الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان دواء الرياء وطريق معالجة القلب فيه

بيان دواء الرياء وطريق معالجة القلب فيه .

قد عرفت مما سبق أن الرياء محبط للأعمال ، وسبب للمقت عند الله تعالى ، وأنه من كبائر المهلكات ، وما هذا وصفه فجدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته ولو بالمجاهدة وتحمل المشاق فلا شفاء إلا في شرب الأدوية المرة البشعة وهذه مجاهدة يضطر إليها العباد كلهم ؛ إذ الصبي يخلق ضعيف العقل والتمييز ، ممتد العين إلى الخلق ، كثير الطمع فيهم ، فيرى الناس يتصنع بعضهم لبعض فيغلب عليه حب التصنع بالضرورة ، ويرسخ ذلك في نفسه وإنما يشعر بكونه مهلكا بعد كمال عقله وقد انغرس الرياء في قلبه ، وترسخ فيه ، فلا يقدر على قمعه إلا بمجاهدة شديدة ومكابدة لقوة الشهوات .

فلا ينفك أحد عن الحاجة إلى هذه المجاهدة ، ولكنها تشق أولا وتخف آخرا وفي علاجه مقامان :

أحدهما قلع : عروقه وأصوله التي منها انشعابه .

والثاني : دفع ما يخطر منه في الحال .

المقام الأول : في قلع عروقه واستئصال أصوله وأصله حب المنزلة والجاه .

وإذا فصل رجع إلى ثلاثة أصول وهي ، لذة المحمدة ، والفرار من ألم الذم ، والطمع فيما في أيدي الناس .

ويشهد للرياء بهذه الأسباب وأنها الباعثة للمرائي ما روى أبو موسى أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، الرجل يقاتل حمية ، ومعناه أنه يأنف أن يقهر ، أو يذم بأنه مقهور مغلوب وقال ، والرجل يقاتل ليرى مكانه وهذا هو طلب لذة الجاه والقدر في القلوب ، والرجل يقاتل للذكر ، وهذا هو الحمد باللسان ، فقال صلى الله عليه وسلم : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله وقال ابن مسعود « إذا التقى الصفان نزلت الملائكة فكتبوا الناس على مراتبهم : فلان يقاتل للذكر ، وفلان يقاتل للملك والقتال للملك » إشارة إلى الطمع في الدنيا .

وقال عمر رضي الله عنه يقولون : فلان شهيد ، ولعله يكون قد ملأ دفتي راحلته ورقا .

وقال صلى الله عليه وسلم : « من غزا لا يبغي إلا عقالا فله ما نوى .

» فهذا إشارة إلى الطمع .

وقد لا يشتهي الحمد ، ولا يطمع فيه ، ولكن يحذر من ألم الذم كالبخيل ، بين الأسخياء وهم يتصدقون بالمال الكثير فإنه يتصدق بالقليل كي لا ؛ يبخل ، وهو ليس يطمع في الحمد ، وقد سبقه غيره ، وكالجبان بين الشجعان ، لا يفر من الزحف ؛ خوفا من الذم ، وهو لا يطمع في الحمد ، وقد هجم غيره على صف القتال .

ولكن إذا أيس من الحمد كره الذم ، وكالرجل بين قوم يصلون جميع الليل ، فيصلي ركعات معدودة حتى لا ؛ يذم بالكسل ، وهو لا يطمع في الحمد .

وقد يقدر الإنسان على الصبر عن لذة الحمد ولا يقدر على الصبر على ألم الذم ؛ ولذلك قد يترك السؤال عن علم هو محتاج إليه ؛ خيفة من أن يذم بالجهل ويفتي ، بغير علم ويدعي ، العلم بالحديث وهو به جاهل كل ذلك حذرا من الذم .

فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرك المرائي إلى الرياء ، وعلاجه ما ذكرناه في الشطر الأول من الكتاب على الجملة .

ولكنا نذكر الآن ما يخص الرياء وليس يخفى أن الإنسان إنما يقصد الشيء ويرغب فيه ؛ لظنه أنه خير له ، ونافع ولذيذ ، إما في الحال وإما في المآل ، فإن علم أنه لذيذ في الحال ولكنه ضار في المآل سهل عليه قطع الرغبة عنه ، كمن يعلم أن العسل لذيذ ولكن إذا بان له أن فيه سما أعرض عنه فكذلك طريق قطع هذه الرغبة أن يعلم ما فيه من المضرة .

ومهما عرف العبد مضرة الرياء ، وما يفوته من صلاح قلبه ، وما يحرم عنه في الحال من التوفيق ، وفي الآخرة من المنزلة عند الله ، وما يتعرض له من العقاب العظيم ، والمقت الشديد والخزي الظاهر ؛ حيث ينادى على رؤوس الخلائق يا فاجر ، يا غادر ، يا مرائي أما استحييت إذا اشتريت بطاعة الله عرض الدنيا ، وراقبت قلوب العباد ، واستهزأت بطاعة الله ، وتحببت إلى العباد بالتبغض إلى الله ، وتزينت لهم بالشين عند الله ، وتقربت إليهم بالبعد من الله ، وتحمدت إليهم بالتذمم عند الله ، وطلبت رضاهم بالتعرض لسخط الله ، أما كان أحد أهون عليك من الله ؟! فمهما تفكر العبد في هذا الخزي ، وقابل ما يحصل له من العباد والتزين ، لهم في الدنيا بما يفوته في الآخرة وبما ، يحبط عليه من ثواب الأعمال ، مع أن العمل الواحد ربما كان يترجح به ميزان حسناته لو خلص ، فإذا فسد بالرياء حول إلى كفة السيئات فترجح ، به ويهوي ، إلى النار ، فلو لم يكن في الرياء إلا إحباط عبادة واحدة لكان ذلك كافيا في معرفة ضرره ، وإن كان مع ذلك سائر حسناته راجحة فقد كان ينال بهذه الحسنة علو الرتبة عند الله في زمرة النبيين والصديقين ، وقد حط عنهم بسبب الرياء ورد إلى صف النعال من مراتب الأولياء ، هذا مع ما يتعرض له في الدنيا من تشتت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق ؛ فإن رضا الناس غاية لا تدرك فكل ما يرضى به فريق يسخط به فريق ورضا بعضهم في سخط بعضهم ، ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليه ، وأسخطهم أيضا عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث