الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        ( ولا يقتلوا امرأة ولا صبيا ولا شيخا فانيا ولا مقعدا ولا أعمى ) لأن المبيح للقتل عندنا هو الحراب ولا يتحقق منهم ، ولهذا لا يقتل يابس الشق والمقطوع اليمنى والمقطوع يده ورجله من خلاف .

                                                                                                        [ ص: 234 ] والشافعي رحمه الله تعالىيخالفنا في الشيخ الفاني ، والمقعد والأعمى ، لأن المبيح عنده الكفر والحجة عليه ما بينا .

                                                                                                        [ ص: 235 ] وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام { نهى عن قتل الصبيان والذراري . [ ص: 236 ] وحين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة قال : ها ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت }

                                                                                                        قال : ( إلا أن يكون أحد هؤلاء ممن له رأي في الحرب أو تكون المرأة ملكة ) لتعدي ضررها إلى العباد وكذا يقتل من قاتل من هؤلاء دفعا لشره ولأن القتال مبيح حقيقة ( ولا يقتلوا مجنونا ) لأنه غير مخاطب إلا أن يقاتل فيقتل دفعا لشره غير أن الصبي والمجنون يقتلان ما داما يقاتلان وغيرهما لا بأس بقتله بعد الأسر لأنه من أهل العقوبة لتوجه الخطاب نحوه ، وإن كان يجن ويفيق فهو في حال إفاقته كالصحيح .

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        الحديث الثاني عشر : وقد صح أنه عليه السلام { نهى عن قتل الصبيان والذراري }قلت : غريب بهذا اللفظ وأخرج الجماعة إلا ابن ماجه عن نافع عن ابن عمر { أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان }انتهى .

                                                                                                        وفي لفظ للشيخين : { فأنكر قتل النساء والصبيان }وأخرج أبو داود عن خالد بن الفرز حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { انطلقوا باسم الله ، وعلى ملة رسول الله ، لا تقتلوا شيخا فانيا ، ولا طفلا ، ولا صغيرا ، ولا امرأة ، ولا تغلوا ، وضموا غنائمكم ، وأصلحوا ، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين }انتهى .

                                                                                                        وخالد بن الفرز ، قال ابن معين : ليس بذاك ، قال البيهقي : وهو معارضة ما أخرجه أبو داود أيضا عن الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن الحسن عن سمرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم }انتهى .

                                                                                                        قال : والحجاج بن أرطاة غير محتج به ، والحسن عن سمرة منقطع في غير حديث العقيقة ، على ما ذكره بعض أهل العلم بالحديث انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : يشكل عليه ، أخرجه الأئمة الستة عن { الصعب بن جثامة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدار من المشركين يبيتون ، فيصاب من ذراريهم ونسائهم ، فقال عليه السلام : هم منهم ، وفي لفظ : هم من آبائهم } ، انتهى .

                                                                                                        زاد أبو داود : قال الزهري : ثم { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان }انتهى .

                                                                                                        وأجيب عنه بوجهين : أحدهما : أنه منسوخ ، نقله الحازمي في " الناسخ والمنسوخ " عن سفيان بن عيينة ، وقد [ ص: 236 ] ذكره أبو داود عن الزهري الثاني : أن حديث الصعب هذا إنما هو في تبييت العدو إذا أغير عليه ، فقتل من الذرية من غير قصد ، ضرورة التوصل إلى العدو ، وأما مع عدم الحاجة فالعمل على حديث ابن عمر ، والمنع من قتلهم لوجهين : أحدهما : أنهم غنيمة للمسلمين ، فلا يجوز إتلافها الثاني : أن الشارع ليس من غرضه إفساد العالم ، وإنما غرضه إصلاحه ، وذلك يحصل بإهلاك المقاتلة ، وما ثبت بالضرورة فيتقدر بقدرها ، والله أعلم .

                                                                                                        الحديث الثالث عشر : روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة ، فقال : هاه ، ما كانت هذه تقاتل ، فلم قتلت ؟ }قلت : أخرج أبو داود ، والنسائي عن أبي الوليد الطيالسي عن عمر بن المرقع بن صيفي حدثني أبي عن جده رباح بن الربيع بن صيفي ، قال : { كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فرأى الناس مجتمعين على شيء ، فبعث رجلا ، فقال : انظر على ما اجتمع هؤلاء ؟ فجاء ، فقال : امرأة قتيل ، فقال : ما كانت هذه لتقاتل ، وعلى المقدمة خالد بن الوليد ، فبعث رجلا ، فقال : قل لخالد : لا يقتلن امرأة ، ولا عسيفا }انتهى .

                                                                                                        وأخرجه النسائي أيضا ، وابن ماجه عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد [ ص: 237 ] عن المرقع عن جده رباح ، فذكره ورواه أحمد في " مسنده " عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبي الزناد به ، وكذلك رواه ابن حبان في " صحيحه " ، والحاكم في " المستدرك " ، وفي لفظه : فقال .

                                                                                                        { هاه ، ما كانت تقاتل } ، الحديث ، ثم قال : وهكذا رواه المغيرة بن عبد الرحمن ، وابن جريج عن أبي الزناد ، فصار الحديث صحيحا على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه انتهى .

                                                                                                        فحديث المغيرة تقدم عند النسائي ، وابن ماجه ، وحديث ابن جريج عند عبد الرزاق في " مصنفه " أخبرنا ابن جريج عن أبي الزناد عن المرقع به .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه النسائي وابن ماجه عن سفيان الثوري عن أبي الزناد عن المرقع بن صيفي عن حنظلة الكاتب ، قال : { غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا على امرأة مقتولة ، قد اجتمع عليها الناس ، فقال : ما كانت هذه تقاتل ، ثم قال لرجل : انطلق إلى خالد بن الوليد ، فقل له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك لا تقتلن ذرية ، ولا عسيفا } ، انتهى ورواه أيضا أحمد في " مسنده " ، وابن حبان في " صحيحه " ، وقال : هذا الخبر سمعه المرقع بن صيفي عن حنظلة الكاتب ، وسمعه من جده رباح بن الربيع ، والخبران محفوظان انتهى .

                                                                                                        قال ابن أبي حاتم في " كتاب العلل " : سألت أبي ، وأبا زرعة عن حديث رواه سفيان الثوري عن أبي الزناد عن المرقع بن صيفي عن حنظلة الكاتب ، قال : { خرج النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه } ، الحديث ، فقالا : هذا خطأ ، فقال : إنه من وهم الثوري ، إنما هو المرقع بن صيفي عن جده رباح بن الربيع ، أخي حنظلة بن الربيع عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا يرويه مغيرة بن عبد الرحمن ، وزياد بن سعد ، وعبد الرحمن بن أبي الزناد ، وهو الصحيح انتهى .

                                                                                                        وقال البيهقي في " المعرفة " : مرقع بن صيفي بن رباح ، ويقال : رياح ، قال البخاري : ورباح أصح ، وروى هذا الحديث عنه موسى بن عقبة ، وأبو الزناد ، وأبيه عمر ، وأقام إسناده عن أبي الزناد أبيه ، والمغيرة بن عبد الرحمن ، ورواه الثوري عن أبي الزناد عن مرقع عن حنظلة الكاتب ، قال البخاري : وهو وهم انتهى .

                                                                                                        وقال الدارقطني : ليس في الصحابة أحد يقال له : رباح ، إلا هذا ، مع اختلاف فيه ، والله أعلم .




                                                                                                        الخدمات العلمية