الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              1575 [ ص: 264 ] 85 \ 1516 - وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في كل سائمة إبل، في أربعين بنت لبون، ولا يفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا - قال ابن العلاء : مؤتجرا بها - فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا عز وجل ليس لآل محمد منها شيء .

                                                              وأخرجه النسائي . وجد بهز بن حكيم هو معاوية بن حيدة القشيري، وله صحبة. وبهز بن حكيم وثقه بعضهم، وتكلم فيه بعضهم.

                                                              التالي السابق




                                                              قال ابن القيم رحمه الله: قوله فإنا آخذوها وشطر ماله أكثر العلماء على أن الغلول في الصدقة والغنيمة لا يوجب غرامة في المال، وقالوا: كان هذا في أول الإسلام ثم نسخ. واستدل الشافعي على نسخه بحديث البراء بن عازب فيما أفسدت ناقته، فلم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أضعف الغرم، بل [ ص: 265 ] نقل فيها حكمه بالضمان فقط.

                                                              وقال بعضهم: يشبه أن يكون هذا على سبيل التوعد، لينتهي فاعل ذلك.

                                                              وقال بعضهم: إن الحق يستوفى منه غير متروك عليه، وإن تلف شطر ماله، كرجل كان له ألف شاة، فتلفت حتى لم يبق له إلا عشرون، فإنه يؤخذ منه عشر شياه لصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي أو نصفه، وهو بعيد لأنه لم يقل: إنا آخذون شطر ماله.

                                                              وقال إبراهيم الحربي "إنما هو "وشطر ماله" أي جعل ماله شطرين، ويتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خير النصفين عقوبة لمنعه الزكاة". فأما ما لا يلزمه فلا. قال الخطابي: ولا أعرف هذا الوجه. هذا آخر كلامه.

                                                              وقال بظاهر الحديث الأوزاعي والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه على ما فصل عنهم. وقال الشافعي في القديم: من منع زكاة ماله أخذت منه وأخذ شطر ماله عقوبة على منعه، واستدل بهذا الحديث، وقال في الجديد: لا [ ص: 266 ] يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير، وجعل هذا الحديث منسوخا، وقال: كان ذلك حين كانت العقوبات في المال ثم نسخت. هذا آخر كلامه.

                                                              ومن قال: إن بهز بن حكيم ثقة احتاج إلى الاعتذار عن هذا الحديث بما تقدم. فأما من قال: لا يحتج بحديثه فلا يحتاج إلى شيء من ذلك. وقد قال الشافعي في بهز: ليس بحجة، فيحتمل أن يكون ظهر له ذلك منه بعد اعتذاره عن الحديث، أو أجاب عنه على تقدير الصحة.

                                                              وقال أبو حاتم الرازي في بهز بن حكيم: هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به.

                                                              وقال البستي: "كان يخطئ كثيرا، فأما الإمام أحمد وإسحاق فهما يحتجان به ويرويان عنه، وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديثه إنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لأدخلناه في "الثقات" وهو ممن أستخير الله فيه.

                                                              فجعل روايته لهذا الحديث مانعة من إدخاله في الثقات، تم كلامه. وقد قال علي بن المديني: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح. وقال الإمام أحمد: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح.

                                                              وليس لمن رد هذا الحديث حجة، ودعوى نسخه دعوى باطلة، إذ هي دعوى ما لا دليل عليه، وفي ثبوت شرعية العقوبات المالية عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يثبت نسخها بحجة، وعمل بها الخلفاء بعده.

                                                              [ ص: 267 ] وأما معارضته بحديث البراء في قصة ناقته، ففي غاية الضعف، فإن العقوبة إنما تسوغ إذا كان المعاقب متعديا بمنع واجب أو ارتكاب محظور، وأما ما تولد من غير جنايته وقصده، فلا يسوغ أحد عقوبته عليه، وقول من حمل ذلك على سبيل التوعد دون الحقيقة في غاية الفساد، ينزه عن مثله كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

                                                              وقول من حمله على أخذ الشطر الباقي بعد التلف باطل; لشدة منافرته وبعده عن مفهوم الكلام ولقوله: فإنا آخذوها وشطر ماله .

                                                              وقول الحربي: إنه "وشطر" بوزن شغل: في غاية الفساد ولا يعرفه أحد من أهل الحديث، بل هو من التصحيف.

                                                              وقول ابن حبان: لولا حديثه هذا لأدخلناه في "الثقات"، كلام ساقط جدا، فإنه إذا لم يكن لضعفه سبب إلا رواية هذا الحديث، وهذا الحديث إنما رده لضعفه، كان هذا دورا باطلا، وليس في روايته لهذا ما يوجب ضعفه فإنه لم يخالف فيه الثقات.

                                                              وهذا نظير رد من رد حديث عبد الملك بن أبي سليمان، بحديث جابر في شفعة الجوار، وضعفه بكونه روى هذا [ ص: 268 ] الحديث، وهذا غير موجب للضعف بحال. والله أعلم.




                                                              الخدمات العلمية