الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان سبب كون الجاه محبوبا بالطبع

بيان سبب كون الجاه محبوبا بالطبع حتى لا يخلو عنه قلب إلا بشديد .

المجاهدة .

اعلم أن السبب الذي يقتضي كون الذهب والفضة وسائر أنواع الأموال محبوبا هو بعينه يقتضي كون الجاه محبوبا ، بل يقتضي أن يكون أحب من المال ، كما يقتضي أن يكون الذهب أحب من الفضة مهما تساويا في المقدار ، وهو أنك تعلم أن الدراهم والدنانير لا غرض في أعيانهما إذ لا تصلح لمطعم ولا مشرب ولا منكح ولا ملبس ، وإنما هي والحصباء بمثابة واحدة ولكنهما محبوبان لأنهما ؛ وسيلة إلى جميع المحاب ، وذريعة إلى قضاء الشهوات ، فكذلك الجاه ؛ لأن معنى الجاه ملك القلوب ، وكما أن ملك الذهب والفضة يفيد قدرة يتوصل الإنسان بها إلى سائر أغراضه فكذلك ملك القلوب من الأحرار والقدرة على استسخارها يفيد قدرة على التوصل إلى جميع الأغراض ، فالاشتراك في السبب اقتضى الاشتراك في المحبة ، وترجيح الجاه على المال اقتضى أن يكون الجاه أحب من المال ولملك الجاه . ترجيح على ملك المال من ثلاثة أوجه :

الأول : أن التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه ، فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه في القلوب لو قصد اكتساب المال تيسر له فإن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال ، وأما الرجل الخسيس الذي لا يتصف بصفة كمال إذا وجد كنزا ، ولم يكن له جاه يحفظ ماله ، وأراد أن يتوصل بالمال إلى الجاه لم يتيسر له ، فإذا : الجاه آلة ووسيلة إلى المال ، فمن ملك الجاه فقد ملك المال ، ومن ملك المال لم يملك الجاه بكل حال ؛ فلذلك صار الجاه أحب .

الثاني : هو أن المال معرض للبلوى والتلف بأن يسرق ويغصب ويطمع فيه الملوك والظلمة ويحتاج فيه إلى الحفظة والحراس والخزائن ويتطرق إليه أخطار كثيرة وأما القلوب إذا ملكت فلا تتعرض لهذه الآفات ؛ فهي على التحقيق خزائن عتيدة لا يقدر عليها السراق ، ولا تتناولها أيدي النهاب والغصاب وأثبت الأموال العقار ولا يؤمن فيه الغصب والظلم ولا يستغني عن المراقبة والحفظ ، وأما خزائن القلوب فهي محفوظة محروسة بأنفسها وذو الجاه في أمن وأمان من الغصب والسرقة فيها .

نعم إنما تغصب القلوب بالتصريف وتقبيح الحال ، وتغيير الاعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال ، وذلك مما يهون دفعه ، ولا يتيسر على محاولة فعله .

الثالث : أن ملك القلوب يسري وينمى ويتزايد من غير حاجة إلى تعب ومقاساة فإن القلوب إذا أذعنت لشخص ، واعتقدت كماله بعلم أو عمل أو غيره أفصحت الألسنة لا محالة بما فيها ، فيصف ما يعتقده لغيره ، ويقتنص ذلك القلب أيضا له ولهذا المعنى يحب الطبع الصيت وانتشار الذكر .

لأن ذلك إذا استطار في الأقطار اقتنص القلوب ، ودعاها إلى الإذعان والتعظيم ، فلا يزال يسري من واحد إلى واحد ويتزايد ، وليس له مرد معين وأما المال فمن ملك منه شيئا فهو مالكه ، ولا يقدر على استنمائه إلا بتعب ومقاساة والجاه أبدا في النماء بنفسه ، ولا مرد لموقعه ، والمال واقف ، ولهذا إذا عظم الجاه ، وانتشر الصيت ، وانطلقت الألسنة بالثناء استحقرت الأموال في مقابلته . فهذه مجامع ترجيحات الجاه على المال .

وإذا فصلت كثرت وجوه الترجيح .

فإن قلت : فالإشكال قائم في المال والجاه جميعا ، فلا ينبغي أن يحب الإنسان المال والجاه .

نعم ، القدر الذي يتوصل به إلى جلب الملاذ ودفع المضار معلوم ، كالمحتاج إلى الملبس والمسكن والمطعم أو كالمبتلى بمرض أو بعقوبة إذا كان لا يتوصل إلى دفع العقوبة عن نفسه إلا بمال أو جاه ، فحبه للمال والجاه معلوم ؛ إذ كل ما لا يتوصل إلى المحبوب إلا به فهو محبوب ، وفي الطباع أمر عجيب وراء هذا وهو حب جمع الأموال وكنز الكنوز وادخار الذخائر ، واستكثار الخزائن وراء جميع الحاجات ، حتى لو كان للعبد واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا .

التالي السابق


(بيان سبب كون الجاه محبوبا بالطبع حتى لا يخلو عنه قلب إلا بشديد المجاهدة) *

(اعلم) أرشدك الله تعالى (أن السبب الذي يقتضي كون الذهب والفضة وسائر أنواع المال محبوبا هو بعينه يقتضي كون الجاه محبوبا، بل يقتضي أن يكون أحب من المال، كما يقتضي أن يكون الذهب أحب من الفضة مهما تساويا في المقدار، وهو أنك تعلم أن الدراهم والدنانير لا غرض في أعيانهما) أي: ذواتهما (إذ لا تصلح) أبدا (لمطعم ولا مشرب ولا منكح ولا ملبس، وإنما هي والحصى) المرمي في الطرق (بمثابة واحدة) أي: بمنزلة واحدة (ولكنها محبوبة؛ لأنها وسيلة إلى جميع المحاب، وذريعة إلى قضاء الشهوات، فكذلك الجاه؛ لأن معنى الجاه ملك القلوب، وكما أن ملك الذهب والفضة يفيد قدرة يتوصل الإنسان بها إلى سائر أغراضه) ومهماته (فكذلك ملك قلوب الأحرار والقدرة على استسخارها يفيد قدرة على التوصل إلى جميع الأغراض، فالاشتراك في السبب اقتضى الاشتراك في المحبة، وترجيح الجاه على المال اقتضى أن يكون الجاه أحب من المال .

ولمالك القلوب ترجيح على مالك المال من ثلاثة أوجه:

الأول: أن التوصل بالجاه إلى المال أيسر) وأسهل (من التوصل بالمال إلى الجاه، فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه في القلوب) وصار معتقدا (لو قصد اكتساب المال يتيسر له) بأهون سبب (فإن أحوال أرباب القلوب مسخرة للقلوب ومبذولة) أي: مصروفة (لمن اعتقدت فيه الكمال، وأما الرجل الخسيس الذي لا يتصف بصفة كمال إذا) كثر ماله باكتساب، أو إرث، أو (وجد كنزا، ولم يكن له جاه يحفظ ماله، وأراد أن يتوصل بالمال إلى الجاه لم يتيسر له، فإذا: الجاه آلة ووسيلة للمال، فمن ملك الجاه فقد ملك المال، ومن ملك المال لم يملك الجاه بكل حال؛ فلذلك صار الجاه أحب) ولذلك أوصى الحكماء باتخاذ الجاه دون المال .

(الثاني: هو أن المال معرض للبلوى والتلف بأن يسرق) وينتهب (ويغصب) ويختلس (ويطمع فيه الملوك والظلمة) المتسلطون (وتحتاج فيه إلى الحفظة والحراس) يحفظونه ويحرسونه من السراق (و) يحتاج فيه أيضا إلى (الخزائن) والصناديق (وتتطرق إليه أخطار كثيرة) ومصائب جمة .

(وأما القلوب إذا ملكت لم تتعرض لهذه الآفات؛ فهي على التحقيق خزائن عتيدة) محفوظة (لا يقدر عليها السراق، ولا يتناولها أيدي الغصاب) والظلمة الجائرين (وأثبت الأموال العقار ولا يؤمن فيه الغصب والظلم) [ ص: 241 ] كما هو مشاهد (ولا يستغني عن المراقبة والحفظ، وأما خزائن القلوب فهي محفوظة محروسة بأنفسها) لا تحتاج إلى المراقبة .

(وذو الجاه في أمن وأمان من الغصب والسرقة فيها، نعم إنما تغصب القلوب بالتصريف) أي: بالإفساد (وتقبيح الحال، وتغيير الاعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال، وذلك مما يهون دفعه، ولا يتيسر على محاولة فعله .

الثالث: أن ملك القلوب يسري وينمو ويتزايد من غير حاجة إلى تعب) ومشقة (ومقاساة) أهوال (فإن القلوب إذا أذعنت لشخص، واعتقدت كماله بعلم أو عمل أو غيره أفصحت الألسنة لا محالة بما فيها، فيصف ما يعتقده لغيره، ويقتنص ذلك القلب أيضا له) وهذا معنى السريان .

(ولهذا المعنى يحب الطبع الصيت) والشهرة (وانتشار الذكر؛ لأن ذلك إذا استطار في الأقطار) وانتشر في الآفاق (اقتنص القلوب، ودعاها إلى الإذعان والتعظيم، فلا يزال يسري من واحد إلى واحد ويتزايد، وليس له فرد معين) يقف عليه .

(وأما المال فمن ملك منه شيئا فهو مالكه فقط، ولا يقدر على استنمائه) أي: ازدياده (إلا بتعب) شديد (ومقاساة) خطوب (والجاه أبدأ في النماء بنفسه، ولا مرد لموقعه، والمال واقف، ولهذا إذا عظم الجاه، وانتشر الصيت، وانطلقت الألسنة بالثناء) والذكر الجميل (استحقرت الأموال في مقابلته .

فهذه مجامع ترجيحات الجاه على المال، وإذا فصلت كثرة وجوه الترجيح فإن قلت: فالإشكال قائم في الجاه والمال جميعا، فلا ينبغي أن يحب الإنسان المال والجاه، نعم، القدر الذي يتوصل به إلى جلب الملاذ ودفع المضار معلوم، كالمحتاج إلى المطعم والملبس والمسكن) فهذا القدر لا يستغنى عنه (أو كالمبتلى بمرض أو بعقوبة إذا كان لا يتوصل إلى دفع العقوبة من نفسه إلا بمال أو جاه، فحبه للمال والجاه معلوم؛ إذ كل ما لا يتوصل إلى المحبوب إلا به فهو محبوب، وفي الطباع أمر عجيب وراء هذا وهو حب جمع المال وكثرة الكنوز) ودفن الدفائن (وادخار الذخائر، واستكثار الخزائن وراء جمع الحاجات، حتى لو كان له واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا) كما ورد ذلك في الخبر، وتقدم ذكره قريبا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث