الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              4709 [ ص: 196 ] 560 \ 4545 - وعن عمران بن حصين قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار، قال: نعم، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال : كل ميسر لما خلق له .

                                                              وأخرجاه.

                                                              التالي السابق




                                                              قال ابن القيم رحمه الله: وقد روى مسلم في "صحيحه"، عن حذيفة بن أسيد- يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين-، أو خمس وأربعين- ليلة، فيقول: يا رب، أشقي أو سعيد ؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى ؟ فيكتبان، ويكتب عمله، وأثره، وأجله، ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص .

                                                              وفي "الصحيحين"، عن أنس بن مالك - ورفع الحديث - قال: إن الله قد وكل بالرحم ملكا، فيقول: أي رب، نطفة، أي رب، علقة ؟ أي رب، مضغة ؟ فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال الملك: أي رب، ذكر أو أنثى ؟ شقي أم سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب ذلك في بطن أمه .

                                                              وهذا مثل حديث ابن مسعود، أن كتابة الأجل والشقاوة والسعادة والرزق في الطور الرابع ".

                                                              وحديث حذيفة بن أسيد يدل على أن الكتابة في [ ص: 197 ] الطور الأول. وقد روي حديث حذيفة بلفظ آخر، يتبين المراد منه، وأن الحديثين واحد، وأنهما متصادقان، لا متعارضان، فروى مسلم في "صحيحه"، عن عامر بن واثلة: أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، فأتى رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يقال له: حذيفة بن أسيد الغفاري، فحدثه بذلك من قول ابن مسعود، فقال: وكيف يشقى بغير عمل ؟ فقال الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب، أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب، أجله ؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه ؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص .

                                                              وفي لفظ آخر عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذنى هاتين يقول: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتصور عليها الملك - قال زهير بن معاوية: حسبته قال: - الذي يخلقها، فيقول: يا رب، أذكر أم أنثى ؟ فيجعله الله ذكرا أو أنثى، ثم يقول: يا رب، أسوي أو غير سوي ؟ فيجعله الله سويا، أو غير [ ص: 198 ] سوي، ثم يقول: يا رب، ما رزقه ؟ ما أجله ؟ ما خلقه ؟ ثم يجعله [الله] شقيا أو سعيدا .

                                                              وفي لفظ آخر: أن ملكا موكلا بالرحم، إذا أراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله، لبضع وأربعين ليلة ، ثم ذكر نحوه.

                                                              فدل حديث حذيفة على أن الكتابة المذكورة وقت تصويره، وخلق جلده ولحمه وعظمه وهذا مطابق لحديث ابن مسعود، فإن هذا التخليق هو في الطور الرابع، وفيه وقعت الكتابة.

                                                              فإن قيل: فما تصنع بالتوقيت فيه بأربعين ليلة ؟

                                                              قلت: التوقيت فيه بيان أنها قبل ذلك لا يتعرض لها، ولا يتعلق بها تخليق ولا كتابة، فإذا بلغت الوقت المحدود، وجاوزت الأربعين، وقعت في أطوار التخليق طبقا بعد طبق، ووقع حينئذ التقدير والكتابة، وحديث ابن مسعود: صريح بأن وقوع ذلك بعد كونه مضغة بعد الأربعين الثالثة، وحديث حذيفة فيه: أن ذلك بعد الأربعين، ولم يوقت البعدية، بل أطلقها، ووقتها في حديث ابن مسعود.

                                                              وقد ذكرنا أن حديث حذيفة دال أيضا على ذلك.

                                                              ويحتمل وجها آخر: وهو أن تكون الأربعون المذكورة في حديث [ق238] حذيفة، هي الأربعين الثالثة، وسمي الحمل فيها نطفة، إذ هي مبدؤه الأول، وفيه بعد، وألفاظ الحديث تأباه.

                                                              ويحتمل وجها آخر: وهو أن التقدير والكتابة تقديران وكتابتان، فالأول منهما: عند ابتداء تعلق التحويل والتخليق في النطفة، وهو إذا مضى عليها [ ص: 199 ] أربعون، ودخلت في طور العلقة، وهذا أول تخليقه.

                                                              والتقدير الثاني والكتابة الثانية: إذا كمل تصويره وتخليقه، وتقدير أعضائه، وكونه ذكرا أو أنثى من الخارج، فيكتب مع ذلك عمله ورزقه وأجله، وشقاوته وسعادته.

                                                              فلا تنافي بين الحديثين، والحمد لله رب العالمين، ويكون التقدير الأول: تقديرا لما يكون للنطفة بعد الأربعين، فيقدر معه السعادة والشقاوة، والرزق والعمل، والتقدير الثاني: تقديرا لما يكون للجنين بعد تصويره، فيقدر معه ذلك، ويكتب أيضا، وهذا التقدير أخص من الأول.

                                                              ونظير هذا: أن الله سبحانه قدر مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم يقدر ليلة القدر ما يكون في العام لمثله، وهذا أخص من التقدير العام، كما أن تقدير أمر النطفة وشأنها، يقع بعد تعلقها بالرحم، وقد قدر أمرها قبل خلق السماوات والأرض.

                                                              ونظير هذا: رفع الأعمال وعرضها على الله تعالى، فإن عمل العام يرفع في شعبان، كما أخبر به الصادق المصدوق أنه: شهر ترفع فيه الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ، ويعرض عمل الأسبوع: يوم الاثنين والخميس، كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم"، وعمل اليوم يرفع في آخره [ ص: 200 ] قبل الليل، وعمل الليل في آخره قبل النهار.

                                                              فهذا الرفع في اليوم والليلة، أخص من الرفع في العام، وإذا انقضى الأجل، رفع عمل العمر كله، وطويت صحيفة العمل.

                                                              وهذه المسائل من أسرار مسائل القضاء والقدر، فصلوات الله وسلامه على هادي الأمة، وكاشف الغمة; الذي أوضح الله به المحجة، وأقام به الحجة; وأنار به السبيل، وأوضح به الدليل، ولله در القائل:


                                                              أحيا القلوب محمد لما أتى ومضى فنابت بعده أنباؤه كالورد راقك ريحه وشميمه
                                                              وإذا تولى ناب عنه ماؤه



                                                              وقد روى مسلم في "صحيحه"، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء .

                                                              وفي "صحيحه" أيضا عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن قلوب [ ص: 201 ] بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك .

                                                              وفي "صحيحه" أيضا، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس - أو الكيس والعجز - .

                                                              وفي "الصحيحين"، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج: يصدق ذلك أو يكذبه .

                                                              وفي "صحيح البخاري"، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما استخلف الله خليفة إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالخير، وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر، وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله .

                                                              وفي "صحيح مسلم"، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن " لو " تفتح عمل الشيطان .

                                                              [ ص: 202 ] وفي "صحيحه" أيضا، عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة: اللهم متعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يعجل منها شيء قبل حله، ولا يؤخر منها شيء بعد حله، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار، وعذاب في القبر، كان خيرا لك .

                                                              وفي "سنن ابن ماجه" من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور، عن الشعبي قال: لما قدم عدي بن حاتم الكوفة، أتيناه في نفر من فقهاء أهل الكوفة فقلنا له: حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم، قلت: وما الإسلام ؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ، وتؤمن بالأقدار كلها، خيرها وشرها، وحلوها ومرها .

                                                              وفي "سننه" أيضا من حديث مجاهد، عن سراقة بن جعشم قال: قلت: يا رسول الله، أنعمل فيما جف به القلم، وجرت به المقادير، أم في أمر مستقبل ؟ قال: بل فيما جف به القلم، وجرت به [ق239] المقادير، وكل ميسر لما خلق له .

                                                              [ ص: 203 ] وفي "صحيح البخاري"، عن الحسن قال: حدثنا عمرو بن تغلب قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم مال، فأعطى قوما ومنع آخرين، فبلغه أنهم عتبوا، فقال: إني أعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي، أعطي أقواما لما في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، منهم عمرو بن تغلب، فقال عمرو: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم .

                                                              وفي "الصحيحين" من حديث عمران بن حصين قال: إني عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه قوم من بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن، فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قبلنا، جئناك نتفقه في الدين، ونسألك، عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: كان الله، ولم يكن شيء من قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ... الحديث .

                                                              وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: إن فيك لخلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة، قال: يا رسول الله، خلتين تخلقت بهما، أم جبلت عليهما ؟ قال: بل جبلت عليهما، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله .

                                                              [ ص: 204 ] وقال أبو هريرة: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: جف القلم بما أنت لاق . رواه البخاري تعليقا.

                                                              وفي "صحيح مسلم"، عن طاوس قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس، -أو الكيس والعجز- .

                                                              وذكر البخاري، عن ابن عباس في قوله تعالى: أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ، قال: " سبقت لهم السعادة " .

                                                              وفي "الصحيحين"، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يأتي ابن آدم النذر بشيء، لم يكن قد قدرته، ولكن يلقيه القدر، وقد قدرته له، أستخرج به من البخيل .

                                                              [ ص: 205 ] وفي لفظ للبخاري : لا يأتي ابن آدم النذر بشيء، لم يكن قدر له، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له، فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتي عليه، ما لم يكن يؤتي عليه من قبل .

                                                              وفي لفظ في "الصحيحين"، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا، لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل، ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج .

                                                              هذه الأحاديث في النذر والقدر، أدخلها البخاري في كتاب القدر، وهو إنما يدل على القدر الذي لا يتعلق بقدرة العبد ومشيئته، والكلام فيه إنما هو مع غلاة القدرية، المنكرين لتقدم العلم والكتاب.

                                                              وأما القدرية المنكرون لخلق الأفعال، فلا يحتج عليهم بذلك، والله أعلم.

                                                              وقد نظرت في أدلة إثبات القدر، والرد على القدرية المجوسية، فإذا هي تقارب خمسمائة دليل، وإن قدر الله تعالى، أفردت لها مصنفا مستقلا، وبالله عز وجل التوفيق.




                                                              الخدمات العلمية