الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
[فصل]:

قال المصنف: فإن قال قائل: قد عبت طريق المقلدين في الأصول، وطريق المتكلمين، فما الطريق السليم من تلبيس إبليس؟ فالجواب: إنه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه، وتابعوهم بإحسان من إثبات الخالق سبحانه، وإثبات صفاته على ما وردت به الآيات، والأخبار من غير تفسير، ولا بحث عما ليس في قوة البشر إدراكه، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق. قال علي كرم الله وجهه: والله ما حكمت مخلوقا، إنما حكمت القرآن، وأنه المسموع قوله عز وجل: ( حتى يسمع كلام الله ) وأنه في المصاحف لقوله عز وجل: ( في رق منشور ) ولا نتعدى مضمون الآيات، ولا نتكلم في ذلك برأينا. وقد كان أحمد بن حنبل ينهى أن يقول الرجل: لفظي بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق; لئلا يخرج عن الاتباع للسلف إلى حدث.

والعجب ممن يدعي اتباع هذا الإمام، ثم يتكلم في المسائل المحدثة. أخبرنا [ ص: 87 ] سعد الله بن علي البزار ، نا أبو بكر الطريثيثي ، نا هبة الله بن الحسن الطبري ، نا أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه ، نا عمر بن أحمد الواعظ ، ثنا محمد بن هارون الحضرمي ، ثنا القاسم بن العباس الشيباني ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. وقال مالك بن أنس: من قال: القرآن مخلوق، فيستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه.

أخبرنا أبو البركات بن علي البزار ، نا أحمد بن علي الطريثيثي ، نا هبة الله الطبري ، ثنا محمد بن أحمد القاسم ، ثنا أحمد بن عثمان ، ثنا محمد بن ماهان ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن جعفر بن برقان أن عمر بن عبد العزيز قال لرجل وسأله عن الأهواء، فقال: عليك بدين الصبي في الكتاب، والأعرابي، واله عما سواهما. قال ابن مهدي: وثنا عبد الله بن المبارك ، عن الأوزاعي قال: قال عمر بن عبد العزيز: إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة; فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة.

أخبرنا محمد بن أبي القاسم ، نا أحمد بن أحمد ، نا أبو نعيم الحافظ ، ثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، ثنا بشر بن موسى ، ثنا خلاد بن يحيى ، عن سفيان الثوري قال: بلغني عن عمر أنه كتب إلى بعض عماله: أوصيك بتقوى الله عز وجل، واتباع سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون بعده بما قد كفوا مؤنته. واعلم أن من سن السنن قد علم ما في خلافها من الخطإ والزلل والتعمق، فإن السابقين الماضين عن علم توقفوا، وتبصر ناقد قد كفوا. وفي رواية أخرى عن عمر: وأنهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وما أحدث إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، لقد قصر دونهم أقوام فخفوه، وطمح عنهم آخرون فعلوه.

أخبرنا محمد بن أبي القاسم ، نا أحمد بن أحمد ، نا أحمد بن عبد الله الحافظ ، ثنا سليمان بن أحمد ، ثنا بشر بن موسى ، ثنا عبد الصمد بن حسان قال: سمعت سفيان الثوري يقول: عليكم بما عليه الحمالون، والنساء في البيوت، والصبيان في الكتاب من الإقراء، والعمل.

[ ص: 88 ] قال المصنف: فإن قال قائل: هذا مقام عجز لا مقام الرجال، فقد أسلفنا جواب هذا، وقلنا: إن الوقوف على العمل ضرورة، لأن بلوغ ما يشفي العقل من التعليل لم يدركه من عاص من المتكلمين في البحار، فلذلك أمروا بالوقوف على الساحل كما ذكرنا عنهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية