الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          الأصل الثالث

          في المحكوم فيه وهو الأفعال المكلف بها وفيه خمس مسائل :

          المسألة الأولى

          [1] اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا يطاق نفيا وإثباتا ، وذلك كالجمع بين الضدين وقلب الأجناس [2] وإيجاد القديم وإعدامه ونحوه ، وميله في أكثر أقواله إلى الجواز [3] وهو لازم على أصله في اعتقاد وجوب مقارنة [ ص: 134 ] القدرة الحادثة للمقدور بها مع تقدم التكليف بالفعل على الفعل [4] ، وأن القدرة غير مؤثرة في مقدورها ، بل مقدورها مخلوق لله تعالى .

          ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير حالة عدم القدرة عليه تكليف بما لا يطاق

          [5] ، وهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد حيث قالوا بجواز تكليف العبد بفعل في وقت علم الله تعالى أنه يكون ممنوعا عنه .

          والبكرية [6] حيث زعموا أن الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الإيمان مع التكليف به .

          غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا ، ووافقه على القول بالنفي بعض الأصحاب وهو مذهب البصريين من المعتزلة وأكثر البغداديين .

          وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا ، وعلى وقوعه شرعا كالتكليف بالإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل خلافا لبعض الثنوية .

          والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته [7] كالجمع بين الضدين ونحوه ، وجوازه في المستحيل باعتبار غيره ، وإليه ميل الغزالي ، رحمه الله .

          [ ص: 135 ] ولنفرض الكلام في الطرفين : أما الطرف الأول وهو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته ، فيدل عليه أن التكليف طلب ما فيه كلفة ، والطلب يستدعي مطلوبا متصورا في نفس الطالب ، فإن طلب ما لا تصور له في النفس محال ، والمستحيل لذاته ، كالجمع بين الضدين والنفي والإثبات معا في شيء واحد ونحوه ، لا تصور له في النفس . ولو تصور في النفس لما كان وقوعه في الخارج ممتنعا لذاته ، وكما يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين في طرف الوجود فكذلك يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين في طرف السلب ، إذا لم يكن بينهما واسطة كالتكليف بسلب الحركة والسكون معا في شيء واحد ; لاستحالة ذلك لذاتيهما ، وعلى هذا فمن توسط مزرعة مغصوبة فلا يقال له : لا تمكث ولا تخرج [8] ، كما ذهب إليه أبو هاشم . وإن كان في كل واحد من المكث والخروج إفساد زرع الغير ، بل يتعين التكليف بالخروج لما فيه من تقليل الضرر وتكثيره في المكث ، كما يكلف المولج في الفرج الحرام بالنزع وإن كان به ماسا للفرج المحرم ; لأن ارتكاب أدنى الضررين يصير واجبا نظرا إلى رفع أعلاهما ، كإيجاب شرب الخمر على من غص بلقمة ونحوه . ووجوب الضمان عليه بما يفسده عند الخروج لا يدل على حرمة الخروج ، كما يجب الضمان على المضطر في المخمصة بما يتلفه بالأكل وإن كان الأكل واجبا ، وإن قدر انتفاء الترجيح بين الطرفين ، وذلك كما إذا سقط إنسان من شاهق على صدر صبي محفوف بصبيان وهو يعلم أنه إن استمر قتل من تحته وإن انتقل قتل من يليه ، فيمكن أن يقال بالتخيير بينهما ، أو يخلو مثل هذه الواقعة عن حكم الشارع [9] ، وهو أولى من تكليفه طلب ما لا تصور له في نفس الطالب على ما حققناه .

          وهذا بخلاف ما إذا كان محالا باعتبار غيره فإنه يكون ممكنا باعتبار ذاته ، فكان متصورا في نفس الطالب وهو واضح لا غبار عليه .

          [ ص: 136 ] فإن قيل : ما ذكرتموه من إحالة طلب الجمع بين الضدين بناء على عدم تصوره في نفس الطالب غير صحيح ، وذلك لأنه لو لم يكن متصورا في نفس الطالب لما علم إحالته ، فإن العلم بصفة الشيء فرع تصور ذلك الشيء واللازم ممتنع ، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه إلا أنه معارض بما يدل على جواز التكليف بالجمع بين الضدين ووقوعه شرعا ، وبيانه قوله تعالى لنوح : ( أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) أخبر أنه لا يؤمن غير [10] من لم يؤمن مع أنهم كانوا مكلفين بتصديقه فيما يخبر به ، ومن ضرورة ذلك تكليفهم بأن لا يصدقوه تصديقا [11] له في خبره أنهم لا يؤمنون .

