الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، عن معمر، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا". وقال عبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق، قالا: ثنا معمر بهذا.

حدثني هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد، ثنا زيد بن واقد، عن حزام بن حكيم، ومكحول، عن ابن ربيعة الأنصاري، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وكان على [ ص: 107 ] إلياء فأبطأ عبادة عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم الصلاة، وكان أول من أذن ببيت المقدس، فجئت مع عبادة حتى صف الناس وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فقرأ عبادة بأم القرآن حتى فهمنا منه، فلما انصرف قلت له: سمعتك تقرأ بأم القرآن، فقال: نعم، صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي لا نجهر فيها بالقرآن، فقال: "لا يقرأن أحدكم إذا جهرت بالقرآن إلا بأم القرآن".

وروى بعضهم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، وهو على معنى قوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"؛ لأنه لا صلاة إلا بقراءة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الصلاة لقراءة القرآن، ولذكر الله، ولحاجة المرء إلى ربه عز وجل، فبين أن الدعاء، والحاجة، والتضرع، والذكر، والقراءة من العبد، وأن المقروء هو كلام الله عز وجل".

حدثني يحيى بن صالح، حدثنا فليح، عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، قال: دعاني النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنما الصلاة لقراءة القرآن، ولذكر الله، ولحاجة المرء إلى ربه، فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك".

وقال عمار رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأ على قراءة ابن مسعود". وكانت قراءته حرفا حرفا، فأخبر أن قراءة هذا القارئ الذي لا يقرأ حرفا حرفا وبهذه، هذا سوى قراءة ابن مسعود حرفا حرفا.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم "أن يقرأ على أبي بن كعب سورة أنزلت عليه". حدثنا بذلك قبيصة، ثنا سفيان، عن أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، قال أبي: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزلت علي سورة أمرت أن أقرئكها"، قلت: سميت لك؟ قال: "نعم يا أبا المنذر فرحت بذلك"، قال: وما يمنعني وهو يقول: ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) ؟

حدثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان، عن أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

حدثنا عمرو بن عوف، حدثنا ابن المبارك، عن الأجلح، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقرأ عليك القرآن"، فقلت: أسماني لك ربي أو ربك؟ قال: "نعم"، فتلا: [ ص: 108 ] ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون ) .

حدثنا بشر بن محمد، ثنا عبد الله، ثنا الأجلح بهذا.

حدثنا إسحاق بن نصر، ثنا أبو أسامة، ثنا الأجلح، ثنا عبد الله نحوه.

قال أبو عبد الله: "وأما قوله فهل يرجع إلى الله إلا باللفظ الذي تلفظ به، فإن كان الذي تلفظ به قرآنا فهو كلام الله، قيل له: ما قولك تلفظ به؟ فإن اللفظ غير الذي تلفظ به، لأنك تلفظت بالله، وليس الله هو لفظك وكذلك تلفظ بصفة الله، بقول الله، وليس قولك: الله هو الصفة، إنما تصف الموصوف فأنت الواصف والله الموصوف بكلامه كالواصف الذي يصف الله بكلام غير الله، وأما الموصوف بصفته وكلامه فهو الله.

ففي قولك تلفظ به، وتقرأ القرآن دليل بين أنه غير القراءة، كما تقول قرأت بقراءة عاصم، وقراءتك على قراءة عاصم، لا أن لفظك وكلامك كلام عاصم بعينه، ألا ترى أن عاصما لو حلف أن لا يقرأ اليوم ثم قرأت أنت على قراءته لم يحنث عاصم؟

وقال أحمد رحمه الله: "لا يعجبني قراءة حمزة". ولا يقال: لا يعجبني القرآن، حتى قال بعضهم: من قرأ بقراءة حمزة أعاد الصلاة.

واعتل بعضهم، فقال: ( حتى يسمع كلام الله ) قيل له: إنما يقال: ( حتى يسمع كلام الله ) لا كلامك ونغمتك ولحنك؛ لأن الله عز وجل فضل موسى بكلامه، ولو كنت تسمع الخلق كلام الله كما أسمع الله موسى عليه الصلاة والسلام، لم يكن لموسى عليه السلام عليك فضل، إذا سمعت كلام الله، وسمع موسى كلام الله، قال الله عز وجل لموسى: ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) ".

حدثنا عبيد الله بن عمرو، ثنا سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله، عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به قال: "رأيت موسى في السماء السابعة بتفضيل كلام الله".

قال أبو عبد الله: "وإن ادعيت أنك تسمع الناس كلام الله كما أسمع الله كلامه لموسى، قال له: ( إني أنا ربك ) [ ص: 109 ] فهذا دعوى الربوبية إذا لم تميز بين قراءتك وبين كلام الله، فإن الله تعالى قال: ( فاذكروني أذكركم ) ، ( فاذكروا الله كذكركم آباءكم ) . يشرح أن ذكر العبد ربه غير ذكر الله عبده، لأن ذكر العبد الدعاء والتضرع، وذكر الله الإجابة، كما قال الله عز وجل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لا أقول إلا ما في القرآن".

التالي السابق


الخدمات العلمية