الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( ، ويمنعون ) ، وإن لم يشرط منعهم في عقد الذمة على المعتمد ( وجوبا ، وقيل : ندبا من رفع بناء ) لهم ، ولو لخوف سراق يقصدونهم فقط على الأوجه ( على بناء جار مسلم ) ، وإن كان في غاية القصر ، وقدر على تعليته من غير مشقة نعم بحث البلقيني تقييده بما إذا اعتيد مثله للسكنى ، وإلا لم يكلف الذمي النقص عن أقل المعتاد ، وإن عجز المسلم عن تتميم بنائه ، وذلك لحق الله تعالى ، وتعظيما لدينه فلا يباح برضا الجار ، أما جار ذمي فلا منع

                                                                                                                              وإن اختلفت ملتهما على الأوجه ، وخرج برفع شراؤه لدار عالية لم تستحق الهدم فلا يمنع إلا من الإشراف منها كصبيانهم فيمنع من طلوع سطحها إلا بعد تحجيره كما قاله الماوردي ، وغيره ، ونازع فيه الأذرعي بأنه زيادة تعلية إن كان بنحو بناء ، ويجاب بأنه لمصلحتنا فلم ينظر فيه لذلك ، وله استئجارها أيضا ، وسكناها لكن يأتي ما تقرر عن الماوردي هنا أيضا كما هو ظاهر ، وتردد الزركشي في بقاء روشنها ؛ لأن التعلية من حقوق الملك ، والروشن لحق الإسلام ، وقد زال

                                                                                                                              وقضية كلامهم بقاؤه ؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء ، ولا نسلم أن التعلية من حقوق الملك لا غير ، بل هي من حقوق الإسلام أيضا كما صرحوا به بقولهم لو رضي الجار بها لم تجز ؛ لأن الحق لله تعالى على أنها أولى بالمنع من الروشن ألا ترى أن المسلم لو أذن في إخراج روشن في هواء ملكه جاز ، ولا كذلك التعلية والأوجه أن الجار هنا أربعون من كل جانب كما في الوصية ، وقول الجرجاني [ ص: 297 ] المراد أهل محلته لا كل أهل البلد فيه نظر ، وإن استظهره الزركشي ، وغيره ؛ لأنه قد لا يعلو على أهل محلته ، ويعلو على ملاصقه من محلة أخرى نعم إن شرط مع الضبط بذلك بعده عن بناء المسلم من سائر الجوانب عرفا بحيث صار لا ينسب إليه لم يبعد اعتماده حينئذ ( ، والأصح المنع من المساواة ) أيضا تمييزا بينهما ( و ) الأصح ( أنهم لو كانوا بمحلة منفصلة ) عن المسلمين كطرف متقطع عن العمارة بأن كان داخل السور مثلا ، وليس بحارتهم مسلم يشرفون عليه لبعد ما بين البناءين فاندفع استشكال تصوير الانفصال مع عده من البلد ( لم يمنعوا ) من رفع البناء ؛ إذ لا ضرر هنا بوجه ، ولو لاصقت أبنيتهم دورا لبلد من جانب جاز الرفع من بقية الجوانب أي : حيث لا إشراف منه ، وأفتى أبو زرعة بمنع بروزهم في نحو النيل على جار مسلم لإضرارهم له بالاطلاع على عورته ، ونحو ذلك كالإعلاء قال : بل قياس منع المساواة ثم منعها هنا انتهى

                                                                                                                              وإنما يتجه إن جاز ذلك في أصله أما إذا منع من هذا حتى المسلم كما مر في إحياء الموات فلا وجه لذكره هنا نعم يتصور في نهر حادث مملوكة حافاته ، ولو رفع على بناء المسلم لم يسقط الهدنة بتعلية المسلم ، وكذا بيعه لمسلم على الأوجه أخذا من قولهم في مواضع من الصلح ، والعارية يثبت للمشتري ما كان لبائعه ، ويتردد النظر فيما لو أسلم قبل الهدم ، والذي يتجه إبقاؤه ترغيبا في الإسلام كما يسقط عنه الرجم بإسلامه ، ثم رأيت شيخنا قال فيما باعه لمسلم ، أو أسلم الظاهر أخذا من كلام ابن الرفعة ، وغيره أن ذلك يمنع من الهدم قال الأذرعي وحكمت أيام قضائي على يهودي بهدم بناء أعلاه ، وبالنقص عن المساواة لجاره المسلم فأسلم فأقررته على بنائه انتهى فما قالاه في الإسلام يوافق ما ذكرته

                                                                                                                              وما قاله شيخنا في البيع لمسلم يخالف ما ذكرته ، والأوجه ما ذكرته لما علمت أنه الموافق لكلامهم .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله : ولو لخوف سراق ) بل ظاهره ، ولو لخوف القتل ، ونحوه نعم إن تعين الدفع طريقا في دفع القتل ، أو نحوه لم يبعد الجواز فلو لم يمكن الاحتراز منه إلا بالانتقال إلى بلد أخرى فهل يكلف الانتقال ، وإن شق حسا ، ومعنى لمفارقة المألوف ، أو لا فيه نظر .

                                                                                                                              ( قوله : على بناء جار مسلم إلخ . ) ، وقع السؤال عما لو اشترك مسلم ، وذمي في بناء دار ، ولهما جار مسلم هل يهدم ، والجواب أن المتجه أنه يهدم ؛ لأنه صدق عليه أنه أعلى بناء ذمي على جاره المسلم ، وأنه لا ضمان على الذمي بنقضه آلة المسلم ، أو تلفها بالهدم ، وإن كان الهدم بسببه فإن قيل كيف قدم المقتضي للهدم ، وهو جهة الذمي على المانع فلذا هدم ، والمانع مقدم على المقتضي ( قوله : وتردد الزركشي إلخ . ) تردده مفروض فيما لو ملك دارا لها روشن كما أفادته عبارة شرح الروض ( قوله : لو أذن ) ظاهره أذن للذمي ، وحينئذ [ ص: 297 ] فليراجع ذلك فإنه مشكل

                                                                                                                              ( قوله : ويعلو على ملاصقه من محلة أخرى ) قد يقال : كل ملاصق له من أي جانب هو من محلته ( قوله : نعم إن شرط مع الضبط بذلك بعده عن بناء المسلم من سائر الجوانب إلخ . ) ، ولو لاصقت دار الذمي دار مسلم من أحد جوانبها اعتبر في ذلك الجانب عدم الارتفاع ، والمساواة ، ولا يعتبر ذلك في بقية الجوانب ؛ لأنه لا جار فيه كنز ( قوله : والذي يتجه إبقاؤه ترغيبا في الإسلام إلخ . ) أفتى بذلك شيخنا الشهاب الرملي ، وخالفه في هامش الأنوار فكتب فيه عدم التقرير ، وفرق بما كتبناه ببعض الهوامش



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قوله : وإن لم يشرط ) إلى قوله : ، والأوجه في النهاية إلا قوله : على المعتمد ، وقوله : فقط ( قوله : ولو لخوف سراق إلخ ) بل ظاهره ، ولو لخوف القتل ، ونحو منعهم إن تعين الرفع طريقا في دفع القتل ، أو نحوه لم يبعد الجواز ا هـ . سم ( قول المتن على بناء جار مسلم إلخ ) وقع السؤال عما لو اشترك مسلم ، وذمي في بناء أعلى من بناء جار لهما مسلم هل يهدم ، والجواب أن المتجه أنه يهدم ؛ لأنه صدق عليه إعلاء بناء ذمي على جاره المسلم ، وأنه لا ضمان على الذمي بنقضه آلة المسلم ، أو تلفها بالهدم ، وإن كان الهدم بسببه ا هـ . سم بحذف

                                                                                                                              ( قوله : وإن كان ) إلى قوله : ولا نسلم في المغني إلا قوله : كما قاله إلى ، وله استئجاره ، وقوله : لكن يأتي ، وتردد ( قوله : وقدر ) أي : المسلم ( قوله : نعم بحث البلقيني ) عبارة النهاية نعم يتجه كما قاله البلقيني ا هـ . وعبارة المغني ، ومحل المنع كما قال البلقيني إذا كان بناء المسلم مما يعتاد في السكنى فلو كان قصيرا لا يعتاد فيها ؛ لأنه لم يتم بناؤه ، أو لأنه هدمه إلى أن صار كذلك لم يمنع الذمي من بناء جداره على أقل ما يعتاد في السكنى ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله : وإن عجز المسلم إلخ ) غاية في قوله : لم يكلف الذمي إلخ . ( قوله : وذلك ) راجع إلى ما في المتن ( قوله : أما جار ذمي إلخ ) محترز قول المصنف مسلم ( قوله : شراؤه إلخ ) وكذا ما بنوه قبل تملك بلادهم ؛ لأنه وضع بحق ، فإن انهدم البناء المذكور امتنع العلو ، والمساواة مغني ( قوله : عالية ) أي : أو مساوية بالأولى ( قوله : فلا يمنع ) أي : الذمي ( قوله : من الإشراف ) أي : على المسلم

                                                                                                                              ( قوله : كصبيانهم ) أي : كمنع صبيانهم من الإشراف على المسلم بخلاف صبياننا حكاه في الكفاية عن الماوردي ا هـ . مغني ( قوله : فيمنع ) أي : كل من الذمي ، وصبيانه ( قوله : إلا بعد تحجيره ) أي : نصب ما يمنع الإشراف ( قوله : كما قاله ) إلى قوله : وله إلخ عبارة النهاية ، ولا يقدح في ذلك كونه زيادة تعليته إن كان بنحو بناء ؛ لأنه لما كان لمصلحتنا لم ينظر فيه لذلك ا هـ . ( قوله : ونازع فيه ) أي : في الاستثناء المذكور ( قوله : بأنه ) أي التحجير ( قوله : وله استئجارها إلخ ) أي بلا خلاف ا هـ مغني وينبغي واستعارتها إلا أن يوجد نقل بخلافه فليراجع ( قوله : أيضا ) أي كالشراء ( قوله : لكن يأتي ) أي : في السكنى ( قوله : ما تقرر ) أي : من منع طلوع سطوحها إلا بعد تحجيره ( قوله : وتردد الزركشي إلخ ) تردده مفروض فيما لو ملك دارا لها روشن كما أفادته عبارة شرح الروض أي : ، والمغني ا هـ . سم عبارتهما نقلا عن الزركشي ، وهل يجري مثله فيما لو ملك دارا لها روشن حيث قلنا لا يشرع له روشن أي : وهو الأصح ، أو لا يجري ؛ لأن التعلية إلخ .

                                                                                                                              ( قوله : وقد زال ) أي : حق الإسلام أي : بانتقال الدار إلى الذمي ( قوله ، وقضية كلامهم إلخ . ) عبارة المغني ، والأوجه الأول ا هـ . أي : جريان حكم التعلية في الروشن ( قوله : ولا نسلم إلخ . ) يشير بهذا إلى رد قول الزركشي في تردده ؛ لأن التعلية من حقوق الملك إلخ ا هـ . رشيدي ( قوله : أيضا ) أي : كما أنها من حقوق الملك ( قوله : أن المسلم لو أذن إلخ ) أي : للذمي في إخراج الروشن في هواء ملك المسلم كما هو صريح الكلام ، ولا إشكال في ذلك ، وإن استشكله الشهاب ابن قاسم ؛ لأن الذمي إنما يمنع من الإشراع في الطرق المسبلة ؛ لأنه شبيه بالإحياء ، وهو ممنوع ، ولا كذلك الإشراع في ملك المسلم بإذنه ؛ لأن المنع إنما كان لخصوص حق الملك كما لا يخفى ا هـ . رشيدي

                                                                                                                              وقوله : وقول الجرجاني إلخ اعتمده النهاية ، والمغني وشيخ الإسلام لكن زاد الأول ما نصه نعم في هذه الحالة لا بد من مراعاة [ ص: 297 ] ملاصقة ا هـ . قال الرشيدي قوله : نعم في هذه الحالة إلخ فالحاصل حينئذ أنه لا يعلو على أهل محلته ، وإن لم يلاصقوه ، ولا على ملاصقيه ، وإن لم يكونوا من أهل محلته ا هـ . ، وهو أيضا حاصل قول الشارح الآتي نعم إن شرط إلخ ( قوله : المراد أهل محلته إلخ ) عبارة النهاية ، والأوجه أن الجار هنا أهل محلته كما قاله الجرجاني ، واستظهره الزركشي وغيره ا هـ . أي : فما زاد على أهل محلته لا يمنع من مساواة بنائه له ، أو ارتفاعه عليه ، ولو لم يصل للأربعين دارا ا هـ . ع ش

                                                                                                                              ( قوله : ويعلو على ملاصقة إلخ ) قد يقال : كل ملاصق له من أي جانب كان هو من محلته ا هـ . سم ( قوله : بذلك ) أي : بما قاله الجرجاني ( قوله : بعده ) أي : بناء الذمي ( قوله : بحيث صار ) أي : بناء الذمي لا ينسب إليه أي : إلى بناء المسلم من حيث الجيرة ( قوله : لم يبعد اعتماده ) أي : قول الجرجاني ( قوله : أيضا ) إلى قوله : بأن كان في المغني ، وإلى قوله : ويتردد النظر في النهاية إلا قوله : فاندفع إلى المتن ( قوله : بينهما ) أي : بناء المسلم ، وبناء الذمي ( قول المتن : بمحلة ) ، والمحل بفتح الحاء ، والكسر لغة موضع الحلول ، والمحل بالكسر الأجل ، والمحلة بالفتح المكان الذي ينزله القوم ا هـ . ع ش عن المصباح

                                                                                                                              ( قوله : كطرف ) أي : من البلد ا هـ . مغني ( قوله : بأن كان إلخ ) مراده بذلك تصوير الانفصال مع عده من البلد ا هـ . رشيدي ( قوله : وليس بحارتهم إلخ ) حال من الواو في كانوا ( قوله : مع عده ) أي : المنفصل ( قوله : من رفع البناء ) إلى قوله : أي : حيث في المغني ( قوله : بمنع بروزهم ) لعل المراد بالبروز هنا أن يكون بناؤه في حافة النهر أقرب منه بالنسبة إلى بناء جاره المسلم لكن قد يناسبه التعليل الآتي ؛ إذ لا يلزم من القرب المذكور الاطلاع على عورة جاره البعيد منه بالنسبة إلى النهر فليحرر ( قوله : في نحو النيل ) عبارة النهاية في نحو الخلجان ا هـ . ( قوله : على جار مسلم ) عبارة النهاية على بناء جار مسلم ا هـ . قال ع ش قوله : على بناء جار مسلم ظاهر التقييد به أنه لا يمنع من البروز على الخلجان بغير هذا القيد ، وحيث قيد بالجار فانظر في أي صورة يخالف الخلجان فيها غيرها من الدور حتى تكون مقصودة بالحكم ا هـ . ع ش .

                                                                                                                              وتظهر المخالفة بما قدمته آنفا من المراد بالبروز ( قوله : كالإعلاء ) أي : كالإضرار به ( قوله : ثم ) أي : في البناء ( قوله : نعم يتصور ) أي : البروز ( قوله : ولو رفع ) إلى قوله : أخذا في المغني ( قوله : وكذا ببيعه لمسلم إلخ ) ظاهره ، وإن لم يحكم بالهدم حاكم قبل البيع ، وعبارة شيخنا الزيادي ، ولو بنى دارا عالية ، أو مساوية ، ثم باعها لمسلم لم يسقط الهدم إذا كان بعد حكم الحاكم بالهدم ، وإلا سقط ا هـ . ع ش ، وذكر المغني عن ابن الرفعة مثلها ، وأقره ( قوله : والذي يتجه إبقاؤه إلخ ) قال ع ش استظهره شيخنا الزيادي ا هـ . وقال سم أفتى به شيخنا الشهاب الرملي ا هـ . ، وعبارة النهاية

                                                                                                                              وقيل : الأوجه بقاؤه ترغيبا في الإسلام ، وأفتى الوالد بخلافه ، وهو مقتضى إطلاقهم ا هـ . ولعله أفتى بهما في ، وقتين متغايرين فليراجع . ( قوله : قال الأذرعي وحكمت إلخ ) أقره المغني ( قوله : وبالنقص إلخ ) لعله عطف تفسير ( قوله : فما قالاه ) أي الشيخ ، والأذرعي




                                                                                                                              الخدمات العلمية