الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ذكر تلبيسه عليهم في دخول الفلاة بغير زاد.

قال المصنف رحمه الله: قد لبس على خلق كثير منهم فأوهمهم أن التوكل ترك الزاد وقد بينا فساد هذا فيما تقدم إلا أنه قد شاع هذا في جهلة القوم، وجاء حمقى القصاص يحكون ذلك عنهم على سبيل المدح لهم به فيتضمن ذلك تحريض الناس على مثل ذلك وبأفعال أولئك ومدح هؤلاء لهؤلاء فسدت الأحوال وخفيت على العوام طرق الصواب. والأخبار عنهم بذلك كثيرة وأنا أذكر منها نبذة: أنبأنا محمد بن عبد الملك ، نا أبو بكر ، نا رضوان بن محمد الدينوري ، ثنا طاهر بن عبد الله ، ثنا الفضل بن الفضل الكندي ثني أبو بكر محمد بن عبد الواحد بن [ ص: 290 ] جعفر الواسطي ، ثنا محمد بن السفاح ، عن علي بن سهل المصري قال أخبرني فتح الموصلي قال خرجت حاجا فلما توسطت البادية إذا أنا بغلام صغير فقلت يا عجبا بادية بيداء وأرض قفراء، وغلام صغير فأسرعت فلحقته فسلمت عليه ثم قلت يا بني إنك غلام صغير لم تجر عليك الأحكام قال يا عم قد مات من كان أصغر سنا مني فقلت وسع خطاك فإن الطريق بعيد حتى تلحق المنزل فقال يا عم علي المشي وعلى الله البلاغ، أما قرأت قوله تعالى: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) فقلت له ما لي لا أرى معك لا زادا ولا راحلة. فقال: يا عم زادي يقيني وراحلتي رجائي. قلت سألتك عن الخبز والماء قال يا عم أخبرني لو أن أخا من إخوانك أو صديقا من أصدقائك دعاك إلى منزله أكنت تستحسن أن تحمل معك طعاما فتأكله في منزله. فقلت أزودك فقال إليك عني يا بطال هو يطعمنا ويسقينا قال فتح: فما رأيت صغيرا أشد توكلا منه ولا رأيت كبيرا أشد زهدا منه.

قال المصنف رحمه الله: بمثل هذه الحكاية تفسد الأمور ويظن أن هذا هو الصواب ويقول الكبير إذا كان الصغير قد فعل هذا فأنا أحق بفعله منه. وليس العجب من الصبي بل من الذي لقيه كيف لم يعرفه أن هذا الذي يفعله منكر وأن الذي استدعاك أمرك بالتزود ومن ماله يتزود ولكن مضى على هذا كبار القوم فكيف الصغار. أخبرنا أبو منصور القزاز ، نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ ، نا أبو نعيم الأصفهاني قال سمعت محمد بن الحسن بن علي اليعظي يقول حضرت أبا عبد الله الجلاء وقيل له عن هؤلاء الذين يدخلون البادية بلا زاد ولا عدة يزعمون أنهم متوكلون فيموتون في البراري. فقال هذا فعل رجال الحق فإن ماتوا فالدية على القاتل أخبرنا ابن ناصر أنبأنا أحمد بن علي بن خلف ، نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أحمد بن علي يقول: قال رجل لأبي عبد الله بن الجلاء: ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد؟ قال: هذا من فعل رجال الله، قال فإن مات قال: الدية على القاتل.

قال المصنف رحمه الله: قلت هذه فتوى جاهل بحكم الشرع إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز دخول البادية بغير زاد وأن من فعل ذلك فمات [ ص: 291 ] بالجوع فإنه عاص لله تعالى مستحق لدخول النار. وكذلك إذا تعرض بما غالبه العطب فإن الله جعل النفوس وديعة عندنا فقال: ( ولا تقتلوا أنفسكم )

التالي السابق


الخدمات العلمية