          وأيضا فإن الله تعالى كلف أبا لهب بتصديق النبي عليه السلام في أخباره . ومن أخبار النبي عليه السلام أن أبا لهب لا يصدقه لإخبار الله تعالى لنبيه بذلك ، فقد كلفه بتصديقه في إخباره بعدم تصديقه له وفي ذلك تكليفه بتصديقه وعدم تصديقه ، وهو تكليف بالجمع بين الضدين .

          قلنا : أما الإشكال الأول فمندفع ، وذلك لأن الجمع المعلوم المتصور المحكوم بنفيه عن الضدين إنما هو الجمع المعلوم بين المختلفات التي ليست متضادة ، ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما ، وهو دقيق فليتأمل .

          وما ذكروه من المعارضة ، فلا نسلم وجود الإخبار بعدم الإيمان في الآيتين مطلقا .

          أما في قصة أبي لهب فغاية ما ورد فيه قوله تعالى : ( سيصلى نارا ذات لهب ) وليس في ذلك ما يدل على الإخبار بعدم تصديقه للنبي مطلقا ، فإنه لا يمتنع تعذيب المؤمن ، وبتقدير امتناع ذلك أمكن حمل قوله تعالى : ( سيصلى نارا ذات لهب ) على تقدير عدم إيمانه .

          وكذلك التأويل في قوله تعالى : ( أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) أي بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك ، وذلك لا يدل على الإخبار بعدم الإيمان مطلقا ، وإن سلمنا ذلك ، ولكن لا نسلم أنهم كلفوا بتصديق النبي عليه السلام فيما أخبر من عدم تصديقهم بتكذيبه ، وهذا مما اتفق عليه نفاة التكليف بالجمع بين الضدين .

          [ ص: 137 ] وأما الطرف الثاني : وهو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره ، فقد احتج الأصحاب عليه بالنص والمعقول .

          أما النص فقوله تعالى : ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) سألوا دفع التكليف بما لا يطاق ، ولو كان ذلك ممتنعا لكان مندفعا بنفسه ، ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة .

          فإن قيل : إنما يمكن حمل الآية على سؤال دفع ما لا يطاق ، أن لو كان ذلك ممكنا وإلا لتعذر السؤال بدفع ما لا إمكان لوقوعه ، كما ذكرتموه ، وإمكانه متوقف على كون الآية ظاهرة فيه فيكون دورا .

          سلمنا كونها ظاهرة فيما ذكرتموه ، ولكن أمكن تأويلها بالحمل على سؤال دفع ما فيه مشقة على النفس ، وإن كان مما يطاق ويجب الحمل عليه لموافقته لما سنذكره من الدليل بعد هذا .

          سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق لكنه حكاية حال الداعين ، ولا حجة فيه .

          سلمنا صحة الاحتجاج بقول الداعين ، لكن لا يخلو إما أن يقال بأن جميع التكاليف غير مطاقة ، أو البعض دون البعض ، الأول يوجب إبطال فائدة تخصيصهم بذكر ما لا يطاق ، بل كان الواجب أن يقال : لا يكلفنا ، وإن كان الثاني فهو خلاف أصلكم .

          سلمنا دلالة ما ذكرتموه ، لكنه معارض بقوله تعالى : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) وهو صريح في الباب ، وقوله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق .

          والجواب عن السؤال الأول : أن الآية بوضعها ظاهرة فيما لا يطاق فيجب تقدير إمكان التكليف به ضرورة حمل الآية على ما هي ظاهرة فيه ، حذرا من التأويل من غير دليل .

          وعن الثاني : أنه ترك الظاهر من غير دليل .

          [12] [ ص: 138 ] وعن الثالث : أن الآية إنما وردت في معرض التقرير لهم والحث على مثل هذه الدعوات ، فكان الاحتجاج بذلك لا بقولهم .

          وعن الرابع : أنه وإن كان كل تكليف عندنا تكليفا بما لا يطاق [13] ، غير أنه يجب تنزيل السؤال على ما لا يطاق ، وهو ما يتعذر الإتيان به مطلقا في عرفهم دون ما لا يتعذر لما فيه من إجراء اللفظ على حقيقته ، وموافقة أهل العرف في عرفهم غايته إخراج ما لا يطاق مما هو مستحيل في نفسه لذاته من عموم الآية ; لما ذكرنا من استحالة التكليف به وامتناع سؤال الدفع للتكليف بما لا تكليف به ، ولا يخفى أنه تخصيص والتخصيص أولى من التأويل .

          وعن المعارضة بالآيتين أن غايتهما الدلالة على نفي وقوع التكليف بما لا يطاق ، ولا يلزم من ذلك نفي الجواز المدلول عليه من جانبنا ، كيف وإن الترجيح لما ذكرناه من الآية لاعتضادها بالدليل العقلي على ما يأتي [14] ، ومع ذلك فلا خروج لها عن الظن والتخمين .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية