الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وبطل وقف راهن معسر ومريض مديون بمحيط بخلاف صحيح لو قبل الحجر [ ص: 398 ] فإن شرط وفاء دينه من غلته صح وإن لم يشترط يوفى من الفاضل عن كفايته بلا سرف ولو وقفه على غيره فغلته لمن جعله له خاصة فتاوى ابن نجيم . قلت : قيد بمحيط لأن غير المحيط يجوز في ثلث ما بقي بعد الدين لو له ورثة وإلا ففي كله ، فلو باعها القاضي ثم ظهر مال شرى به أرضا بدلها وتمامه في الإسعاف في باب وقف المريض وفي الوهبانية : وإن وقف المرهون فافتكه يجز فإن مات عن عين تفي لا يغير أي وإلا فيبطل أو للعلة يمهل فليتأمل . قلت : لكن في معروضات المفتي أبي السعود سئل عمن وقف على أولاده وهرب من الديون هل يصح : [ ص: 399 ] فأجاب : لا يصح ولا يلزم والقضاة ممنوعون من الحكم وتسجيل الوقف بمقدار ما شغل بالدين انتهى فليحفظ .

التالي السابق


( قوله : وبطل وقف راهن معسر ) فيه مسامحة والمراد أنه سيبطل ففي الإسعاف وغيره : لو وقف المرهون بعد تسليمه صح ، وأجبره القاضي على دفع ما عليه إن كان موسرا وإن كان معسرا أبطل الوقف وباعه فيما عليه ا هـ وكذا لو مات فإن عن وفاء عاد إلى الجهة وإلا بيع وبطل الوقف كما في الفتح ( قوله : ومريض مديون بمحيط ) أي بدين محيط بماله فإنه يباع وينقض الوقف بحر . ويأتي محترز المحيط وفي ط عن الفواكه البدرية الدين المحيط بالتركة مانع من نفوذ الإعتاق والإيقاف والوصية بالمال والمحاباة في عقود العوض في مرض الموت إلا بإجازة الدائنين وكذا يمنع من انتقال الملك إلى الورثة فيمنع تصرفهم إلا بالإجازة . ا هـ . ( قوله : بخلاف صحيح ) أي وقف مديون صحيح فإنه يصح ولو قصد به المماطلة ; لأنه صادف ملكه كما في أنفع الوسائل عن الذخيرة قال في الفتح : وهو لازم لا ينقضه أرباب الديون إذا كان قبل الحجر بالاتفاق لأنه لم يتعلق حقهم في حال صحته . ا هـ . وبه أفتى في الخيرية من البيوع وذكر أنه أفتى به ابن نجيم وسيأتي فيه كلام عن المعروضات ( قوله : لو قبل الحجر ) أما بعده فلا يصح وقدمنا أول الباب عند قوله وشرطه شرط سائر التبرعات عن الفتح أنه لو وقفه على نفسه ، ثم على جهة لا تنقطع ينبغي أن يصح على قول أبي يوسف المصحح وعند الكل إذا حكم به حاكم . ا هـ . وتقدم هناك الكلام عليه .

وحاصله : أن وقفه على نفسه ليس تبرعا بقي أن عدم صحة وقف المحجور إنما يظهر على قولهما بصحة حجر السفيه أما على قوله فلا لأنه لا يرى صحة حجره فيبقى تصرفه نافذا وعن هذا حكم بعض القضاة بصحة وقفه لأن القضاء بحجره لا يرفع الخلاف لوقوع الخلاف في نفس القضاء كما صرح به في الهداية ، فيصح الحكم بصحة تصرفه عند الإمام ، فيصح وقفه لكن الحكم بلزومه مشكل لأن الإمام وإن قال بصحة تصرفه لكنه لا يقول بلزوم الوقف والقائل بلزومه لا يقول بصحة تصرف المحجور فيصير الحكم بلزوم وقفه مركبا من مذهبين هذا حاصل [ ص: 398 ] ما ذكره في أنفع الوسائل وأجاب عنه بأنه في المنية المفتي جوز الحكم الملفق وقدمنا ما فيه عند الكلام على وقف المشاع ( قوله : فإن شرط وفاء دينه ) أي وقفه على نفسه وشرط وفاء دينه منه كما في فتاوى ابن نجيم وحذفه الشارح استغناء بالمقابل وهو قوله ولو وقفه على غيره . ا هـ . ح ( قوله : يوفي من الفاضل عن كفايته ) أي إذا فضل من غلة الوقف شيء عن قوته فللغرماء أن يأخذوا منه لأن الغلة بقيت على ملكه ذخيرة ( قوله : لو له ورثة ) أي ولم يجيزوا فقوله وإلا أي وإن لم يكن له ورثة أو كان وأجازوا . ا هـ . ح ( قوله : فلو باعها القاضي ) أي في صورة المحيط . ا هـ . ح .

( قوله : أي وإلا فيبطل ) بالبناء للمجهول وهذا تصريح بالمفهوم : أي وإن لم يمت عن مال يفي بما عليه من الدين ، فإن الوقف يغير أي يبطله القاضي ، ويبيعه للدين قال الشرنبلالي في شرح الوهبانية : وهذا يخالف عتق العبد للرهن لا يباع ; ويسعى في الدين إن لم يزد على قيمته ، ولا يبطل العتق . وبحث فاضل فقال : ينبغي أن لا يبطل الوقف ويؤخذ من غلته لوفاء الدين كسعاية العبد إذا لم يقدر بزمن : والجامع بينهما التحرير فإن الوقف تحرير عن البيع وتعلق حق الغير يقضى من ريعه كسعاية العبد بل إنه أمكن إذ قد يموت العبد قبل أداء السعاية والعقار باق رعاية للمصلحة فليتأمل ا هـ ما في شرح الوهبانية : قلت : وفيه نظر لظهور الفرق بين الوقف والعتق ، فإن العتق عقد لازم واستهلاك للرهن من كل وجه بخلاف الوقف ، فإنه حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة عند الإمام ، ولهذا يدوم الثواب بدوامه لبقائه على ملكه ، وقد وقع الخلاف في عوده إلى ملك الواقف بعد خرابه .

وفي جواز بيعه إذا أطلقه القاضي للواقف أو وارثه كما مر بخلاف العبد بعد العتق فإنه لا خلاف في عدم عوده إلى الملك ، فلذا كان الوقف موقوفا على الفكاك ، فإذا افتكه نفذ ، وإن لم يفتكه حتى مات وترك مالا فإنه يفتك منه ، وإن لم يترك مالا يبطل لتعذر الفكاك من العين بدونه والمنفعة كالكسب خارجة عن الرهن ، فإن الذي كان للمرتهن فيه حق الحبس إنما هو العين ، وأما العبد فلا يمكن رده بعد العتق إلى الملك بوجه فلذا يستسعى ولأن العتق من أول الأمر صدر منجزا غير موقوف بخلاف الوقف هذا ما ظهر لي ( قوله : أو للغلة يمهل ) حكاية قول آخر فليست أو فيه للتخيير ، لكن علمت أن هذا القول بحث غير منقول ، وأنه قياس مع الفارق فهو غير مقبول ( قوله : قلت لكن إلخ ) استدراك على قوله صحيح . ا هـ . ح والأقرب أنه استدراك على ما في الوهبانية فإنه في معناه أيضا . [ ص: 399 ] مطلب في وقف الراهن والمريض والمديون ( قوله : فأجاب لا يصح ولا يلزم إلخ ) هذا مخالف لصريح المنقول كما قدمناه عن الذخيرة والفتح إلا أن يخصص بالمريض المديون .

وعبارة الفتاوى الإسماعيلية لا ينفذ القاضي هذا الوقف ويجبر الواقف على بيعه ووفاء دينه والقضاة ممنوعون عن تنفيذه كما أفاده المولى أبو السعود ا هـ وهذا التعبير أظهر وحاصله أن القاضي إذا منعه السلطان عن الحكم به كان حكمه باطلا لأنه وكيل عنه ، وقد نهاه الموكل صيانة لأموال الناس ، ويكون جبره على بيعه من قبيل إطلاق القاضي بيع وقف لم يسجل وقد مر الكلام فيه وينبغي ترجيح بطلان الوقف بذلك للضرورة .




الخدمات العلمية