الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              3938 487 \ 3784 - وعنه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أعتق شقصا له - أو شقيصا له - في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال قوم العبد قيمة عدل، ثم استسعي لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه .

                                                              قال أبو داود: ورواه روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة، لم يذكر السعاية. ورواه يحيى بن سعيد وابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة، لم يذكرا فيه السعاية . ورواه يزيد بن زريع عن سعيد فذكر فيه السعاية.

                                                              [ ص: 17 ] وقال البخاري : رواه شعبة عن قتادة، فلم يذكر السعاية.

                                                              وقال الخطابي : اضطرب سعيد بن أبي عروبة في السعاية: مرة يذكرها، ومرة لا يذكرها، فدل على أنها ليست من متن الحديث عنده. وإنما هو من كلام قتادة وتفسيره وتقييده على ما ذكره همام وبينه.

                                                              ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقد ذكره أبو داود في الباب الذي يليه.

                                                              وقال الترمذي: وروى شعبة هذا الحديث عن قتادة، ولم يذكر فيه أمر السعاية.

                                                              وقال النسائي: أثبت أصحاب قتادة: شعبة وهشام الدستوائي وسعيد بن [ ص: 18 ] أبي عروبة، وقد اتفق شعبة وهشام على خلاف سعيد بن أبي عروبة، وروايتهما- والله أعلم- أولى بالصواب عندنا. وقد بلغني أن هماما روى هذا الحديث عن قتادة فجعل الكلام الأخير قوله: "وإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه" قول قتادة.

                                                              وقال عبد الرحمن بن مهدي: أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره، لأنه كتبها إملاء.

                                                              وقال الدارقطني: روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة- وهما أثبت - فلم يذكرا فيه الاستسعاء، ووافقهما همام وفصل الاستسعاء من الحديث فجعله من رأي قتادة. وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول: ما أحسن ما رواه همام وضبطه; فصل قول قتادة.

                                                              وقال ابن عبد البر: والذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها.

                                                              التالي السابق




                                                              قال ابن القيم رحمه الله: وقال الإمام أحمد: ليس في الاستسعاء ثبت عن [ ص: 19 ] النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث أبي هريرة يرويه ابن أبي عروبة، وأما شعبة وهشام الدستوائي فلم يذكراه، وحدث به معمر، ولم يذكر فيه السعاية.

                                                              وقال أبو بكر المروزي: ضعف أبو عبد الله حديث سعيد.

                                                              وقال الأثرم: طعن سليمان بن حرب في هذا الحديث وضعفه.

                                                              وقال ابن المنذر: لا يصح حديث الاستسعاء، وذكر همام: أن ذكر الاستسعاء من فتيا قتادة، وفرق بين الكلامين الذي هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول قتادة، قال بعد ذلك: فكان قتادة يقول : " إن لم يكن له مال استسعى العبد ".

                                                              وقال ابن عبد البر أيضا: حديث أبي هريرة يدور على قتادة، وقد اتفق شعبة وهشام وهمام على ترك ذكره، وهم الحجة في قتادة، والقول [ ص: 20 ] قولهم فيه، عند جميع أهل العلم بالحديث إذا خالفهم غيرهم.

                                                              وقال الشافعي: سمعت بعض أهل النظر والقياس منهم، والعلم بالحديث يقول: لو كان حديث سعيد بن أبي عروبة في الاستسعاء منفردا لا يخالفه غيره ما كان ثابتا، يعني: فكيف وقد خالفه شعبة وهشام؟ قال الشافعي: وقد أنكر الناس حفظ سعيد.

                                                              قال البيهقي: وهذا كما قال، فقد اختلط سعيد بن أبي عروبة في آخر عمره، حتى أنكروا حفظه.

                                                              وقال يحيى بن سعيد القطان: شعبة أعلم الناس بحديث قتادة، ما سمع منه وما لم يسمع، وهشام أحفظ، وسعيد أكثر. قال البيهقي: فقد اجتمع هاهنا شعبة مع فضل حفظه، وعلمه بما سمع قتادة وما لم يسمع، وهشام مع فضل حفظه، وهمام مع صحة كتابته وزيادة معرفته بما ليس من الحديث على خلاف ابن أبي عروبة ومن تابعه في إدراج السعاية في الحديث. وفي هذا ما يضعف ثبوت الاستسعاء بالحديث.

                                                              [ ص: 21 ] فهذا كلام هؤلاء الأئمة الأعلام في حديث السعاية.

                                                              وقال آخرون: الحديث صحيح، وترك ذكر شعبة وهشام للاستسعاء لا يقدح في رواية من ذكرها، وهو سعيد بن أبي عروبة، ولا سيما فإنه أكبر أصحاب قتادة ومن أخصهم به، وعنده عن قتادة ما ليس عند غيره من أصحابه، ولهذا أخرجه أصحاب "الصحيحين" في "صحيحيهما"، ولم يلتفتا إلى ما ذكر في تعليله.

                                                              وأما الطعن في رواية سعيد، عن قتادة، ولو لم يخالف: فطعن ضعيف، لأن سعيدا، عن قتادة حجة بالاتفاق، وهو من أصح الأسانيد المتلقاة بالقبول التي أكثر منها أصحاب "الصحيحين" وغيرهم، فكيف ولم ينفرد سعيد، عن قتادة بالاستسعاء، بل قد رواه عن قتادة جرير بن حازم، وناهيك به!.

                                                              قال البخاري في "صحيحه" باب: إذا أعتق نصيبا في عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه، على نحو الكتابة، حدثني أحمد بن أبي رجاء، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت قتادة، ح وحدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أعتق نصيبا، أو شقيصا، في مملوك، فخلاصه عليه في ماله، إن كان له مال، وإلا قوم عليه فاستسعى غير مشقوق عليه . قال البخاري: وتابعه [ ص: 22 ] حجاج بن حجاج، وأبان وموسى بن خلف، عن قتادة، اختصره شعبة.

                                                              وقال النسائي في "سننه": أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، حدثنا أبو هشام، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، حدثنا النضر بن أنس، عن بشير، عن نهيك، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أعتق شقيصا له في عبد، فإن عليه أن يعتق بقيته، إن كان له مال، وإلا استسعى العبد، غير مشقوق عليه .

                                                              فقد برئ سعيد من عهدة التفرد به، فهؤلاء خمسة رووه، عن قتادة: سعيد، وجرير بن حازم وأبان ، وحجاج بن حجاج، وموسى بن خلف.

                                                              ثم لو قدر تفرد سعيد به لم يضره، وسعيد وإن كان قد اختلط في آخر عمره، فهذا الحديث من رواية يزيد بن زريع وعبدة وإسماعيل والجلة، عن سعيد، وهؤلاء أعلم بحديثه. ولم يرووا عنه إلا ما كان قبل اختلاطه، ولهذا أخرج أصحاب الصحيح حديثهم عنه. فالحديث صحيح محفوظ بلا شك.

                                                              وقد رواه مسلم في "صحيحه"، كما ذكره البخاري من رواية [ ص: 23 ] جرير بن حازم.

                                                              وأما تعليله برواية همام، وأنه ميز كلام قتادة من المرفوع، قال أبو بكر الخطيب في كتابه "الفصل" له: رواه أبو عبد الرحمن المقري، عن همام، وزاد فيه ذكر الاستسعاء وجعله من قول قتادة، وميزه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

                                                              فهذا علة، لو كان الذي رفعه دون همام، وأما إذا كان مثله وأكثر عددا منه فالحكم لهم. والله أعلم.

                                                              وقد عورض حديث أبي هريرة في السعاية بحديث عمران بن حصين، وحديث ابن عمر.

                                                              أما حديث عمران فقال الشافعي في مناظرته لبعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة: "ومع حديث نافع، وحديث عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء، ومراده بذلك: أن الرجل لما أعتق الستة المملوكين لم يكمل النبي صلى الله عليه وسلم عتقهم بالسعاية، بل أعتق ثلثهم، ولم يستسع باقيهم.

                                                              وهذا لا يعارض حديث الاستسعاء فإن الرجل أعتق العبيد، وهم كل [ق214] التركة، وإنما يملك التبرع في ثلثها، فكمل النبي صلى الله عليه وسلم الحرية في عبدين مقدار الثلث، وكأنهما هما اللذان باشرهما بالعتق; والشارع حجر [ ص: 24 ] عليه ومنعه من تبعيض الحرية في جميعهم، وكملها في اثنين، فأي منافاة في هذا لحديث السعاية؟ بل هو حجة على من يبعض العتق في جميعهم، فإنه إن لم يقل بالسعاية نقض أصله، وإن قال بها، وأعتق الجميع، ناقض الحديث صريحا، ولا اعتراض بمناقضته على حديث أبي هريرة في السعاية.

                                                              وأما حديث ابن عمر، فهو الذي نذكره في هذا الباب.




                                                              الخدمات العلمية