الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
حدثنا عبد الله، ثنا [ ص: 104 ] الليث، حدثني عقيل، ويونس، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عتبة، أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا بكتاب إلى كسرى، فأمره أن يدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى خرقه، فحسبت أن سعيد بن المسيب قال: "فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق".

حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب بهذا.

حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله أن ابن عباس رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى، نحوه.

حدثنا يعقوب بن حميد، ثنا إبراهيم، عن صبيح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، أن ابن عباس رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث كتابا إلى كسرى نحوه.

قال أبو عبد الله: ورواه ابن أخي ابن شهاب نحوه. قال الإمام أبو عبد الله رحمة الله عليه: فإن احتج محتج، فقال: قد روي أن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، قيل له: لو صح هذا الخبر لم يكن لك فيه حجة لأنه قال: كلام الله ولم يقل قول العباد من المؤمنين والمنافقين وأهل الكتاب الذين يقرؤون: ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وهذا واضح بين عند من كان عنده أدنى معرفة أن القراءة غير المقروء، وليس لكلام الفجرة وغيرهم فضل على كلام غيرهم، كفضل الخالق على المخلوق، وتبارك ربنا وتعالى وعز وجل عن صفة المخلوقين.

وإن قال قائل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه"، قيل له: أليس القرآن خرج منه؟ فخروجه منه ليس كخروجه منك إن كنت تفهم، مع أن هذا الخبر لا يصح لإرساله وانقطاعه. فإن قال: فإن لم يكن الذي يتكلم به العبد قرآنا لم تجز صلاته، قيل له: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بقراءة".

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أفي كل صلاة قراءة؟ قال: "نعم". قال الإمام أبو عبد الله: "القراءة هي التلاوة، والتلاوة غير المتلو".

وقد بينه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤوا إن شئتم [ ص: 105 ] يقول العبد: ( الحمد لله رب العالمين ) فيقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: ( الرحمن الرحيم ) ، يقول الله عز وجل: أثنى علي عبدي، يقول العبد: ( مالك يوم الدين ) ، يقول الله: مجدني عبدي، يقول العبد: ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ، يقول الله: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل".

قال الإمام أبو عبد الله: "فبين أن سؤال العبد غير ما يعطيه الله للعبد، وأن قول العبد غير كلام الله، هذا من العبد الدعاء والتضرع، ومن الله الأمر والإجابة".

وحدثني عبد الله بن محمد، ثنا بشر بن السري، ثنا معاوية، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة الحضرمي، قال: سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه، يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفي كل صلاة قراءة؟ قال: "نعم"، فقال رجل من الأنصار: وجبت هذه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اقرؤوا إن شئتم: فالقراءة لا تكون إلا من الناس، وقد تكلم الله بالقرآن من قبل وكلامه قبل خلقه".

وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت". فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض الصلاة أطول من بعض وأخف، وأن بعضهم يزيد على بعض في القراءة، وبعضهم ينقص، وليس في القراءة زيادة ولا نقصان، فأما التلاوة فإنهم يتفاضلون في الكثرة والقلة والزيادة والنقصان، وقد يقال: فلان حسن القراءة ورديء القراءة، ولا يقال: حسن القرآن ورديء القرآن، وإنما نسب إلى العباد القراءة لا القرآن، لأن القرآن كلام الرب جل ذكره، والقراءة فعل العبد، ولا يخفى معرفة هذا القدر إلا على من أعمى الله قلبه، ولم يوفقه ولم يهده سبيل الرشاد. وليس لأحد أن يشرع في أمر الله عز وجل بغير علم، كما زعم بعضهم أن القرآن بألفاظنا، وألفاظنا به شيء واحد، والتلاوة هي المتلو، والقراءة هي المقروء، فقيل له: إن التلاوة فعل التالي، وعمل القارئ، فرجع وقال: ظننتهما مصدرين، فقيل له: هلا أمسكت كما أمسك كثير من أصحابك، ولو بعثت إلى من كتب عنك فاسترددت ما أثبت وضربت عليه، فزعم أن كيف يمكن هذا، وقد قلت ومضى؟ فقيل له: كيف جاز لك أن تقول في الله عز وجل شيئا لا يقوم به شرح وبيان إذا لم تميز بين التلاوة والمتلو؟ فسكت إذ لم يكن عنده جواب".

قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة بالجهر قال الإمام أبو عبد الله رحمه الله: فإن اعترض جاهل لا يترفع بقوله فقال: إن النبي [ ص: 106 ] صلى الله عليه وسلم لما قال: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، دل أن القراءة في الصلاة، قيل له: إنك قد أغفلت الأخبار المفسرة المستفيضة عند أهل الحجاز، وأهل العراق، وأهل الشام، وأهل الأمصار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، فأوضح أن قراءة القارئ وتلاوته غير المقروء والمتلو، وإنما المتلو فاتحة الكتاب لا اختلاف فيه بين أهل العلم. وإن لم يعلم هذا المعترض اللغة فليسأل أهل العلم من أصناف الناس، كما قال الله عز وجل: ( يهدي إلى الرشد ) إن فقه وفهم، فما تحملنا على كثرة الإيضاح والشرح إلا معرفتنا بعجمة كثير من الناس، ولا قوة إلا بالله.

وقال الحسن البصري: "إنما أهلكتهم العجمة". وقد فسره لنا علي بن عبد الله.

ثنا سفيان، ثنا الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".

حدثنا حجاج بن منهال، ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". وحدثنا عبد الله بن صالح، ثنا الليث مثله.

حدثنا إسحاق، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أن محمود بن الربيع الذي مج النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه من بئرهم، أخبره أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".

التالي السابق


الخدمات العلمية