الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان ترك الطاعات خوفا من الرياء ودخول الآفات

فإن قلت فبأي : علامة تعرف العالم والواعظ أنه صادق مخلص في وعظه غير مريد رياء الناس ؟ فاعلم أن لذلك علامات :

إحداها : أنه لو ظهر من هو أحسن منه وعظا أو أغزر ، منه علما ، والناس له أشد قبولا فرح به ولم يحسده نعم ، لا بأس بالغبطة وهو أن يتمنى لنفسه مثل علمه .

والأخرى : أن الأكابر إذا حضروا مجلسه لم يتغير كلامه ، بل بقي كما كان عليه فينظر إلى الخلق بعين واحدة .

والأخرى : أن لا يحب اتباع الناس له في الطريق ، والمشي خلفه في الأسواق .

ولذلك علامات كثيرة يطول إحصاؤها .

وقد روي عن سعيد بن أبي مروان قال : كنت جالسا إلى جنب الحسن إذ دخل علينا الحجاج من بعض أبواب المسجد ومعه الحرس وهو على برذون أصفر فدخل المسجد على برذونه فجعل يلتفت في المسجد فلم يرى حلقة أحفل من خلقه الحسن ، فتوجه نحوها حتى بلغ قريبا منها ، ثم ثنى وركه ، فنزل ، ومشى نحو الحسن ، فلما رآه الحسن متوجها إليه تجافى له عن ناحية مجلسه ، قال سعيد وتجافيت له أيضا عن ناحية مجلسي حتى صار بيني وبين الحسن فرجة ومجلس للحجاج ، فجاء الحجاج حتى جلس بيني وبينه ، والحسن يتكلم بكلام له يتكلم به في كل يوم ، فما قطع الحسن كلامه قال سعيد فقلت في نفسي : لأبلون الحسن اليوم ، ولأنظرن هل يحمل الحسن جلوس الحجاج إليه أن يزيد في كلامه يتقرب إليه أو يحمل الحسن هيبة الحجاج أن ينقص من كلامه ، فتكلم الحسن كلاما واحدا نحوا مما كان يتكلم به في كل يوم ، حتى انتهى إلى آخر كلامه فلما فرغ الحسن من كلامه ، وهو غير مكترث به رفع الحجاج يده فضرب بها على منكب الحسن ثم قال : صدق الشيخ وبر فعليكم بهذه المجالس وأشباهها فاتخذوها خلقا ، وعادة ؛ فإنه بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مجالس الذكر رياض الجنة .

ولولا ما حملناه من أمر الناس ما غلبتمونا على هذه المجالس ؛ لمعرفتنا بفضلها ، قال : ثم افتر الحجاج فتكلم حتى عجب الحسن ومن حضر من بلاغته ، فلما فرغ طفق فقام فجاء رجل من أهل الشام إلى مجلس الحسن حين قام الحجاج ، فقال : عباد الله المسلمين ألا تعجبون أني ! رجل شيخ كبير وأني ، أغزو فأكلف فرسا وبغلا ، وأكلف فسطاطا وأن ، لي ثلاثمائة درهم من العطاء وأن لي سبع بنات من العيال ، فشكا من حاله حتى رق الحسن له ولأصحابه والحسن مكب فلما فرغ الرجل من كلامه رفع الحسن رأسه فقال : ما لهم قاتلهم الله ، اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا ، وقتلوا الناس على الدينار والدرهم ، فإذا غزا عدو الله غزا في الفساطيط الهبابة وعلى البغال السباقة وإذا ، أغزى أخاه أغزاه طاويا راجلا فما فتر الحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده ، فقام رجل من أهل الشام كان جالسا إلى الحسن ، فسعى به إلى الحجاج وحكى له كلامه فلم يلبث الحسن أن أتته رسل الحجاج ، فقالوا : أجب الأمير ، فقام الحسن ، وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به فلم يلبث الحسن أن رجع إلى مجلسه وهو يبتسم ، وقلما رأيته فاغرا فاه يضحك ، إنما كان يتبسم ، فأقبل حتى قعد في مجلسه فعظم الأمانة وقال : إنما تجالسون بالأمانة كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدرهم ؛ إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل فنطمئن إلى جانبه ، ثم ينطلق فيسعى بنا إلى شرارة من نار إني أتيت هذا الرجل فقال : أقصر عليك من لسانك ، وقولك : إذا غزا عدو الله غزا كذا وكذا وإذا أغزى أخاه أغزاه كذا ، لا أبا لك ! تحرض علينا الناس ، أما إنا على ذلك نتهم نصيحتك ، فأقصر عليك من لسانك ، قال : فدفعه الله عني .

وركب الحسن حمارا يريد المنزل ، فبينما هو يسير إذا التفت فرأى قوما يتبعونه ، فوقف ، فقال : هل لكم من حاجة أو تسألون عن شيء ، وإلا فارجعوا فما يبقي هذا من قلب العبد ? فبهذه العلامات وأمثالها تتبين سريرة الباطن .

ومهما رأيت العلماء يتغايرون ويتحاسدون ولا يتوانسون ولا يتعاونون فاعلم أنهم قد اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فهم الخاسرون .

اللهم ارحمنا بلطفك يا أرحم الراحمين .

التالي السابق


(فإن قلت: وبأي علامة يعرف العالم الواعظ أنه صادق مخلص في وعظه غير مريد رياء الناس؟

فاعلم أن لذلك علامات:

إحداها: أنه لو ظهر) في بلده (من هو أحسن منه وعظا، وأغزر منه علما، والناس أشد له قبولا) وأكثر محبة (فرح به) باطنا وظاهرا (ولم يحسده) على ما أوتي [ ص: 322 ] من فضله وعلمه (نعم، لا بأس بالغبطة) فيه (وهو أن يتمنى لنفسه مثل عمله) من غير أن يزول منه ذلك .

(والأخرى: أن الأكابر) من أرباب الدنيا (إذا حضروا مجلسه لم يتغير كلامه، بل يبقى على ما كان عليه) في سوقه (فينظر إلى الخلق بعين واحدة) فمن نظر إليهم كذلك فهو بعينين، ومن نظر إليهم بعينين فهو بعين واحدة .

(والأخرى: أن لا يحب اتباع الناس له في الطريق، والمشي خلفه في الأسواق. ولذلك علامات كثيرة) غير ما ذكرناها ههنا (يطول إحصاؤها .

وقد روي عن سعيد بن أبي مروان) الأسلمي أخي عطاء بن أبي مروان، وأبو مروان كان كثير الصحبة لعمر، وقيل: له صحبة (قال: كنت جالسا إلى جنب الحسن إذ دخل علينا الحجاج) بن يوسف الثقفي، عامل لبني أمية (من بعض أبواب المسجد ومعه الحرس) أي: الجند والأعوان (وهو على برذون أصفر) والبرذون الحصان الرومي (فدخل المسجد) أي: ساحته (وهو على برذونه) أي: راكبا (فجعل يلتفت في المسجد يمينا وشمالا فلم ير حلقة أحفل) أي: أعظم وأكبر (من حلقة الحسن، فتوجه نحوها حتى بلغ قريبا منها، ثم ثنى وركه، فنزل، ومشى نحو الحسن، فلما رآه الحسن متوجها إليه تجافى له عن ناحية مجلسه، قال سعيد) الراوي: (وتجافيت له أيضا عن ناحية مجلسي حتى صار بيني وبين الحسن فرجة ومجلس للحجاج، فجاء الحجاج حتى جلس بيني وبينه، والحسن يتكلم بكلام له يتكلم به في كل يوم، فما قطع الحسن كلامه) لجلوس الحجاج (فقال سعيد) الراوي: (فقلت في نفسي: لأبلون الحسن اليوم، ولأنظرن هل يحمل الحسن جلوس الحجاج إليه أن يزيد في كلامه يتقرب إليه) بذلك (أو يحمل الحسن هيبة الحجاج أن ينقص من كلامه، فتكلم الحسن كلاما واحدا مما كان يتكلم به في كل يوم، حتى انتهى الحسن إلى آخر كلامه، فلما فرغ الحسن من كلامه وهو غير مكترث به رفع الحجاج يده فضرب بها على منكب الحسن ثم قال: صدق الشيخ وبر) أي: فيما قال (فعليكم بهذه المجالس وأشباهها، واتخذوها خلقا وعادة؛ فإنه بلغني عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن مجالس الذكر رياض الجنة) .

قد ورد معنى ذلك في أخبار، منها: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر" رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، وأبو يعلى وابن شاهين في الترغيب في الذكر، والبيهقي في الشعب من حديث أنس .

وفي لفظ قال: "مجلس العلم" رواه الطبراني من حديث ابن عباس .

وفي لفظ قال: "المساجد والرتع فيها قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال: غريب، وقد تقدم في كتاب الأذكار والدعوات .

(ولولا ما حملناه من أمر الناس ما غلبتمونا على هذه المجالس؛ لمعرفتنا بفضلها، قال: ثم افتر الحجاج) أي: فتح فمه (فتكلم حتى عجب الحسن ومن حضر) في مجلسه (من بلاغته، فلما فرغ) من كلامه (طفق فقام) من المجلس .

(فجاء رجل من أهل الشام إلى مجلس الحسن حيث قام الحجاج، فقال: عباد الله المسلمين ألا تعجبون! إني رجل شيخ كبير، وإني أغزو) أي: أومر بالغزو (فأكلف فرسا وبغلا، وأكلف فسطاطا، وإن لي ثلاثمائة درهم من العطاء) أي: في ديوان الجند (وعلي سبع بنات من العيال، فشكا من حاله حتى رق له الحسن وأصحابه) على ذلك (والحسن مكب) أي: خافض رأسه ليسمع ما يقول (فلما فرغ الرجل من كلامه رفع الحسن رأسه فقال: ما لهم قاتلهم الله، اتخذوا عباد الله خولا) أي: [ ص: 323 ] مستخدمين (ومال الله دولا يتناوبونه، وقتلوا الناس على الدينار والدرهم، فإذا غزا عدو الله غزا في الفساطيط الهبابة) أي: العالية المشرعة (وعلى البغال السباقة، فإذا أغزى أخاه أغزاه طاويا) أي: جائعا (راجلا) أي: على رجليه (فما فتر الحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده، فقام رجل من أهل الشام كان جالسا إلى الحسن، فسعى به إلى الحجاج) أي: نقل مجلسه ذلك (وحكى له كلامه فما لبث الحسن أن أتته رسل الحجاج، فقالوا: أجب الأمير، فقام الحسن، وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به) في حقهم (فلم يلبث الحسن أن رجع إلى مجلسه وهو يتبسم، وقلما رأيته فاغرا فاه) أي: فاتحا (يضحك، إنما كان يتبسم، فأقبل حتى قعد في مجلسه فعظم الأمانة) أي: أمرها (وقال: إنما تجالسون بالأمانة) رواه بهذا اللفظ العسكري من طريق هشام بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، رفعه .

وروى عبد الرزاق في جامعه، وابن المبارك في الزهد، والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مرفوعا ومرسلا: "إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله تعالى، فلا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره" ورواه ابن لال في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود.

وروى الديلمي من حديث أسامة بن زيد: "المجالس أمانة، فلا يحل لمؤمن أن يرفع على مؤمن قبيحا".

(كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدراهم؛ إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل فنطمئن إلى ناحيته، ثم ينطلق فيسعى بنا إلى شرارة من نار) .

وروى العسكري، عن ابن عباس في تأويل قوله: "إنما تجالسون بالأمانة" قال: أراد صلى الله عليه وسلم أن الرجل يجلس إلى القوم، فيخوضون في الحديث، ولعل فيه ما إن نمي كان فيه ما يكرهون، فيأمنونه على أسرارهم .

وروي من طريق مسلم بن جنادة، حدثنا أبو أسامة، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أنس مرفوعا: "ألا ومن الأمانة أو ألا من الخيانة أن يحدث الرجل أخاه بالحديث، فيقول: اكتمه، فيفشيه".

(إني أتيت هذا الرجل -يعني الحجاج- فقال: أقصر عليك من لسانك، وقولك: إذا غزا عدو الله غزا كذا فإذا أغزى أخاه أغزاه كذا، لا أبا لك! تحرض علينا الناس، أما إنا على ذلك لا نتهم نصيحتك، فأقصر عليك من لسانك، قال: فدفعه الله عني .

وركب الحسن حمارا يريد المنزل، فبينما هو يسير إذ التفت فرأى قوما يتبعونه، فوقف، فقال: هل لكم من حاجة أو تسألون عن شيء، وإلا فارجعوا) أي: فإن ذلك فتنة على المتبوع ومذلة للتابع (فما يبقي هذا من قلب العبد؟ فبهذه العلامات وأمثالها تتبين سريرة الباطن .

ومهما رأيت العلماء يتغايرون ويتحاسدون) مع بعضهم (ولا يتوانسون ولا يتعاونون) في الحق (فاعلم أنهم) علماء سوء (قد اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فهم الخاسرون) في صفقتهم، الخائبون في حركتهم. والله الموفق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث