الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          [ ص: 115 ] المسألة الثانية

          اتفق العقلاء على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد [1] من جهة واحدة ; لتقابل حديهما كما سبق تعريفه إلا على رأي من يجوز التكليف بالمحال .

          وإنما الخلاف في أنه هل يجوز انقسام النوع الواحد من الأفعال إلى واجب وحرام كالسجود لله تعالى والسجود للصنم ، وأن يكون الفعل الواحد بالشخص واجبا حراما من جهتين كوجوب الفعل المعين الواقع في الدار المغصوبة من حيث هو صلاة ، وتحريمه من حيث هو غصب شاغل لملك الغير .

          فذلك مما جوزه أصحابنا مطلقا وأكثر الفقهاء ، وخالف في الصورة الأولى بعض المعتزلة وقالوا : السجود نوع واحد وهو مأمور به لله تعالى ، فلا يكون حراما ولا منهيا بالنسبة إلى الصنم من حيث هو سجود ، وإلا كان الشيء الواحد مأمورا منهيا وذلك محال ، وإنما المحرم المنهي قصد تعظيم الصنم ، وهو غير السجود .

          وخالف في الصورة الثانية الجبائي وابنه وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر والزيدية .

          وقيل : إنه رواية عن مالك ، وقالوا : الصلاة في الدار المغصوبة غير واجبة ولا صحيحة ، ولا يسقط بها الفرض ولا عندها . ووافقهم على ذلك القاضي أبو بكر إلا في سقوط الفرض ، فإنه قال : يسقط الفرض عندها لا بها مصيرا منهم إلى أن الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل المكلف لا بما ليس من فعله ، والأفعال الموجودة من المصلي في الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه ، وهو عاص بها مأثوم بفعلها ، وليس له من الأفعال غير ما صدر عنه ، فلا يتصور أن تكون طاعة ولا [2] مثابا عليها ، ولا متقربا بها ، مع أن التقرب شرط في صحة الصلاة .

          والحق في ذلك ما قاله الأصحاب .

          [ ص: 116 ] أما في الصورة الأولى فلضرورة التغاير بالشخصية بين السجود لله تعالى والسجود للصنم ، ولا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر ، ولا من الوجوب الوجوب .

          وما قيل من أن السجود مأمور به لله تعالى ، فإن أريد به السجود من حيث هو كذلك ، فهو غير مسلم ، بل السجود المقيد بقصد تعظيم الرب تعالى دون ما قصد به تعظيم الصنم ; ولهذا قال الله تعالى : ( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله ) ولو كان كما ذكروه لكان عين المأمور به منهيا عنه ، وهو محال .

          وأما القمر في الصورة الثانية ، فلضرورة تغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف جهتيه من الغصب والصلاة ; وذلك لأن التغاير بين الشيئين كما أنه قد يقع بتعدد النوع تارة كالإنسان والفرس ، وبتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو . فقد يقع التغاير مع اتحاد الموضوع المحكوم عليه شخصيا بسبب اختلاف صفاته ، بأن يكون المحكوم عليه بأحد الحكمين المتقابلين هو الهيئة الاجتماعية من ذاته وإحدى صفتيه ، والمحكوم عليه بالحكم الآخر بالهيئة الاجتماعية والصفة الأخرى [3] كالحكم على زيد بكونه مذموما لفسقه ومشكورا لكرمه ، وذلك مما لا يتحقق معه التقابل بين الحكمين والمنع منهما .

          وقولهم : إن الفعل الموجود منه في الدار المغصوبة متحد وهو حرام ، فلا يكون واجبا .

          قلنا : المحكوم عليه بالحرمة ذات الفعل من حيث هو فعل ، أو من جهة كونه غصبا . الأول غير مسلم ، والثاني فلا يلزم منه امتناع الحكم عليه بالوجوب من جهة كونه صلاة ضرورة [4] الاختلاف كما سبق .

          [5] فإن قيل : متعلق الوجوب إما أن يكون هو متعلق الحرمة ، أو هو مغاير له . والأول يلزم منه التكليف بما لا يطاق ، والخصم لا يقول بذلك فيما نحن فيه ، سواء قيل بإحالته أو بجوازه . والثاني إما أن يكون متعلق الوجوب والتحريم [ ص: 117 ] متلازمين أو غير متلازمين ، لا جائز أن يقال بالثاني فإن الغصب والصلاة وإن انفك أحدهما عن الآخر في غير مسألة النزاع ، فهما متلازمان في مسألة النزاع . فلم يبق غير التلازم ، وعند ذلك فالواجب متوقف على فعل المحرم ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فالمحرم الذي ذكرتموه يكون واجبا ، وهو تكليف بما لا يطاق . وأيضا فإن الحركات المخصوصة في الصلاة والسكنات داخلة في مفهومها ، والحركات والسكنات تشغل الحيز ; إذ الحركة عبارة عن شغل الجوهر للحيز بعد أن كان في غيره ، والسكون شغل الجوهر للحيز أكثر من زمان واحد ، فشغل الحيز داخل في مفهوم الحركة والسكون الداخلين في مفهوم الصلاة ، فكان داخلا في مفهوم الصلاة ; لأن جزء الجزء جزء ، وشغل الحيز فيما نحن فيه حرام ، فالصلاة التي جزءها حرام لا تكون واجبة ; لأن وجوبها إما أن يستلزم إيجاب جميع أجزائها أو لا يستلزم . والأول يلزم منه إيجاب ما كان من أجزائها محرما ، وهو تكليف بما لا يطاق . والثاني يلزم منه أن يكون الواجب بعض أجزاء الصلاة لا نفس الصلاة ; لأن مفهوم الجزء مغاير لمفهوم الكل وذلك محال .

          قلنا : أما الإشكال الأول فيلزم عليه ما لو قال السيد لعبده : أوجبت عليك خياطة هذا الثوب وحرمت عليك السكن في هذا الدار ، فإن فعلت هذا أثبتك وإن فعلت هذا عاقبتك . فإنه إذا سكن الدار وخاط الثوب فإنه يصح أن يقال : فعل الواجب والمحرم ، ويحسن من السيد ثوابه له على الطاعة وعقابه له على المعصية إجماعا . وعند ذلك فكل ما أوردوه من التقسيم فهو بعينه وارد هاهنا ; وذلك أن يقال : متعلق الوجوب إن كان هو متعلق الحرمة فهو تكليف بما لا يطاق ، وليس كذلك فيما فرض من الصورة ، وإن تغايرا فهما في الصورة المفروضة متلازمان ، وإن جاز انفكاكهما حسبما قيل في الصلاة في الدار المغصوبة . فالواجب متوقف على المحرم ، فيلزم أن يكون واجبا لا محرما لما قيل . وقد قيل بالجمع بين الواجب والمحرم فيها ، فما هو الجواب في هذه الصورة هو الجواب في صورة محل النزاع . على هذا فقد اندفع الإشكال الثاني أيضا من حيث إن شغل الحيز داخل في مفهوم الحركات المخصوصة الداخلة في مفهوم الخياطة ، وشغل الحيز [ ص: 118 ] بالسكن محرم على ما قيل في صورة محل النزاع من غير فرق ، والجواب يكون مشتركا . كيف وإن إجماع سلف الأمة وهلم جرا منعقد على الكف عن أمر الظلمة بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة مع كثرة وقوع ذلك منهم ، ولو لم تكن صحيحة مع وجوبها عليهم لبقي الوجوب مستمرا وامتنع على الأمة عدم الإنكار عادة ، وهو لازم على المعتزلة وأحمد بن حنبل حيث اعترفوا ببقاء الفرض وعدم سقوطه .

          وأما القاضي أبو بكر فإنه قال : إن الفرض يسقط عندها لا بها جمعا بين الإجماع على عدم النكير على ترك القضاء وبين ما ظنه دليلا على امتناع صحة الصلاة ، وقد بينا إبطال مستنده .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية