أنه قال: لا، تلك امرأة قد أعلنت في الإسلام.

وقوله: ومن كتاب الظهار واللعان هكذا ترجم الكتاب، لكنه ليس فيه إلا الأحاديث المتعلقة باللعان.

وقوله: "سل لي يا عاصم رسول الله - صلى الله عليه وسلم –" يدل على أنهم كانوا يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على لسان غيرهم وإن قدروا على مراجعته ورفع الواسطة، وفيه ما يدل على أنهم كانوا يعتمدون قول الواحد الذي يعبر للسؤال.

وقوله: "فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها" قال أبو سليمان الخطابي: كان عاصم يسأل لغيره ولم يكن به حاجة إليه، وكان فيه هتك الحرمة; فأظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكراهة إيثارا لستر العورات.

قال: والمسائل على وجهين: [ ص: 321 ] منها ما يقع على وجه التعليم فيما يحتاج إليه، وذلك جائز وقد يجب.

ومنها ما يقع على وجه التكلف والتعنت، وهو مكروه، ومنه قوله تعالى: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ، ومنه سؤال بني إسرائيل في قصة البقرة فإنهم كانوا في غنية منه.

وذكر الشافعي -رضي الله عنه- في الأم أن عويمرا لم يخبر عن وقوع الواقعة، والسؤال عما لم يقع في زمان نزول الوحي مكروه; لأنه قد يوافق السؤال نزول الوحي على ضرب من التغليظ والتشديد، وروى ما سيأتي في المسند عن عامر بن سعد، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يكن، فحرم من أجل مسألته، وقال تعالى: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم لكن الأشبه بسياق القصة أن عويمرا كان قد ابتلي بذلك، وأن عاصما ذكرها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو تفرسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما ذكر، ألا ترى أنه قال لعويمر حين أتاه فسأله: "قد أنزل الله تعالى فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها.

واستدل الشافعي بقول سهل: "فتلاعنا وأنا مع الناس" على أنه ينبغي أن يجري اللعان بحضور جماعة من المؤمنين، كما أن الحد يقام بمحضر جماعة من الناس، وبقوله: "فطلقها ثلاثا" على أن الجمع بين الطلقات الثلاث لا يكون بدعة; لأنه لو كان كذلك لأنكر النبي - صلى الله عليه وسلم -.

واختلف العلماء في وقت حصول الفرقة باللعان .

[ ص: 322 ] فقال قائلون: يحصل بفراغ الزوج من اللعان، وبه قال الشافعي.

وقال آخرون: تلاعنهما جميعا، وبه قال مالك وأحمد.

وقال آخرون: يحصل بتفريق القاضي بينهما بعد تلاعنهما; حتى لو طلقها قبل قضاء القاضي بالتفريق وقع الطلاق، وبهذا قال أبو حنيفة، وقد يحتج له بأن العجلاني طلقها ثلاثا، ولو كانت الفرقة حاصلة لما كان للتطليق معنى، لكن يحتمل أنه كان جاهلا بحكم اللعان، وقد ازداد غيظه لما رأى جرأتها على اليمين فأظهر الرغبة في فراقها وتلفظ بالطلقات الثلاث.

وقوله: "فكانت تلك سنة المتلاعنين" يريد الفرقة بينهما، والكلمة في رواية مالك وإبراهيم بن سعد منسوبة إلى ابن شهاب، وفي رواية ابن أبي ذئب وابن جريج ما يدل على أنها من كلام سهل، وفي سنن أبي داود من رواية عياض بن عبد الله الفهري عن ابن شهاب عن سهل بن سعد: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنفذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ما صنع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة.

قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا .

قال أبو سليمان الخطابي: قوله: فأنفذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتمل وجهين:

أحدهما: إيقاع الطلاق وإنفاذه، وهذا قول من يقول: إن اللعان لا يوجب الفرقة.

[ ص: 323 ] والآخر: أن يكون المعنى إنفاذ الفراق الدائم المتأبد حتى لا تصلح للملاعن وإن كذب نفسه، وهذا قول الشافعي ومالك والأوزاعي والثوري وأحمد، ويدل عليه قوله: "ثم لا يجتمعان أبدا".

وقوله: "أن يفرق بينهما"، وفي رواية ابن جريج "أن يفرق بين المتلاعنين" قد يتمسك به من يقول أن الفرقة تحصل بتفريق الحاكم وسنتكلم في مثل هذه اللفظة من بعد.

وقوله: "فإن جاءت به أسحم أدعج" الأسحم: الشديد السواد، ويقال: هو الذي لونه لون الغراب، والدعج: شدة سواد العين، والوحرة: دويبة تشبه الوزغة تلصق بالأرض، وقيل: مع الوزغة، وقيل: نوع من وزغ الصحاري وجمعها وحر، ومن ذلك وحر الصدر: وهو الحقد والغيظ; لأنه يتشبث بالقلب ويدب فيه كدبيب الوحرة، وأشار بهذا التشبيه إلى القصر، وقد بينه في رواية ابن أبي ذئب فقال: "أحمر قصيرا كأنه وحرة".

وقوله: "ذو أليتين" أي: هو ذو أليتين، والمراد عظمهما على ما ذكر في رواية إبراهيم بن سعد.

وقوله في رواية ابن المسيب و [عبيد الله] بن عبد الله: "إن جاءت به أشقر سبطا" والشقرة: قريبة من الحمرة، وقد سبق الحديث من روايتهما في الكتاب وبينا أن بعضهم رواه: أصفر، وهذه الألوان كلها بعيدة من شدة السواد، فكأنه قصد ما يضادها، وفي بعض الروايات: أميغر وهو تصغير الأمغر ، والأمعر والمعر: القليل [ ص: 324 ] الشعر، ويقال: تمعر شعره أي: تساقط، ويقال أيضا: تمعر لونه أي: تغير.

وأما السبط فيقال: شعر سبط، أي: مسترسل ليس فيه تثن وتكسر، ويقال: هو سبط الجسم أي: حسن القد والاستواء، وذكر في حديث اللعان أن اللفظ يحتملهما جميعا، والظاهر الأول; لأنه قد وقع التعرض للشعر في بعض الروايات السابقة، ولأنه وصفه بالقصر في سائر الروايات وذلك يناقض سباطة الجسم.

واستدل بالحديث على جواز الاستدلال بالأشباه، وعلى أنه وإن جاز الاستدلال بها لا يحكم بها إذا عارضها ما هو أقوى منها; لأنه لم يوجب عليها الحد بالأشباه; لأن اللعان أقوى منها، وعلى أن المرأة إذا كانت حاملا [و] لاعن على نفي الحمل جاز، وبه قال مالك والأوزاعي، وعند أبي حنيفة: لا يجوز اللعان على نفي الحمل، لكن إن فعل صح وتعلق به أحكامه غير أن الولد يلزمه ولا يمكنه نفيه بعده.

وقوله: "شهد ابن عباس فحدث بحديث المتلاعنين" يشبه أن يريد به ما حكيناه عن الصحيح من رواية القاسم بن محمد عن ابن عباس على أن ابن عباس روى في اللعان الحديث على وجه يفارق حديث سهل بن سعد، فيمكن أن يراد به ذلك، ولنورد ذلك الحديث ففيه أغراض أخر، روى البخاري في الصحيح عن محمد بن بشار عن ابن أبي عدي عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس; أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بشريك بن سحماء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "البينة أو حدا في ظهرك".

[ ص: 325 ] قال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "البينة وإلا حدا في ظهرك". فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزل الله سبحانه ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل الله تعالى عليه: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم فقرأ حتى بلغ: إن كان من الصادقين فانصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليها فجاء هلال فشهد والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب"؟

ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها [موجبة] .

قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لولا [ما] مضى من كتاب الله -عز وجل- لكان لي ولها شأن"
.

وفي بعض الروايات: "أبصروها فإن جاءت به أثيبج أصيهب أريسح حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به خدلج الساقين سابغ الأليتين أورق جعدا جماليا فهو للذي رميت به" .

وفي "صحيح مسلم" عن أنس بن مالك أنه قال: إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أول من لاعن، فلاعن [ ص: 326 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني بينهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أبصروها فإن جاءت [به] أبيض سبطا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين [فهو لشريك بن سحماء ...]" .

وهلال بن أمية: هو الواقفي الأنصاري، وذكر أنه أحد الثلاثة الذين تخلفوا وتيب عليهم على ما قال تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا .

روى عنه: جابر بن عبد الله، وابن عباس.

وشريك بن السحماء ذكر في الصحابة.

والسحماء: قيل: هو اسم أمه، وقيل: صفة لها; لأنها كانت سوداء، والكحل: سواد الحدقة.

وقوله: "سابغ الأليتين" قيل: قبيحهما، يقال: عجيزة سابغة أي: قبيحة، وقيل: سبوغ الأليتين: عظمهما، ومنه ثوب سابغ، ويوافقه ما سبق في بعض الروايات عظيم الأليتين وما ورد في بعضها: إن كان مستها والمسته والأسته: العظيم الأليتين.

وخدلج الساقين: غليظهما، ويروى: "خدل الساقين" وهو بمعناه.

والأثيبج تصغير الأثبج: وهو الناتئ الثبج ما بين الكاهل ووسط الظهر.

والأصيهب: تصغير الأصهب، والصهبة: قريبة من الشقرة.

والأريسح تصغير الأرسح: وهو الخفيف الأليتين، وفي بعض الروايات أريصح وهو بمعناه أبدلت السين صادا، قال أبو سليمان الخطابي : وقد يكون تصغير الأرصع أبدلت العين منه حاء، وحكي [ ص: 327 ] عن الأصمعي أن الأرصع الأرسح.

وحمش الساقين: دقيقهما.

والأورق: الذي لونه يضرب إلى الخضرة كلون الرماد، وقيل: إلى السواد، وهو الورقة.

والجعد: هو المجتمع الحلق، ويحتمل أن يريد به جعودة الشعر، وهو كما ذكرنا في السبط.

والجمالي: العظيم الخلق، شبه خلقه بخلق الجمل.

وقضيء العين -على فعل فاسدها- يقال: قضئت عينه: إذا احمرت واسترخت لحم آماقها.

والروايات متوافقة في الدلالات والأشبه المذكورة على اختلاف العبارات، وما فيها من الزيادة والنقصان لا اختلاف فيها إلا أن غلظ الساق في أكثر الروايات من أمارات أن الولد [للذي] رميت به، وضده وهو الحمش من أمارات أنه من الزوج، وفي رواية أنس المذكورة آخرا جعلت الحموشة من أمارات [أنه للذي رميت به] وكأن بعض الرواة غلط فأدخل هذه الصفة في غير موضعها أو تأول على إرادة الغلظ في أحدهما [وإرادة] الحموشة في الطرف الآخر.

وفي حديث ابن عباس دلالة على أن قذف الزوجة يوجب الحد كقذف الأعيان، إلا أنه يسقط بطريقين: البينة واللعان، وعلى أنه إذا قذف زوجته بمعين ثم لاعن; يسقط حد القذف لذلك المعين كما يسقط الحد للزوجة، فإن لم يسمه في اللعان ففي سقوط الحد له قولان [ ص: 328 ] للشافعي، وقد يحتج للسقوط بأنه لم يرو أنه جرى في اللعان ذكر شريك، وإذا قلنا: لا يسقط، فله أن يعيد اللعان لإسقاطه، وعلى أنه يبدأ في اللعان بالرجل، وعلى أنه يستحب أن يوقف الملاعن عند الكلمة الخامسة، ويقال له: إنها موجبة أي: للغضب في حق المرأة واللعن في حق الرجل.

واحتج بقوله عند الخامسة أنها موجبة على أن اللعان لا يتم إلا باستيفاء الكلمات الخمس، خلافا لأبي حنيفة حيث قال: يكفي أكثرها، وبقوله: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل من تائب؟" على أن الإمام يحكم بالظاهر والسرائر موكولة إلى الله تعالى، وعلى أن الظاهر لا يزال بالأشباه التي تخيل خلافه على ما قال - صلى الله عليه وسلم -: "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن".

ثم في أحاديث اللعان كلامان:

أحدهما: أن ابن عباس وأنسا رويا أن الملاعن كان هلال بن أمية، وأنه رمى امرأته بشريك بن السحماء، وفي حديث سهل تسمية الملاعن بعويمر ونسبته إلى بني العجلان، وليس فيه ذكر المرمي به في أكثر الروايات، وعويمر وهلال رجلان مذكوران في الصحابة، وظاهر الحديثين يشعر بأنهما قضيان ولعانان، لكنه يشكل من وجهين:

الأول: أن في بعض الروايات ذكر عويمر مع الرمي بشريك، فروى الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن عمران بن أبي أنس قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول: حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك وأنكر حملها [ ص: 329 ] الذي في بطنها وقال: هو من ابن السحماء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هات امرأتك فقد نزل القرآن فيكما، فلاعن بينهما" .

وروى أبو الزناد عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس مثل ذلك، ويبعد أن تفرض قصتان مختلفتان ولعانان، والمرمي به فيهما شخص واحد.

والثاني: أن الأشباه في الروايات متقاربة، ويبعد اشتراك الزوجين بتقدير تعدد الواقعة في الأشباه والهيئات، وقال الشافعي -رضي الله عنه- في "الإملاء": وقد قذف العجلاني امرأته بابن عمه وابن عمه شريك بن السحماء، والتعن العجلاني فلم يحد النبي - صلى الله عليه وسلم - شريكا بالتعانه، ولم يحد العجلاني القاذف لشريك، فجعل القاذف العجلاني والمرمي به شريكا.

قال الحافظ أبو بكر البيهقي: عندي أن الشافعي ذهب إلى أن القصة واحدة واعتمد في اسم القاذف على حديث سهل بن سعد لفضل حفظ الزهري، وفي اسم المرمي به على رواية ابن عباس وأنس.

قال: وبتقدير أن يكونا قصتين فكان عاصما سأل لعويمر ثم ابتلي به هلال بن أمية أيضا ونزلت الآية فلاعن كل واحد منهما، فأضاف بعض الرواة نزول آيات اللعان إلى قصة هذا وآخرون إلى قصة هذا.

والثاني: رواية سهل بن سعد وابن عباس وأنس موافقة في الدلالة على أن المرأة كانت حاملا عند اللعان، وصرح به فليح وابن جريج ويونس بن يزيد الأيلي في روايتهم عن الزهري، وقد يوهم ما سبق من رواية سعيد بن عفير عن الليث عن يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن [ ص: 330 ] القاسم تقدم الوضع على اللعان، والظاهر الأول، وفي تلك الرواية قدم حكاية الوضع على حكاية اللعان.

وما ذكر في ذلك الحديث أنه ذكر التلاعن وفي بعض الروايات ذكر الملاعنين بدل التلاعن وأن [عاصما] قال فيه [قولا] ثم انصرف ... إلى آخره فيه إشكال أيضا من وجهين:

أحدهما: أن التلاعن إنما عرف من نزول آيات اللعان، والآيات نزلت بعد الواقعة ومراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يتقدم ذكر التلاعن على وقوع الواقعة ورفعها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.

والثاني: أن فيما سبق من الروايات أن عويمرا أتى عاصما ليسأل له رسول الله وذلك لا يناسب ما في رواية عبد الرحمن بن القاسم أن عاصما قال قولا ثم انصرف ... إلى آخره، وقد يجاب عنهما تفريعا على تعدد القصة بأنه ربما وردت آيات اللعان بعد واقعة هلال ثم إنهم ذكروا التلاعن، فقال فيه عاصم ما قال، ثم جاءه عويمر ليسأل له.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث