الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              وتمام هذه المسألة: أن العدة هل تنقضي بنفس انقطاع الدم وتنقطع الرجعة، أم لا تنقطع إلا بالغسل، وفيه خلاف بين السلف والخلف، يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

                                                              [ ص: 508 ] وقوله صلى الله عليه وسلم: ثم ليطلقها طاهرا قبل أن يمس دليل على أن طلاقها في الطهر الذي مس فيه ممنوع منه، وهو طلاق بدعة، وهذا متفق عليه

                                                              فلو طلق فيه، قالوا: لم يجب عليه رجعتها، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الرجعة لا تجب في هذه الصورة، وليس هذا الإجماع ثابتا، وإن كان قد حكاه صاحب "المغني" أيضا، فإن أحد الوجهين في مذهب أحمد وجوب الرجعة في هذا الطلاق، حكاه في "الرعاية"، وهو القياس، لأنه طلاق محرم، فتجب الرجعة فيه، كما تجب في الطلاق في زمن الحيض.

                                                              ولمن فرق بينهما أن يقول: زمن الطهر وقت للوطء وللطلاق، وزمن الحيض ليس وقتا لواحد منهما، فظهر الفرق بينهما، فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق الأمر بها في زمنه.

                                                              ولكن هذا الفرق ضعيف جدا، فإن زمن الطهر متى اتصل به المسيس صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق سواء، ولا فرق بينهما، بل الفرق المؤثر عند الناس: أن المعنى الذي وجبت لأجله الرجعة إذا طلقها حائضا منتف في صورة الطلاق في الطهر الذي مسها فيه، فإنها إنما حرم طلاقها في [ ص: 509 ] زمن الحيض لتطويل العدة عليها، فإنها لا تحتسب ببقية الحيضة قرءا اتفاقا، فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل.

                                                              وأما الطهر فإنها تعتد بما بقي منه قرءا، ولو كان لحظة، فلا حاجة بها إلى أن يراجعها، فإن من قال: الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عقيب طلاقها، ومن قال: هي الحيض استأنف بها بعد الطهر، وهو لو راجعها ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلا في طهر، فلا فائدة في الرجعة. هذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين.

                                                              وبعد، ففيه إشكال لا ينتبه له إلا من له خبرة بمآخذ الشرع وأسراره، وجمعه وفرقه؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها، وقال: فتلك العدة التي أمر بها الله أن تطلق لها النساء ، وهذا ظاهر في أن العدة إنما يكون استقبالها من طهر لم يمسسها فيه، إن دل على أنها بالأطهار، وأما طهر قد أصابها فيه فلم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم من العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء، فكما لا تكون عدتها متصلة بالحيضة التي طلق فيها ينبغي أن لا تكون متصلة بالطهر الذي مسها فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بينهما في المنع من الطلاق فيهما، وأخبر أن العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء هي من وقت الطهر الذي لم يمسسها فيه، فمن أين لنا أن الطهر الذي مسها فيه هو أول العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء؟!

                                                              وهذا مذهب أبي عبيد، وهو في الظهور والحجة كما ترى، وقال الإمام أحمد والشافعي ومالك وأصحابهم: لو بقي من الطهر لحظة حسبت لها [ ص: 510 ] قرءا، وإن كان قد جامع فيه، إذا قلنا: الأقراء الأطهار.

                                                              قال المنتصرون لهذا القول: إنما حرم الطلاق في زمن الحيض دفعا لضرر تطويل العدة عليها، فلو لم تحتسب ببقية الطهر قرءا كان الطلاق في زمن الطهر أضر بها وأطول عليها. وهذا ضعيف جدا، فإنها إذ طلقت فيه قبل المسيس احتسب به، وأما إذا طلقت بعد المسيس كان حكمها حكم المطلقة في زمن الحيض، فكما لا تحتسب ببقية الحيضة لا تحتسب ببقية هذا الطهر الممسوسة فيه.

                                                              قالوا: ولم يحرم الطلاق في الطهر لأجل التطويل الموجود في الحيض، بل إنما حرم لكونها مرتابة، فلعلها قد حملت من ذلك الوطء، فيشتد ندمه إذا تحقق الحمل، ويكثر الضرر. فإذا أراد أن يطلقها طلقها طاهرا من غير جماع، لأنهما قد تيقنا عدم الريبة، وأما إذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة وأقدم على فراقها حاملا.

                                                              قالوا: فهذا الفرق بين الطلاق في الحيض والطهر المجامع فيه. قالوا: وسر ذلك أن المرأة إن كانت حاملا من هذا الوطء فعدتها بوضع الحمل، وإن لم تكن قد حملت منه فهو قرء صحيح، فلا ضرر عليها في طلاقها فيه.

                                                              ولمن نصر قول أبي عبيد أن يقول: الشارع إنما جعل استقبال عدة المطلقة من طهر لم يمسسها فيه، ليكون المطلق على بصيرة من أمره، والمطلقة على بصيرة من عدتها أنها بالأقراء. فأما إذا مسها في الطهر ثم [ ص: 511 ] طلقها، لم يدر أحامل أم حائل، ولم تدر المرأة: أعدتها بالحمل أم بالأقراء، فكان الضرر عليهما في هذا الطلاق أشد من الضرر في طلاقها وهي حائض، فلا تحتسب ببقية ذلك الطهر قرءا، كما لم يحتسب الشارع به في جواز إيقاع الطلاق فيه.

                                                              وهذا التفريع كله على أقوال الأئمة والجمهور. وأما من لم يوقع الطلاق البدعي فلا يحتاج إلى شيء من هذا.

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية