الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
161 [ 815 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن قيس، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن جده قيس قال: رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا أصلي ركعتين بعد الصبح فقال: "ما هاتان الركعتان يا قيس"؟

فقلت: إني لم أكن صليت ركعتي الفجر، فسكت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- .

التالي السابق


الشرح

عبد الله الصنابحي كذلك سماه ونسبه مالك، وذكر الحافظ أبو عبد الله ابن منده أن محمد بن جعفر بن أبي كثير وخارجة بن مصعب رويا عن زيد بن أسلم مثله، وروى حديثه معمر بن راشد عن زيد بن أسلم عن عطاء وقال: عن أبي عبد الله الصنابحي، قال أبو عيسى الترمذي: والصحيح رواية [معمر] وأبو عبد الله الصنابحي: هو عبد [ ص: 66 ] الرحمن بن [عسيلة] من أهل اليمن، وذكر البخاري وغيره أنه لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه قدم المدينة مهاجرا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد موته بخمسة أيام .

وابن قيس: هو سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري أخو يحيى وعبد ربه ابني سعيد.

سمع: أنس بن مالك، والقاسم بن محمد، وعمر بن كثير بن أفلح.

وروى عنه: محاضر بن المورع، وسليمان بن بلال، وعبد الله بن نمير، وإسماعيل بن جعفر، وأبو أسامة، وعبد الله بن المبارك. مات سنة إحدى وأربعين ومائة .

وقيس جد سعد بن سعيد: وهو فيما رواه عبد الله بن نمير وغيره قيس بن قهد -بالقاف- وقيل: هو قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث، وهذا أصح عند البخاري .

روى عنه: محمد بن إبراهيم التيمي، وغيره .

وحديث مالك عن محمد بن يحيى بن حبان رواه في "الصحيح" مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك، وأخرجه الشيخان من غير [ ص: 67 ] هذا الطريق من رواية أبي هريرة، وأيضا من رواية عمر بن الخطاب، وأبي سعيد الخدري أيضا - رضي الله عنه -.

وحديث مالك عن نافع أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، بروايتهما عن مالك.

وحديث الصنابحي يروى معناه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح من رواية عقبة بن عامر الجهني.

وحديث ابن المسيب مرسل من رواية الكتاب، لكن رواه مسلم عن حرملة، وأبو داود عن أحمد بن صالح، بروايتهما عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة متصلا وقال: وأقم الصلاة لذكري .

قال يونس: وكان ابن شهاب يقرأها للذكرى.

وقصة التعريس ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية أبي هريرة وغيره.

وحديث عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم: رواه عن سفيان كما رواه الشافعي: الحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما ، وأيده [ ص: 68 ] الشافعي برواية عطاء على إرسالها، وفي الباب عن أبي ذر - رضي الله عنه -.

وحديث ابن [أبي] لبيد عن أبي سلمة مذكور من قبل في الكتاب وبينا هناك أنه صحيح وأن كريبا رواه عن أم سلمة وأخرجه الشيخان من روايته.

وحديث قيس: رواه الحميدي عن سفيان كما رواه الشافعي، ورواه عبد الله بن نمير عن سعد بن سعيد بن قيس، وأخرجه أبو داود في "السنن" .

والمقصود الأوقات التي تكره فيها الصلاة خمسة: وقتان يتعلق النهي فيهما بالفعل وهما ما بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وهو المراد من الحديث الأول; وثلاثة يتعلق النهي فيها بالزمان وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع ويقوى شعاعها، وعند الاستواء حتى تزول، وعند اصفرار الشمس حتى تغرب ويدل عليه الحديث الثاني والثالث.

وقوله: "ومعها قرن الشيطان" قيل: أي قومه ومتبعوه من أهل الكفر والضلال وهم عبدة الشمس، وقيل: أي قومه و [.. ..]، وقيل: أراد قرني رأسه وهما جنباه كأنه يدني رأسه من [ ص: 69 ] الشمس ليكون الساجد للشمس هو ساجد له.

ثم بين الشافعي -رضي الله عنه- أن النهي في هذه الأوقات لا يعم كل صلاة; وإنما هو في التطوعات المطلقة، فإذا تذكر فائتة في هذه الأوقات فلا منع من قضائها، ففي "الصحيح" من رواية أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من نسي صلاة أو نام عنها فإن كفارتها أن يصليها إذا ذكرها" .

والاستدلال بحديث ابن المسيب بقوله تعالى: وأقم الصلاة لذكري ظاهر على قراءة من قرأ "للذكرى" أي: لذاكرها، ويمكن أن تقرأ مع طرح اللام فتفتح الراء تنزيلا على هذا المعنى، وإنما على القراءة المشهورة فالملائم لمقصود الحديث أن يجعل المعنى لذكر أمري بها وإيجابي لها، فإذا تذكر فائتة فقد تذكر إيجاب الله تعالى الإتيان بها.

والتعريس: النزول والنوم في آخر الليل، وقيل: النزول للقيلولة أيضا تعريس، ومنهم من قال: النزول في أي وقت كان للنوم تعريس.

وفي الحديث دليل على أنه لا بأس بالنوم وإن قرب وقت الصلاة المستقبلة ولم يؤمن فواتها بدوام النوم، وعلى أنه يستحب أن يوكل من يراقب الوقت لينبه النائمين، وعلى أن الراتب يقضى، وعلى أنه لا بأس بالفصل بين ركعتي الفجر ومكتوبته، وعلى أنه لا يجب القضاء على الفور.

وقوله: "فلم يفزعوا إلا بحر الشمس" قال الخطابي: أي لم ينتبهوا، يقال: أفزعته ففزع، أي: أنبهته فانتبه، ويجوز أن يحمل على خوفهم لفوات الصلاة من المؤاخذة أو نقصان الثواب.

[ ص: 70 ] ولم أخر الصلاة إلى أن اقتادوا الرواحل شيئا؟

قيل: إنما أخر لترتفع الشمس ولا يقع القضاء في وقت الكراهية، وعلى هذا يجري أبو حنيفة حيث يقول: لا تقضى الفوائت في أوقات الكراهية، لكن في الحديث ما يدفع ذلك فإنه قال: "توضأ فصلى ركعتي الفجر ثم اقتادوا" ولو كان التأخير لخروج وقت الكراهية لما صلى ركعتي الفجر أيضا.

وقيل: أراد التحول عن المكان الذي أصابتهم فيه الغفلة والنسيان، وسأل بعضهم فقال: قد روي "أنه - صلى الله عليه وسلم - كان تنام عيناه ولا ينام قلبه" فكيف ذهب الوقت ولم يشعر به؟

وأجيب عنه بأن معرض الحديث يتعلق [... ...] ما يوحى إليه في منامه لم يخف عليه الحديث، ومعرفة الوقت تدرك ( بالتغير) الظاهر، وكانت عيناه تنامان، وكما لا بأس بقضاء الفائتة المعروضة في وقت الكراهية فكذلك الراتبة إذا خرجت عن وقتها; لحديث أم سلمة "فإنه شغل عن الركعتين بعد الظهر فقضاهما بعد صلاة العصر".

وقولها: "دخل ذات يوم بعد العصر فصلى ركعتين" أي بعد صلاة العصر وهو أحد أوقات الكراهية، يدل عليه ما في "الصحيح" من رواية كريب عن أم سلمة أنها قالت: "صلى العصر ثم دخل علي".

وقوله: "وفد بني تميم أو صدقة" يريد أو صدقة بني تميم.

وكذا الراتبة المتقدمة على الصبح لو تأخرت عنها بعذر أو بغير عذر لم يكره الإتيان بها بعد الصلاة; لحديث قيس، وحديث جبير بن [ ص: 71 ] مطعم يشعر باستثناء مكة عن الكراهية، وفي بعض الروايات: "فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت أو صلى".

وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس إلا بمكة إلا بمكة" .

وهذا أظهر في المذهب، ومن الأصحاب من لم يفرق بين مكة وغيرها وحملوا قوله "وصلى" على ركعتي الطواف، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.




الخدمات العلمية