الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان حقيقة الرياء وما يراءى به

ومن المرائين من لا يقنع بقيام منزلته بل يلتمس من ذلك إطلاق اللسان بالثناء والحمد .

ومنهم من يريد انتشار الصيت في البلاد لتكثر الرحلة إليه .

ومنهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته ، وتنجز الحوائج على يده ، فيقوم له بذلك جاه عند العامة . ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام وكسب مال ولو من الأوقاف ، وأموال اليتامى ، وغير ذلك من الحرام . وهؤلاء شر طبقات المرائين الذين يراءون بالأسباب التي ذكرناها .

فهذه حقيقة الرياء ، وما به يقع الرياء .

فإن قلت : فالرياء حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل ؟ فأقول : فيه تفصيل ؛ فإن الرياء هو طلب الجاه ، وهو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات ، فإن كان بغير العبادات فهو كطلب المال ، فلا يحرم من حيث إنه طلب منزلة في قلوب العباد ، ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب محظورات فكذلك الجاه وكما أن كسب قليل من المال وهو ما يحتاج إليه الإنسان محمود فكسب قليل من الجاه وهو ما يسلم به عن الآفات أيضا محمود وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام حيث قال إني حفيظ عليم وكما أن المال فيه سم ناقع ودرياق نافع فكذلك الجاه ، وكما أن كثير المال يلهي ويطغي وينسي ذكر الله والدار الآخرة فكذلك كثير الجاه ، بل أشد وفتنة ؛ الجاه أعظم من فتنة المال ، وكما أنا لا نقول : تملك المال الكثير حرام ، فلا نقول أيضا : تملك القلوب الكثيرة حرام ، إلا إذا حملته كثرة المال وكثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز .

نعم ، انصراف الهم إلى سعة الجاه مبدأ الشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال ، ولا يقدر محب الجاه والمال على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها وأما ، سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه ومن غير اغتمام بزواله إن زال فلا ضرر فيه ، فلا جاه أوسع من جاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاه الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من علماء الدين ، ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين ، ولا يوصف بالتحريم ، فعلى هذا نقول : تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس مراءاة وهو ليس بحرام ؛ لأنه ليس رياء بالعبادة بل بالدنيا ، وقس على هذا كل تجمل للناس وتزين لهم .

والدليل عليه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يخرج يوما إلى الصحابة فكان ينظر في حب الماء ويسوي عمامته وشعره ، فقالت أوتفعل ذلك يا رسول الله قال : نعم ، إن الله تعالى يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم .

نعم ، هذا كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة ؛ لأنه كان مأمورا بدعوة الخلق ، وترغيبهم في الاتباع ، واستمالة قلوبهم ، ولو سقط من أعينهم لم يرغبوا في اتباعه ، فكان يجب عليه أن يظهر لهم محاسن أحواله لئلا تزدريه أعينهم فإن ؛ أعين عوام الخلق تمتد إلى الظواهر دون السرائر ، فكان ذلك قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لو قصد قاصد به أن يحسن نفسه في أعينهم ؛ حذرا من ذمهم ولومهم ، واسترواحا إلى توقيرهم واحترامهم كان قد قصد أمرا مباحا ؛ إذ للإنسان أن يحترز من ألم المذمة ، ويطلب راحة الأنس بالإخوان .

ومهما استثقلوه واستقذروه لم يأنس بهم .

فإذا المراءاة بما ليس من العبادات قد تكون مباحة ، وقد تكون طاعة ، وقد تكون مذمومة ، وذلك بحسب الغرض المطلوب بها .

ولذلك نقول : الرجل إذا أنفق ماله على جماعة من الأغنياء لا في معرض العبادة والصدقة ولكن ليعتقد الناس أنه سخي فهذا مراءاة وليس بحرام وكذلك أمثاله .

أما العبادات ، كالصدقة والصلاة والصيام والغزو والحج فللمرائي فيه حالتان :

إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الأجر ، وهذا يبطل عبادته ؛ لأن الأعمال بالنيات وهذا ليس بقصد العبادة ، لا يقتصر على إحباط عبادته ؛ حتى نقول : صار كما كان قبل العبادة ، بل يعصي بذلك ويأثم كما ؛ دلت عليه الأخبار والآيات .

والمعني فيه أمران :

أحدهما : يتعلق بالعباد ، وهو التلبيس والمكر ؛ لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع لله ، وأنه من أهل الدين ، وليس كذلك ، والتلبيس في أمر الدنيا حرام أيضا ، حتى لو قضى دين جماعة ، وخيل للناس أنه متبرع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم به ؛ لما فيه من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكر .

والثاني : يتعلق بالله ، وهو أنه مهما قصد بعبادة الله تعالى خلق الله فهو مستهزئ بالله .

ولذلك قال قتادة إذا راءى العبد قال الله لملائكته : انظروا إليه كيف يستهزئ بي .

ومثاله أن يتمثل بين يدي ملك من الملوك طول النهار كما جرت عادة الخدم وإنما وقوفه لملاحظة جارية من جواري الملك ، أو غلام من غلمانه ، فإن هذا استهزاء بالملك ؛ إذ لم يقصد التقرب إلى الملك بخدمته ، بل قصد بذلك عبدا من عبيده ، فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة الله تعالى مراءاة عبد ضعيف لا يملك له ضرا ولا نفعا ؟! وهل ذلك إلا لأنه يظن أن ذلك العبد أقدر على تحصيل أغراضه من الله ، وأنه أولى بالتقرب إليه من الله ؛ إذ آثره على ملك الملوك فجعله مقصود عبادته ؟! وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى فهذا من كبائر المهلكات ولهذا ؛ سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر .

التالي السابق


(ومن المرائين من لا يقنع بقيام منزلته) في القلوب (بل يلتمس مع ذلك إطلاق اللسان بالثناء والحمد، ومنهم من يريد انتشار الصيت في البلاد) البعيدة (لتكثر الرحلة إليه) للأخذ والتلقي (ومنهم من يريد الاشتهار عند الملوك) والوزراء (لتقبل شفاعته عندهم، وتنجز الحوائج) للناس (على يديه، فيقوم له به جاه عند العامة .

ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام وكسب مال) من أي وجه كان (ولو من الأوقاف، وأموال اليتامى، وغير ذلك من الحرام. وهؤلاء شر طبقات المرائين الذين يراؤون بالأسباب التي ذكرناها .

فهذه حقيقة الرياء، وما يقع به الرياء .

فإن قلت: فالرياء حرام أو مكروه أو مباح) كل ذلك على الإطلاق (أو فيه تفصيل؟

فأقول: فيه تفصيل؛ فإن الرياء هو طلب الجاه، وهو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات، فإن كان بغير العبادات فهو كطلب المال، فلا يحرم من حيث إنه طلب منزلة في قلوب العباد، ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب محظورات) شرعا (فكذلك الجاه) يمكن تحصيله بمثل تلك الأسباب (وكما أن كسب قليل من المال وهو ما يحتاج إليه الإنسان محمود فكذلك كسب قليل من الجاه وهو ما يسلم به من الآفات محمود) ولكن من غير حرص على طلبه، ومن غير اغتمام على زواله إن زال بلا ضرر فيه (وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام) من عزيز مصر (حيث قال) له: اجعلني على خزائن الأرض ( إني حفيظ عليم ) كما تقدم قريبا .

(وكما أن [ ص: 273 ] المال فيه) من وجه (سم ناقع) ومن وجه (درياق نافع فكذلك الجاه، وكما أن كثير المال يلهي) عن الطاعات (ويطغي وينسي ذكر الله تعالى والدار الآخرة فكذلك كثير الجاه، بل أشد؛ لأن فتنة الجاه أعظم من فتنة المال، وكما أنا لا نقول: تملك المال الكثير حرام، فلا نقول: تملك القلوب الكثيرة حرام، إلا إذا حمله كثرة المال وكثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز) شرعا .

(نعم، انصراف الهم إلى سعة الجاه مبدأ الشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال، ولا يقدر محب المال والجاه على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها، فأما سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه ومن غير اغتمام) منك (بزواله إن زال فلا ضرر فيه، فلا جاه أوسع من جاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجاه الخلفاء الراشدين) من بعده (ومن بعدهم من علماء الدين، ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين، ولا يوصف بالتحريم، فعلى هذا نقول: تحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس مراءاة) لغة (وهو ليس بحرام؛ لأنه ليس رياء بالعبادة بل بالدنيا، وقس على هذا كل تجمل للناس وتزين لهم) في المسكن والمركب .

(والدليل عليه ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يخرج يوما على أصحابه فكان ينظر في حب الماء) أي: الدن الذي فيه الماء (ويسوي عمامته وشعره، فقالت: أوتفعل ذلك يا رسول الله؟ فقال: نعم، إن الله يحب من العبد أن يتزين إذا خرج لإخوانه") رواه ابن عدي في الكامل، وقد تقدم في كتاب أسرار الطهارة .

(نعم، هذا كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبادة؛ لأنه كان مأمورا بدعوة الخلق إلى الله تعالى، وترغيبهم في الاتباع، واستمالة قلوبهم، ولو سقط من أعينهم لم يرغبوا في اتباعه، فكان يجب عليه أن يظهر محاسن أحواله لكيلا تزدريه) أي: تحتقره (أعينهم؛ لأن أعين عوام الخلق تمتد إلى الظواهر دون السرائر، فكان ذلك قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهي مصلحة شرعية .

(ولكن لو قصد قاصد به أن يحسن نفسه في أعينهم؛ حذرا من ذمهم ولومهم، واسترواحا إلى توقيرهم واحترامهم كان قصدا مباحا؛ إذ للإنسان الحذر من ألم المذمة، ويطلب راحة الأنس بالإخوان، ومهما استقذروه واستثقلوه لم يأنس بهم، فإذا: المراءاة بما ليس من العبادات قد تكون مباحة، وقد تكون طاعة، وقد تكون مذمومة، وذلك بحسب الغرض المطلوب بها؛ ولذلك نقول: الرجل إذا أنفق ماله على جماعة من الأغنياء) إطعاما لهم وإغداقا عليهم (لا في معرض العبادة والصدقة ولكن ليعتقد الناس أنه سخي) كريم بذول (فهذه مراءاة ليست بحرام وكذلك أمثاله، وأما) الرياء (بالعبادات كالصدقة والصلاة والغزو والحج فالمرائي فيه حالتان:

إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الأجر، وهذا يبطل عبادته؛ لأن الأعمال بالنيات) والقصود (وهذا ليس بقصد العبادة، ثم لا يقتصر على إحباط عبادته؛ حتى نقول: صار كما كان قبل العبادة، بل يعصي بذلك ويأثم؛ لما دلت عليه الأخبار والآيات [ ص: 274 ] والمعني فيه أمران:

أحدهما: يتعلق بالعباد، وهو التلبيس والمكر؛ لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع لله، وأنه من أهل الدين، وليس كذلك، والتلبيس في أمر الدنيا حرام أيضا، حتى لو قضى دين جماعة، وخيل للناس أنه متبرع عليهم) أي: لوجه الله (ليعتقدوا سخاوته) وكرمه (أثم؛ لما فيه من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكر .

الثاني: يتعلق بالله، وهو أنه مهما قصد بعبادة الله الناس) وفي نسخة: الخلق (فهو مستهزئ بالله -عز وجل- ولذلك قال قتادة) بن دعامة البصري رحمه الله: (إذا راءى العبد) بعمله (قال الله تبارك وتعالى للملائكة: انظروا إلى عبدي كيف يستهزئ بي) كما تقدم قريبا .

(ومثاله) في الظاهر: (أن يتمثل) الرجل (بين يدي ملك من الملوك طول النهار) أي: يقف (كما جرت) به (عادة الخدمة) في وقوفهم (وإنما وقوفه لملاحظة جارية من جواري الملك، أو غلام من غلمانه، فإن هذا استهزاء بالملك؛ إذ لم يقصد التقرب إلى الملك بخدمته، بل قصد به عبدا من عبيده، فأي استحقار يزيد على أن يقصد العبد بطاعة الله مراعاة عبد ضعيف لا يملك ضرا ولا نفعا؟! وهل ذلك إلا أنه ظن أن ذلك العبد أقدر على تحصيل أغراضه من الله تعالى، وأنه أولى بالتقرب إليه من الله تعالى؛ إذ آثره) أي: اختاره (على ملك الملوك) جل جلاله (فجعله مقصود عبادته؟! وأي استهزاء يزيد على رفع العبد فوق المولى) السيد المالك؟! (فهذا من كبائر المهلكات؛ ولذلك سماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الشرك الأصغر) قال العراقي: رواه أحمد من حديث محمود بن لبيد، وقد تقدم .

ورواه الطبراني من رواية محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، فجعله من مسند رافع، وقد تقدم قريبا .

وللحاكم، وصحح إسناده، من حديث شداد بن أوس: "كنا نعد على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الرياء الشرك الأصغر". اهـ .

قلت: حديث شداد بن أوس هذا رواه كذلك ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن مردويه في التفسير، والبيهقي في الشعب، ولفظهم: "كنا نعد الرياء على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الشرك الأصغر".

وأما لفظ حديث محمود بن لبيد ورافع بن خديج: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" الحديث، وقد تقدم .

وأخرج ابن أبي شيبة من حديث محمود بن لبيد: "إياكم وشرك السرائر، قالوا: وما شرك السرائر؟ قال: أن يقوم أحدكم يريد صلاته جاهدا لينظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر".

ولابن مردويه من حديث أبي هريرة: "اتقوا الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء" الحديث .

ورواه أيضا كذلك الأصفهاني في الترغيب والترهيب .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث