الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              وقد أفردت لمسألة الحامل هل [ ص: 513 ] تحيض أم لا ؟ مصنفا مفردا.

                                                              وقد احتج بالحديث من يرى أن السنة تفريق الطلقات على الأقراء، فيطلق لكل قرء طلقة، وهذا قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين، وعن أحمد رواية كقولهم.

                                                              قالوا: وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمره بإمساكها في الطهر المتعقب للحيض، لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق طهر كامل، والسنة أن يفصل بين الطلقة والطلقة قرء كامل، فإذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت طلقها طلقة ثانية، لحصول الفصل بين الطلقتين بطهر كامل. قالوا: فلهذا المعنى اعتبر الشارع الفصل بين الطلاق الأول والثاني.

                                                              قالوا: وفي بعض حديث ابن عمر " السنة أن يستقبل الطهر، فيطلق لكل قرء " وروى النسائي في "سننه"، عن ابن مسعود قال: " طلاق السنة أن يطلقها تطليقة وهي طاهر في غير جماع، فإذا حاضت فطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة " .

                                                              وهذا الاستدلال ضعيف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإمساكها في الطهر الثاني، ليفرق الطلقات الثلاث على الأقراء، ولا في الحديث ما يدل على [ ص: 514 ] ذلك، وإنما أمره بطلاقها طاهرا قبل أن يمسها، وقد ذكرنا حكمة إمساكها في الطهر الأول.

                                                              وأما قوله: " والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء "، فهو حديث قد تكلم الناس فيه وأنكروه على عطاء الخراساني، فإنه انفرد بهذه اللفظة دون سائر الرواة.

                                                              قال البيهقي: وأما الحديث الذي رواه عطاء الخراساني، عن ابن عمر في هذه القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: السنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء ، فإنه أتى في هذا الحديث بزيادات لم يتابع عليها، وهو ضعيف في الحديث لا يقبل منه ما ينفرد به.

                                                              وأما حديث ابن مسعود فمع أنه موقوف عليه، فهو حديث يرويه أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، واختلف على أبي إسحاق فيه، فقال الأعمش عنه كما تقدم، وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عنه: " طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع "، ولعل هذا حديثان؛ والذي يدل عليه: أن الأعمش قال: سألت إبراهيم، فقال لي مثل ذلك. وبالجملة فهذا غايته أن يكون قول ابن مسعود وقد خالفه علي وغيره.

                                                              وقد روي، عن ابن مسعود روايتان: إحداهما: التفريق، والثانية: إفراد [ ص: 515 ] الطلقة، وتركها حتى تنقضي عدتها. قال: " طلاق السنة أن يطلقها وهي طاهر، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، أو يراجعها إن شاء"، ذكره ابن عبد البر عنه. ولأن هذا أردأ طلاق لطلاق من غير حاجة إليه، وتعريض لتحريم المرأة عليه إلا بعد زوج وإصابة، والشارع لا غرض له في ذلك ولا مصلحة للمطلق، فكان بدعيا. والله أعلم.

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية