الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقال ثابت البناني أدركت رجالا كان أحدهم يصلي فيعجز عن أن يأتي فراشه إلا حبوا وقيل مكث أبو بكر بن عياش أربعين سنة لا يضع جنبه على فراش ونزل الماء في إحدى عينيه فمكث عشرين سنة لا يعلم به أهله وقيل كان ورد سمنون في كل يوم خمسمائة ركعة .

وعن أبي بكر المطوعي قال كان وردي في شبيبتي كل يوم وليلة أقرأ فيه قل هو الله أحد إحدى وثلاثين ألف مرة أو أربعين ألف مرة شك الراوي وكان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت رجل أصيب بمصيبة منكسر الطرف منخفض الصوت رطب العينين إن حركته جاءت عيناه بأربع ولقد قالت له أمه ما هذا الذي تصنع بنفسك تبكي الليل عامته لا تسكت لعلك يا بني أصبت نفسا لعلك قتلت قتيلا فيقول يا أمه أنا أعلم بما صنعت بنفسي وقيل لعامر بن عبد الله كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر فقال هل هو إلا أني صرفت طعام النهار إلى الليل ونوم الليل إلى النهار وليس في ذلك خطير أمر وكان يقول ما رأيت مثل الجنة نام طالبها ولا مثل النار نام هاربها وكان إذا جاء الليل قال أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يصبح فإذا جاء النهار قال أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يمسي فإذا جاء الليل قال من خاف أدلج وعند الصباح يحمد القوم السرى .

وقال بعضهم صحبت عامر بن عبد القيس أربعة أشهر فما رأيته نام بليل ولا نهار .

ويروى عن رجل من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال صليت خلف علي رضي الله تعالى عنه الفجر فلما سلم انفتل عن يمينه وعليه كآبة فمكث حتى طلعت الشمس ثم قلب يده وقال والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما أرى اليوم شيئا يشبههم كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم وكانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم وكأن القوم باتوا غافلين يعني من كان حوله وكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطا في مسجد بيته يخوف به نفسه وكان يقول لنفسه قومي فوالله لأزحفن بك زحفا حتى يكون الكلل منك لا مني فإذا دخلت الفترة تناول سوطه وضرب به ساقه ويقول أنت أولى بالضرب من دابتي وكان يقول أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا كلا والله لنزاحمهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا .

وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له القيامة غدا ما وجد متزايدا .

وكان إذا جاء الشتاء اضطجع على السطح ليضربه البرد وإذا كان في الصيف اضطجع داخل البيوت ليجد الحر فلا ينام وإنه مات وهو ساجد وإنه كان يقول اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي .

وقال القاسم بن محمد غدوت يوما وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها أسلم عليها فغدوت يوما إليها فإذا هي تصلي صلاة الضحى وهي تقرأ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم وتبكي وتدعو وتردد الآية فقمت حتى مللت وهي كما هي فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت أفرغ من حاجتي ثم أرجع ففرغت من حاجتي ثم رجعت وهي كما هي تردد الآية وتبكي وتدعو .

وقال محمد بن إسحاق لما ورد علينا عبد الرحمن بن الأسود حاجا اعتلت إحدى قدميه فقام يصلي على قدم واحدة حتى صلى الصبح بوضوء العشاء .

وقال بعضهم ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام الليل .

وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه سيما الصالحين صفرة الألوان من السهر وعمش العيون من البكاء وذبول الشفاه من الصوم عليهم غبرة الخاشعين وقيل للحسن ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها فقال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره وكان عامر بن عبد القيس يقول إلهي خلقتني ولم تؤامرني وتميتني ولا تعلمني وخلقت معي عدوا وجعلته يجري مني مجرى الدم وجعلته يراني ولا أراه ثم قلت لي استمسك إلهي كيف أستمسك إن لم تمسكني إلهي في الدنيا الهموم والأحزان وفي الآخرة العقاب والحساب فأين الراحة والفرح وقال جعفر بن محمد كان عتبة الغلام يقطع الليل بثلاث صيحات كان إذا صلى العتمة وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا مضى ثلث الليل صاح صيحة ثم وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا مضى الثلث الثاني صاح صيحة ثم وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا كان السحر صاح صيحة قال جعفر بن محمد فحدثت به بعض البصريين فقال لا تنظر إلى صياحه ولكن انظر إلى ما كان فيه بين الصيحتين حتى صاح وعن القاسم بن راشد الشيباني قال كان زمعة نازلا عندنا بالمحصب وكان له أهل وبنات وكان يقوم فيصلي ليلا طويلا فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته أيها الركب المعرسون أكل هذا الليل ترقدون أفلا تقومون فترحلون فيتواثبون فيسمع من ههنا باك ومن ههنا داع من ههنا قارئ ومن ههنا متوضئ فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند الصباح يحمد القوم السرى .

وقال بعض الحكماء إن لله عبادا أنعم عليهم فعرفوه وشرح صدورهم فأطاعوه وتوكلوا عليه فسلموا الخلق والأمر إليه فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين وبيوتا للحكمة وتوابيت للعظمة وخزائن للقدرة فهم بين الخلق مقبلون ومدبرون وقلوبهم تجول في الملكوت وتلوذ بمحجوب الغيوم ثم ترجع ومعها طوائف من لطائف الفوائد وما لا يمكن واصفا أن يصفه فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا وهم الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا .

وهذه طريقة لا يبلغ إليها بالتكلف وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء .

وقال بعض الصالحين بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس إذ هبطت إلى واد هناك فإذا أنا بصوت قد علا وإذا تلك الجبال تجيبه لها دوي عال فاتبعت الصوت فإذا أنا بروضة عليها شجر ملتف وإذا أنا برجل قائم فيها يردد هذه الآية يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا إلى قوله ويحذركم الله نفسه قال فجلست خلفه أسمع كلامه وهو يردد هذه الآية إذ صاح صيحة خر مغشيا عليه فقلت وا أسفاه هذا لشقائي .

ثم انتظرت إفاقته فأفاق بعد ساعة فسمعته وهو يقول أعوذ بك من مقام الكذابين أعوذ بك من أعمال البطالين أعوذ بك من إعراض الغافلين .

ثم قال لك خشعت قلوب الخائفين وإليك فزعت آمال المقصرين ولعظمتك ذلت قلوب العارفين ثم نفض يده فقال ما لي وللدنيا وما للدنيا وما لي عليك يا دنيا بأبناء جنسك وألاف نعيمك إلى محبيك فاذهبي وإياهم فاخدعي ثم قال أين القرون الماضية وأهل الدهور السالفة في التراب يبلون وعلى الزمان يفنون فناديته يا عبد الله أنا منذ اليوم خلفك أنتظر فراغك فقال وكيف يفرغ من يبادر الأوقات وتبادره يخاف سبقها بالموت إلى نفسه أم كيف يفرغ من ذهبت أيامه وبقيت آثامه ثم قال أنت لها ولكل شدة أتوقع نزولها ثم لها عني ساعة وقرأ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ثم صاح صيحة أخرى أشد من الأولى وخر مغشيا عليه فقلت قد خرجت روحه فدنوت منه فإذا هو يضطرب ثم أفاق وهو يقول من أنا ما خطري هب لي إساءتي من فضلك وجللني بسترك واعف عن ذنوبي بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك فقلت له بالذي ترجوه لنفسك وتثق به إلا كلمتني فقال عليك بكلام من ينفعك كلامه ودع كلام من أوبقته ذنوبه إني لفي هذا الموضع مذ شاء الله أجاهد إبليس ويجاهدني فلم يجد عونا علي ليخرجني مما أنا فيه غيرك فإليك عني يا مخدوع فقد عطلت علي لساني وميلت إلى حديثك شعبة من قلبي وأنا أعوذ بالله من شرك ثم أرجو أن يعيذني من سخطه ويتفضل علي برحمته قال فقلت هذا ولي الله أخاف أن أشغله فأعاقب في موضعي هذا فانصرفت وتركته .

وقال بعض الصالحين بينما أنا أسير في مسير لي إذ ملت إلى شجرة لأستريح تحتها فإذا أنا بشيخ قد أشرف علي فقال لي يا هذا قم فإن الموت لم يمت ثم هام على وجهه فاتبعته فسمعته وهو يقول كل نفس ذائقة الموت اللهم بارك لي في الموت فقلت وفيما بعد الموت فقال من أيقن بما بعد الموت شمر مئزر الحذر ولم يكن له في الدنيا مستقر ثم قال يا من لوجهه عنت الوجوه بيض وجهي بالنظر إليك واملأ قلبي من المحبة لك وأجرني من ذلك التوبيخ غدا عندك فقد آن لي الحياء منك وحان لي الرجوع عن الإعراض عنك قم قال لولا حلمك لم يسعني أجلي ولولا عفوك لم ينبسط فيما عندك أملي ثم مضى وتركني .

وقد أنشدوا في هذا المعنى .


نحيل الجسم مكتئب الفؤاد تراه بقمة أو بطن وادي     ينوح على معاص فاضحات
يكدر ثقلها صفو الرقاد     فإن هاجت مخاوفه وزادت
فدعوته أغثني يا عمادي     فأنت بما ألاقيه عليم
كثير الصفح عن زلل العباد

وقيل أيضا .


ألذ من التلذذ بالغواني     إذا أقبلن في حلل حسان
منيب فر من أهل ومال     يسيح إلى مكان من مكان


ليخمل ذكره ويعيش فردا     ويظهر في العبادة بالأماني
تلذذه التلاوة أين ولى     وذكر بالفؤاد وباللسان
وعند الموت يأتيه بشير     يبشر بالنجاة من الهوان
فيدرك ما أراد وما تمنى     من الراحات في غرف الجنان

وكان كرز بن وبرة يختم القرآن في كل يوم ثلاث مرات ويجاهد نفسه في العبادات غاية المجاهدة فقيل له قد أجهدت نفسك فقال كم عمر الدنيا فقيل سبعة آلاف سنة فقال كم مقدار يوم القيامة فقيل خمسون ألف سنة فقال كيف يعجز أحدكم أن يعمل سبع يوم حتى يأمن ذلك اليوم يعني أنك لو عشت عمر الدنيا واجتهدت .

سبعة آلاف سنة وتخلصت من يوم واحد كان مقداره خمسين ألف سنة لكان ربحك كثيرا وكنت بالرغبة فيه جديرا فكيف وعمرك قصير والآخرة لا غاية لها .

التالي السابق


(وقال ) أبو محمد (ثابت ) بن أسلم (البناني ) رحمه الله تعالى (أدركت رجالا كان أحدهم يصلي فيعجز عن أن يأتي فراشه إلا حبوا ) وروى البيهقي في الشعب عن علي بن غنام قال كان في بني عدي ثلاثون شيخا لا يأتون فرشهم إلا زحفا أو حبوا (وقيل مكث أبو بكر بن عياش ) بن سالم الأسدي الكوفي الحناط المقري قيل اسمه كنيته وقيل اسمه محمد وقيل غير ذلك إلى ثلاثة عشر قولا وقد تقدم (أربعين سنة لا يضع جنبه على فراش ونزل الماء في إحدى عينيه فمكث عشرين سنة لا يعلم به أهله ) قال أبو السكين الطائي سمعت أبا بكر يقول لابنه وأراه غرفة يا بني إياك أن تعصي الله عز وجل فيها فإني قد ختمت فيها اثني عشر ألف ختمة وقال غيره لما حضرت أبا بكر الوفاة بكت ابنته فقال يا بنية لا تبكي أتخافين أن يعذبني الله عز وجل وقد ختمت في هذه الزاوية أربعة وعشرين ألف ختمة وقال إبراهيم بن شماس السمرقندي سمعت إبراهيم بن أبي بكر قال لما نزل بأبي الموت قلت يا أبت ما اسمك قال يا بني إن أباك لم يكن له اسم وإن أباك أكبر من سفيان بأربع سنين وإنه لم يأت فاحشة قط وإنه يختم القرآن منذ ثلاثين سنة كل يوم مرة (وقيل كان ورد ) أبي الحسن (سمنون ) بن حمزة رحمه الله تعالى (كل يوم خمسمائة ركعة ) وروى القشيري بسنده إلى جعفر الخلدي قال قال أبو أحمد المغازلي كان ببغداد رجل فرق على الفقراء أربعين ألف درهم فقال لي سمنون يا أبا أحمد أما ترى قد أنفق وما قد عمله ونحن ما نجد شيئا فامض بنا إلى موضع نصلي فيه بكل درهم أنفقه ركعة فمضينا إلى المدائن فصلينا أربعين ألف صلاة (وعن أبي بكر ) بن عيسى الأبهري (المطوعي ) قال صاحب الحلية كان من المفوضين وتعلو أحواله على السالكين والسائحين حكى عنه أبو بكر بن طاهر الأبهري (قال كان وردي في شبيبتي في كل يوم وليلة أقرأ فيه قل هو الله أحد إحدى وثلاثين ألف مرة أو أربعين ألف مرة شك الراوي وكان ) أبو عتاب (منصور بن المعتمر ) بن عبد الله بن ربيعة السلمي الكوفي قال ابن مهدي لم يكن بالكوفة أحفظ منه وهو من أصحاب إبراهيم النخعي مات سنة اثنين وثلاثين ومائة روى له الجماعة (إذا رأيته قلت رجل أصيب بمصيبة منكسر الطرف منخفض الصوت رطب العينين إن حركته جاءت عيناه [ ص: 129 ] بأربع ولقد قالت له أمه ) قال أبو بكر بن عياش وكانت فظة غليظة وكان يبرها ويسكت لها (ما هذا الذي تصنع بنفسك تبكي الليل عامته لا تسكت لعلك يا بني أصبت نفسا لعلك قتلت قتيلا فيقول يا أمه أنا أعلم بما صنعت بنفسي ) ، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا أبو حامد بن جبلة حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا العباس بن محمد حدثنا خلف بن تميم حدثنا زائدة بن قدامة أن منصور بن المعتمر صام سنة قام ليلها وصام نهارها وكان يبكي فتقول له أمه يا بني قتلت قتيلا فقال أنا أعلم بما صنعت بنفسي إذا كان الصبح كحل عينيه ودهن رأسه وبرق شفتيه وخرج إلى الناس وروي من طريق سفيان بن عيينة أن منصور بن المعتمر قد كان عمش من البكاء ومن طريق محمد بن عمر وسمعت جريرا يقول كانت أم منصور تقول له يا بني إن لعينيك عليك حقا ولجسمك عليك حقا فكان يقول لها دعي عنك منصورا فإن بين النفختين يوما طويلا ومن طريق أبي الأحوص قال قالت ابنة لجار منصور لأبيها يا أبت أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة قال يا بنية ذاك منصور كان يقوم الليل ومن طريق العلاء بن سالم العبدي قال كان منصور يصلي على سطحه فلما مات قال غلام لأبيه الجذع الذي كان في سطح آل فلان ليس أراه قال يا بني ليس ذاك بجذع ذاك منصور قد مات (وقيل لعامر بن عبد الله ) بن عبد قيس العنبري البصري التابعي العابد وهو المعروف بعامر بن عبد قيس وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب في موضعين ولم أكن ظفرت بترجمته فلما وصلت إلى هنا رأيته في الحلية قال وهو أول من عرف بالنسك واشتهر من عباد التابعين بالبصرة فقدمناه على غيره من الكوفيين لتقدم البصرة على الكوفة بنيت قبل الكوفة بأربع سنين وكذلك أهل البصرة بالنسك والعبادة أشهر وأقدم من الكوفيين وكان عامر بن عبد قيس قد تخرج على أبي موسى الأشعري في النسك والتعبد ومنه تلقى القرآن وعنه أخذ هذه الطريقة (كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر فقال هل هو إلا أني صرفت طعام النهار إلى الليل ونوم الليل إلى النهار وليس في ذلك خطير أمر وكان يقول ما رأيت مثل الجنة نام طالبها ولا مثل النار نام هاربها وكان إذا جاء الليل قال أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يصبح فإذا جاء النهار قال أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يمسي فإذا جاء الليل قال من خاف أدلج عند الصباح يحمد القوم السرى ) قوله ما رأيت مثل الجنة إلخ هو حديث مرفوع من رواية أبي هريرة رواه ابن المبارك في الزهد والترمذي وضعفه . وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب بلفظ ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها وقوله من خاف أدلج هو أيضا حديث مرفوع من رواية أبي هريرة وأبي بن كعب بزيادة ومن أدلج بلغ المنزل فحديث أبي هريرة رواه الترمذي وقال حسن غريب والرامهرمزي في الأمثال والحاكم والبيهقي وحديث أبي بن كعب رواه أبو نعيم في الحلية والحاكم وقوله عند الصباح يحمد القوم السرى من الأمثال المشهورة وقال أبو نعيم في الحلية حدثنا حبيب بن الحسن حدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا خالد بن يزيد العمري حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن علقمة بن مرثد قال انتهى الزهد إلى ثمانية عامر بن عبد الله بن عبد قيس وأويس القرني وهرم بن حيان والربيع بن خثيم ومسروق بن الأجدع والأسود بن يزيد وأبي مسلم الخولاني والحسن بن أبي الحسن فأما عامر بن عبد الله فكان يقول في الدنيا الهموم والأحزان وفي الآخرة النار والحساب فأين الراحة والفرح ثم ساقه وفيه وكان يبيت قائما ويظل صائما ولقد كان إبليس يلتوي في موضع سجوده فإذا ما وجد ريحه نحاه بيده ثم يقول لولا نشك لم أزل عليك ساجدا وهو يتمثل كهيئة الحية ورأيته وهو يصلي فيدخل تحت قميصه حتى يخرج من كمه وثيابه فلا يحيد فقيل له لا تنحي الحية فيقول والله إني لأستحي من الله أن أخاف شيئا غيره والله ما أعلم بها حين تدخل ولا حين تخرج وقيل له إن الجنة تدرك بدون ما تصنع وإن النار تتقى بدون ما تصنع فيقول لا حتى لا ألوم نفسي وكان يقول ما أبكي على دنياكم رغبة فيها ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء .

(وقال بعضهم صحبت عامر بن عبد القيس ) هو عامر بن عبد الله الذي تقدم ذكره يعرف بجده (أربعة أشهر فما [ ص: 130 ] رأيته نام بليل ولا نهار ) روى ابن أبي الدنيا في محاسبته عن محمد بن يحيى الأزدي حدثنا جعفر بن أبي جعفر الرازي عن أبي جعفر السائح أخبرنا ابن وهب وغيره يزيد بعضهم على بعض في الحديث أن عامر بن عبد قيس كان من أفضل العابدين وفرض على نفسه كل يوم ألف ركعة يقوم عند طلوع الشمس فلا يزال قائما إلى العصر ثم ينصرف وقد انتفخت ساقاه وقدماه فيقول يا نفس إنما خلقت للعبادة يا أمارة بالسوء فوالله لأعملن بك عملا لا يأخذ الفراش منك نصيبا (ويروى عن رجل من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال صليت خلف علي رضي الله عنه الفجر فلما سلم انفتل عن يمينه وعليه كآبة فمكث حتى طلعت الشمس ثم قلب يده وقال والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما أرى اليوم شيئا يشبههم كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم وكانوا إذا ذكروا الله مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم وكان القوم باتوا غافلين يعني من كان حوله ) ، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا محمد بن جعفر وعلي بن أحمد قالا حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا محمد بن يزيد أبو هشام حدثنا المحاربي عن مالك بن مغول عن رجل من جعفى عن السدي عن أبي أراكة قال صلى علي رضي الله عنه الغداة ثم لبث في مجلسه حتى ارتفعت الشمس قيد رمح كان عليه كآبة ثم قال لقد رأيت أثرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أرى أحدا يشبههم والله إن كانوا ليصبحون شعثا غبرا صفرا بين أعينهم مثل ركب المعزى قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم إذا ذكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم والله لكان القوم باتوا غافلين (وكان أبو مسلم ) عبد الله بن ثوبان (الخولاني ) اليماني من زهاد التابعين نزل الشام وسكن داريا روى له الجماعة إلا البخاري (قد علق سوطا في مسجد بيته يخوف به نفسه وكان يقول لنفسه قومي فوالله لأزحفن بك زحفا حتى يكون الكلل منك لا مني فإذا دخلته الفترة تناول سوطه وضرب به ساقه ويقول أنت أولى بالضرب من دابتي ) ، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو العباس السراج حدثنا الوليد بن شجاع حدثنا الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة قال كان من أمر أبي مسلم الخولاني أنه علق سوطا في مسجده ويقول أنا أولى بالسوط من الدواب فإذا دخلته فترة شق ساقه سوطا أو سوطين (وكان يقول أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا كلا والله لنزاحمهم زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا ) وقال له قائل حين كبر ورق لو قصرت من بعض ما تصنع فقال أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة ألستم تقولون لفارسها دعها وأرفق بها حتى إذا رأيتم الغاية فلا تستبقوا منها شيئا قالوا بلى قال فإني أبصرت الغاية وإن لكل ساع غاية وغاية كل ساع الموت فسابق ومسبوق (وكان صفوان بن سليم ) المدني أبو عبد الله وقيل أبو الحارث القرشي الزهري الفقيه العابد وأبوه سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال أحمد هو يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره وقال مرة هو ثقة من خيار عباد الله الصالحين قال الواقدي وغيره مات سنة 122 عن اثنتين وسبعين سنة روى له الجماعة (قد تعقدت ساقاه من طول القيام ) في الصلاة (وبلغ من الاجتهاد ما لو قيل له القيامة غدا ما وجد متزايدا ) ، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا الحسن بن علي الوراق حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا محمد بن يزيد الأدمي حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض قال رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له غدا القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة (وكان إذا جاء الشتاء اضطجع على السطح ليضربه البرد وإذا كان في الصيف اضطجع داخل البيوت ليجد الحر والغم فلا ينام ) ، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا جعفر الفريابي حدثنا أمية حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا سليمان بن سالم قال كان صفوان بن سليم في الصيف يصلي بالليل في البيت فإذا كان في الشتاء صلى في السطح لئلا ينام حدثنا أبو محمد بن حيان حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس حدثنا علي بن الحسن السنجاني حدثنا إسحاق بن محمد [ ص: 131 ] الفردي حدثنا مالك بن أنس قال كان صفوان بن سليم يصلي في الشتاء في السطح وفي الصيف في بطن البيت يستيقظ بالحر والبرد حتى يصبح ثم يقول هذا الجهد من صفوان وأنت أعلم به وإنه لترم رجلاه حتى يعود مثل السفط من قيام الليل وتظهر فيها عروق خضر (وإنه مات وهو ساجد ) ، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا محمد بن أحمد بن أيوب المقري حدثنا أبو بكر بن صدقة حدثنا أحمد بن يحيى الصوفي حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل قال سمعت سفيان بن عيينة يقول وأعانه على بعض الحديث أخوه محمد قال أبى صفوان بن سليم أن لا يضع جنبه على الأرض حتى يلقى الله عز وجل فلما حضره الموت وهو منتصب قالت له ابنته يا أبت في هذه الحالة لو ألقيت نفسك قال إذا يا بنية ما وفيت له بالقول وزاد المزي في التهذيب من طريق سفيان أنه مكث على ذلك أكثر من ثلاثين سنة ومن طريق غيره أربعين سنة قال فلما حضرته الوفاة واشتد به النزع والعجز قالت ابنته يا أبت لو وضعت جنبك فقال يا بنية إذا ما وفيت لله عز وجل بالنذر والحلف فمات وإنه لجالس قال سفيان فأخبرني الحفار الذي يحفر قبور أهل المدينة قال حفرت قبر رجل فإذا أنا وقد وقعت على قبر فوافيت جمجمة فإذا السجود قد أثر في عظام الجمجمة فقلت لإسنان قبر من هذا فقال أوما تدري هذا قبر صفوان بن سليم (وكان يقول ) في دعائه (اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي ) ينزع بذلك إلى ما ورد في الخبر من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه .

(وقال القاسم بن محمد ) بن أبي بكر الصديق القرشي التميمي أبو محمد ويقال أبو عبد الرحمن المدني الفقيه الإمام الورع الثقة قال البخاري قتل أبوه قريبا من سنة ست وثلاثين بعد عثمان وبقي القاسم يتيما في حجر عائشة وكان أشبه الناس بجده وكان أعلم الناس بحديث عائشة مات سنة ست ومائة روى له الجماعة (غدوت يوما وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة رضي الله عنها ) وهي عمته وهي التي ربته في حجرها بعد موت أبيه (أسلم عليها فغدوت يوما إليها فإذا هي تصلي صلاة الضحى وهي تقرأ ) قوله تعالى (فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم وتبكي وتدعو وتردد الآية فقمت ) أنتظر فراغها (حتى مللت وهي تبكي وتدعو كما هي ) على حالها (فلما رأيت ذلك ذهبت إلى السوق فقلت أفرغ من حاجتي ثم أرجع ففرغت من حاجتي ثم رجعت وهي كما هي ) على حالها الأولى (تردد الآية وتبكي وتدعو ) ، رواه طالب بن محمد بن علي العشاري في جزئه فقال أخبرنا أبو بكر البرقاني أخبرنا إبراهيم بن محمد المزكي حدثنا محمد بن إسحاق السراج حدثنا محمد بن عمرو الباهلي حدثنا أنس بن عياض حدثنا شيبة بن نصاح عن القاسم بن محمد قال كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة أسلم عليها فغدوت يوما فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم وتدعو وتبكي ترددها فقمت حتى مللت القيام فذهبت إلى السوق لحاجتي ثم رجعت فإذا هي قائمة تصلي وتبكي رضي الله عنها .

(وقال محمد بن إسحاق ) بن يسار المدني أبو بكر ويقال أبو عبد الله القرشي المطلبي مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف جده يسار من بني عين التمر قال ابن معين ثقة حسن الحديث نزل بغداد في سنة خمسين ومائة وقيل بعدها استشهد به البخاري وروى له مسلم في المتابعات واحتج به الباقون (لما ورد علينا عبد الرحمن بن الأسود ) بن يزيد بن قيس النخعي أبو حفص ويقال أبو بكر الكوفي ابن أخي عبد الرحمن بن يزيد أدرك عمر بن الخطاب وروى عن أبيه الأسود المتقدم ذكره روى عنه مالك بن مغول ومحمد بن إسحاق بن يسار وأبو إسحاق السبيعي وأبو إسحاق الشيباني وأبو بكر النهشلي مات سنة 198 روى له الجماعة (حاجا اعتلت إحدى قدميه فقام يصلي على قدم واحدة حتى صلى الصبح بوضوء العشاء ) ، رواه أبو نعيم في الحلية وروى من طريق ميمون أبي حمزة قال سافر عبد الرحمن بن الأسود ثمانين حجة وعمرة لم يجمع بينهما ومن طريق الحكم بن عتيبة قال لما احتضر عبد الرحمن بكى فقيل له ما يبكيك فقال أسفا على الصوم والصلاة قال ولم يزل يقرأ القرآن حتى مات قال فروي أنه من أهل الجنة قال الحكم وما يبعدني ذلك لقد كان يعمل نفسه مجتهدا لهذا حذرا من مصرعه الذي صار إليه .

(وقال بعضهم ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام [ ص: 132 ] الليل وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه سيما الصالحين صفرة الألوان من السهر وعمش العيون من البكاء وذبول الشفاه من الصوم عليهم غبرة الخاشعين ) وروى الشريف الموسوي في نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين شيعتنا الحلماء العلماء الذبل الشفاه الأخيار الذين يعرفون بالرهبانية من العبادة وأخرجه أبو نعيم في الحلية من قول مجاهد قال شيعة علي رضي الله عنه فساقه .

(وقيل للحسن ) البصري رحمه الله تعالى (ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها فقال إنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره ) ، رواه أبو نعيم في الحلية (وكان عامر بن ) عبد الله بن (عبد قيس ) العنبري البصري رحمه الله تعالى تقدمت ترجمته (يقول إلهي خلقتني ولم تؤامرني وتميتني ولا تعلمني وخلقت معي عدوا وجعلته يجري مني مجرى الدم وجعلته يراني ولا أراه ثم قلت لي استمسك إلهي كيف أستمسك إن لم تمسكني إلهي في الدنيا الهموم والأحزان وفي الآخرة العقاب والحساب فأين الراحة والفرح ) ، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا حبيب بن الحسن حدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا خالد بن يزيد العمري حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن علقمة بن مرثد قال كان عامر بن عبد قيس يقول في الدنيا الغموم والأحزان وفي الآخرة النار والحساب فأين الراحة والفرح إلهي خلقتني ولم تؤامرني في خلقي وابتليتني بلايا الدنيا ثم قلت لي استمسك فكيف أستمسك إن لم تمسكني إلهي إنك لتعلم لو كانت لي الدنيا بحذافيرها ثم سألتنيها لجعلتها لك فهب لي نفسي .

(وقال جعفر بن محمد ) الواسطي الوراق المفلوج نزيل بغداد صدوق مات سنة خمس وستين ومائة (كان عتبة ) بن أبان (يقطع الليل بثلاث صيحات وكان إذا صلى العتمة وضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا مضى ثلث الليل صاح صيحة ثم يضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا مضى ثلث الليل صاح صيحة ثم يضع رأسه بين ركبتيه يتفكر فإذا كان السحر صاح صيحة قال جعر بن محمد ) الراوي لهذه الحكاية (فحدثت به بعض البصريين ) وفي بعض النسخ المصريين بالميم وهو غلط من النساخ (فقال لا تنظر إلى صياحه ولكن انظر إلى ما كان فيه بين الصيحتين حتى صاح ) ، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا أبو محمد بن حيان حدثنا إسحاق بن أبي حسان حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا جعفر بن محمد قال كان عتبة يقطع الليل بثلاث صيحات يصلي العتمة ثم يضع رأسه بين ركبتيه يفكر فإذا مضى من الليل ثلثه صاح صيحة ثم يضع رأسه بين ركبتيه يفكر فإذا مضى ثلثا الليل صاح صيحة ثم يضع رأسه يفكر فإذا كان السحر صاح صيحة قال أحمد فحدثت به عبد العزيز فقال حدثت به بعض البصريين فقال لا تنظر إلى صيحته ولكن انظر إلى الأمر الذي كان منه بين الصيحتين (وعن القاسم بن راشد الشيباني قال كان زمعة ) بن صالح الجندي اليماني سكن مكة روى عن الزهري وسلمة بن دهرام وابن طاوس وعنه وكيع روى له مسلم مقرونا بمحمد بن أبي حفصة والترمذي والنسائي وابن ماجه (نازلا عندنا بالمحصب ) موضع قرب مكة (وكان له أهل وبنات وكان يقوم فيصلي ليلا طويلا فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته أيها الركب المعرسون أكل هذا الليل ترقدون أفلا تقومون فترحلون فيتواثبون فيسمع من ههنا باك ومن ههنا داع ومن ههنا قارئ ومن ههنا متوضئ فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند الصباح يحمد القوم السرى ) وهو السير آخر الليل وهو مثل مشهور رواه ابن أبي الدنيا فقال حدثني المفضل بن غسان عن مؤمل بن إسماعيل حدثنا القاسم بن راشد الشيباني قال كان زمعة نازلا عندنا فذكره .

(وقال بعض الحكماء ) من المراقبين المجتهدين (إن لله عبادا أنعم عليهم فعرفوه ) أنه المنعم عليهم لا غيره (وشرح صدورهم فأطاعوه ) أي : انقادت جوارحهم لطاعته (وتوكلوا عليه ) حق التوكل (فسلموا الخلق والأمر إليه ) بمقتضى قوله تعالى ألا له الخلق والأمر (فصارت قلوبهم معادن ) [ ص: 133 ] لاستقرار الأسرار (بصفاء اليقين وبيوتا للحكمة ) تسكن فيها (وتوابيت للعظمة ) والإجلال والهيبة والتعظيم والتابوت الوعاء الذي تحفظ فيه نفائس الأمتعة (وخزائن القدرة فهم بين الخلائق مقبلون ومدبرون ) بظواهرهم (وقلوبهم تجول في الملكوت ) فتشاهد ما فيه من العجائب (وتلوذ بمحجوب الغيوب ) عن النواظر (ثم ترجع ) إلى عالم الملك (ومعها طرائف ) أي : نوادر (من لطائف الفوائد ) ونفائس العوائد (ما لا يمكن واصفا أن يصفه ) لبعده عن دائرة المعقول (فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا ) وبهجة وعزة (وهم في الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا ) أي : بمنزلة المناديل التي يتباذلها الناس ويتمسحون بها (وهذه طريقة لا يبلغ إليها إلا بالتكلف ) والاجتهاد (وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء ) أي : مواهب من العناية الأزلية لا تدرك بالتصنع والتكلف ولكن من يسر له طريقه فهو على نور من ربه أولئك مصابيح الدجاه* وينابيع الرشد والحجاه* خصوا بخفي الاختصاص ونقوا من التصنع بالإخلاص كما قال ذو النون المصري يوما إن لله لصفوة من خلقه وإن لله لخيرة فقيل له من هؤلاء فقال هم قوم جعلوا الركب لجباههم وسادا والتراب لجنوبهم مهادا خالط القرآن لحومهم ودماءهم فعزلهم عن الازدواج وحركهم بالإدلاج فوضعوه على أفئدتهم فانفرجت وضموه إلى صدورهم فانشرحت وتصدعت هممهم به فكدحت فجعلوا لظلمتهم سراجا ولنومهم مهادا ولسبيلهم منهاجا ولحجتهم أفلاجا يفرح الناس ويحزنون وينام الناس ويسهرون ويفطر الناس ويصومون ويأمن الناس ويخافون فهم خائفون حذرون وجلون مشفقون مشمرون يبادرون من الفوت ويستعدون للموت فارقوا بهجة الدنيا بعين قالية ونظروا إلى ثواب الآخرة بعين رابية واشتروا الباقية بالفانية فنعم ما اتجروا وربحوا الدارين وجمعوا الخيرين واستكملوا الفضلين فهم خرس فصحاء عمي بصراء فعنهم تقصر الصفات وبهم تدفع النقمات وعليهم تنزل البركات فهم أحلى الناس منطقا ومذاقا وأوفى الناس عهدا وميثاقا سراج العباد ونهار البلاد ومصابيح الدجى ومعادن الرحمة وينابيع الحكمة وقوام الأمة وأقبل الناس للمعذرة وأصفحهم بالمغفرة وأسمحهم بالعطية وروى أبو نعيم في الحلية من طريق مكحول عن عياض بن غنم مرفوعا في وصف هؤلاء القوم مؤنتهم على الناس خفيفة وعلى أنفسهم ثقيلة يدبون في الأرض حفاة على أقدامهم دبيب النمل بغير مرح ولا بذخ ولا صلة يمشون بالسكينة ويتقربون بالوسيلة يلبسون الخلقان ويتبعون البرهان ويتلون الفرقان ويقربون القربان يتوسمون العباد ويتفكرون في البلاد أجسادهم في الأرض وأعينهم في السماء أقدامهم في الأرض وقلوبهم في السماء وأنفسهم في الأرض وأفئدتهم عند العرش أرواحهم في الدنيا وعقولهم في الآخرة .

(وقال بعض الصالحين بينما أنا أسير في بعض جبال بيت المقدس إذ هبطت إلى واد هناك فإذا أنا بصوت قد علا وإذا تلك الجبال تجيبه لها دوي عال فاتبعت الصوت ) ومشيت (فإذا بروضة عليها شجر ملتف فإذا أنا برجل قائم فيها يردد هذه الآية يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا إلى قوله ويحذركم الله نفسه ) وتمامها تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا (قال فجلست خلفه أسمع كلامه ) ولا يراني (وهو يردد هذه الآية إذ صاح صيحة خر معها مغشيا عليه فقلت وا أسفاه هذا لشفائي ثم انتظرت إفاقته فأفاق بعد ساعة فسمعته وهو يقول أعوذ بك من مقام الكذابين أعوذ بك من أعمال البطالين أعوذ بك من أعراض الغافلين ) قال ذلك لما أحس بمن اطلع على ظاهر حاله فخاف على نفسه التصنع في عمله فاستعاذ بالله مما ذكر والكذاب من يخالف ظاهره باطنه والبطال من صرف عمره في لهو وبطالة ولم يذق معرفة الله تعالى والغافل من غفل عن شهود أسرار معاني كلام الله تعالى (ثم قال لك خشعت قلوب الخائفين وإليك فزعت آمال المقصرين ولعظمتك ذلت قلوب العارفين ثم نفض يده وقال ما لي وللدنيا وما للدنيا ولي عليك يا دنيا بأبناء جنسك وألاف نعيمك ) أي : الذين يألفون نعيمك (إلى محبيك فاذهبي وإياهم فاخدعي ثم قال أين القرون الماضية ) جمع قرن خمس وسبعون سنة وقيل مائة سنة (وأهل الدهور السالفة [ ص: 134 ] في التراب يبلون وعلى ) مر (الزمان يفنون فناديته يا عبد الله ) ناداه بالاسم الأعم لأنه لم يعرف اسمه الخاص (أنا منذ اليوم خلفك أنتظر فراغك فقال وكيف يفرغ من يبادر الأوقات وتبادره يخاف سبقها بالموت إلى نفسه أم كيف يفرغ من ذهبت أيامه وبقيت آثامه ثم رجع ) إلى ربه مستغيثا .

(وقال أنت لها ولكل شدة أتوقع نزولها ) أي : أنت المعين لي فيها (ثم لها عني ساعة وقرأ ) قوله تعالى (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ) أي : ما لم يكن في بالهم من شدة الحساب والعتاب والحجاب (ثم صاح صيحة أخرى أشد من الأولى وخر مغشيا عليه فقلت ) في نفسي هو (قد خرجت روحه فدنوت منه فإذا هو يضطرب ثم أفاق وهو يقول من أنا ما خاطري هب لي إساءتي بفضلك وجللني بسترك واعف عن ذنوبي بكرم وجهك إذا وقفت بين يديك فقلت له بالذي ترجوه لنفسك وتثق به إلا كلمتني فقال عليك بكلام من ينفعك كلامه ودع كلام من أوبقته ذنوبه ) أي : أسرته وأهلكته (إني لفي هذا الموضع منذ شاء الله أجاهد إبليس ويجاهدني فلم يجد عونا علي ليخرجني مما أنا فيه ) من التخلي والانفراد (غيرك فإليك عني يا مخدوع فقد عطلت علي لساني ) أي : شغلته عن ذكر ربي ومناجاته (وميلت إلى حديثك شعبة من قلبي وأنا أعوذ بالله من شرك ثم أرجو أن يعيذني من سخطه ويتفضل علي برحمته قال ) الراوي (فقلت هذا ولي لله ) تعالى (أخاف أن أشغله ) عن الله (فأعاقب في موضعي هذا ) فإن من شغل المشغول بالله قطعه الله (فانصرفت وتركته وقال بعض الصالحين ) من أهل المراقبة (بينما أنا أسير في مسير لي إذ ملت إلى شجرة لأستريح تحتها ) وأستظل بظلها (فإذا بشيخ قد أشرف علي فقال لي يا هذا قم فإن الموت لم يمت ثم هام على وجهه فاتبعته فسمعته وهو يقول كل نفس ذائقة الموت اللهم بارك لي في الموت فقلت ومما بعد الموت فقال من أيقن بما بعد الموت شمر مئزر الحذر ) أي : جد واجتهد فيما خلق له (ولم يكن له في الدنيا مستقر ثم ) رجع إلى مراقبته ومناجاته و (قال يا لمن لوجهه عنت الوجوه بيض وجهي بالنظر إليك واملأ قلبي من المحبة لك وأجرني من ذلة التوبيخ غدا عندك فقد آن لي الحياء منك وحان لي الرجوع عن الإعراض عنك ثم قال لولا حلمك لم يسعني أجلي ولولا عفوك لم ينبسط فيما عندك أملي ثم مضى وتركني وقد أنشدوا في هذا المعنى ) أي : في وصف المجتهدين :


(نحيل الجسم مكتئب الفؤاد تراه بقنة أو بطن واد )

القنة بالضم واد من الجبل

(ينوح على معاص فادحات يكدر ثقلها صفو الرقاد )

فادحات أي ثقيلات

(فإن هاجت مخاوفه وزادت فدعوته أغثني يا عمادي
فأنت بما ألاقيه عليم كثير الصفح عن زلل العباد )



(وقيل ) في هذا المعنى (أيضا ) :


(ألذ من التلذذ بالغواني إذا أقبلن في حلل حسان
منيب فر من أهل ومال يسيح إلى مكان من مكان )

المنيب هو التائب الراجع إلى ربه [ ص: 135 ]

(ليخمل ذكره ويعيش فردا ويظفر في العبادة بالأماني)

أي ليخفى ذكره بين الناس ولا يشار إليه ويعيش منفردا بربه ويجد حلاوة في طاعته

(تلذذه التلاوة أين ولى وذكر بالفؤاد وباللسان
وعند الموت يأتيه بشير يبشر بالنجاة من الهوان
فيدرك ما أراد وما تمنى من الراحات في غرف الجنان )

وهؤلاء الذين وصفهم ذو النون بما سبق ذكره نظروا إلى ثواب الله بأنفس تائقة وعيون رائقة وأعمال موافقة فحلوا عن الدنيا مطي رحالهم وقطعوا منها حبال آمالهم لم يدع لهم خوف ربهم من أموالهم تليدا ولا عتيدا أفتراهم لم يشتهوا من الأموال كنوزها ولا من الأوبار خروزها ولا من المطايا عزيزها ولا من القصور مشيدها بلى ولكنهم نظروا بتوفيق الله وإلهامه لهم فحركهم ما عرفوا بصبر أيام قلائل فضموا أبدانهم عن المحارم وكفوا أيديهم عن ألوان المطاعم وهربوا بأنفسهم عن المآثم فسلكوا من السبيل رشاده ومهدوا للرشاد مهاده فشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم هابوا الموت وسكراته وكرباته وفجعاته ومن القبر ضيقه ومنكرا ونكيرا ومن ابتدادهما وانتهارهما وسؤالهما ومن المقام بين يدي الله عز وجل (وكان كرز بن وبرة ) الحارثي قال صاحب الحلية كوفي الأصل سكن جرجان ويعد في أتباع تابعي أهل الكوفة له الصيت البليغ والمكان الرفيع في النسك والتعبد كان تغلب عليه المؤانسة والمشاهدة فيشهده شهي الملاطفات وتؤنسه خفي المخاطبات روى عن طاوس وعطاء والربيع بن خثيم ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم (يختم القرآن في كل يوم ثلاث مرات ) قال أبو نعيم في الحلية حدثنا أبو محمد بن حيان حدثنا أحمد بن الحسين الحذاء حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثني سعيد أبو عثمان سمعت ابن عيينة يقول قال ابن شبرمة سأل كرز بن وبرة ربه أن يعطيه اسمه الأعظم على أن لا يسأل به شيئا من الدنيا فأعطاه الله ذلك فسأله أن يقوى حتى يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات وقال عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد حدثنا شريح بن يونس حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان عن أبيه قال دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا عند مصلاه حصيرة قد ملأها تبنا وبسط عليها كساء من طول القيام فكان يقرأ في اليوم والليلة ثلاث ختمات (ويجاهد نفسه في العبادات غاية المجاهدة ) قال عبد الله بن أحمد بسنده السابق إلى فضيل بن غزوان قال كان لكرز عند المحراب ما يعتمد عليه إذا نعس وروى أبو نعيم من طريق خلف بن تميم عن أبيه قال ما رأيت في هذه الأمة أعبد من كرز كان لا يفتر يصلي في المحمل فإذا نزل من المحمل افتتح الصلاة ومن طريق فضيل بن غزوان قال لم يرفع كرز رأسه إلى السماء أربعين سنة ومن طريق سفيان بن عيينة قال سمعت ابن شبرمة يقول قلت لابن هبيرة :

لو شئت كنت ككرز في تعبده أو كابن طارق حول البيت في الحرم
قد حال دون لذيذ العيش خوفهما وسارعا في طلاب الفوز والكرم

فقال لي ابن هبيرة من كرز وابن طارق قال قلت أما كرز فكان إذا كان في سفر واتخذ الناس منزلا اتخذ هو منزلا للصلاة وأما ابن طارق فلو اكتفى أحد بالتراب كفاه كف تراب وقد تقدم له ذكر في كتاب الحج وقال صاحب القوت بعد أن أورد شيئا من مجاهداته (فقيل له قد أجهدت نفسك ) في العبادة (فقال كم عمر الدنيا فقيل سبعة آلاف سنة فقال فكم مقدار يوم القيامة فقيل خمسون ألف سنة فقال كيف يعجز أحدكم أن يعمل سبع يوم حتى يأمن ذلك اليوم ) ولفظ القوت ما يرضى عبد أن يعمل سبعة آلاف سنة وينجو من يوم مقداره خمسون ألف سنة زاد المصنف (يعني إنك لو عشت عمر الدنيا واجتهدت ) في العبادة (سبعة آلاف سنة وتخلصت من ) هول (يوم واحد مقدار خمسين ألف سنة لكان ربحك كثيرا وكنت بالرغبة فيه جديرا فكيف وعمرك قصير والآخرة لا غاية لها ) ومن ذلك ما أورده البيهقي في الشعب من [ ص: 136 ] حديث أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه رواه أبو زيد الهروي عن شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عنه قال وقال أبو زيد رأيت شعبة يصلي حتى ورم قدماه وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال كان عمر بن الخطاب يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان في آخر الليل أيقظ أهله للصلاة وعن نافع قال كان ابن عمر يصلي عامة الليل وعن حميد بن هلال قال كان مسلم بن يسار إذا قام يصلي كأنه ثوب ملقى وعن عبد الله بن مسلم قال كان سعيد بن جبير إذا قام إلى الصلاة كأنه وتد وعن عبد الله بن يعقوب الحافظ قال ما رأيت أحسن صلاة من أبي عبد الله محمد بن نصر كان الذباب يقع على أذنه فيسيل الدم ولا يذبه عن نفسه ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته كان يضع ذقنه على صدره فينتصب كأنه خشبة منصوبة وعن الأوزاعي قال كان علي بن عبد الله بن عباس يسجد كل يوم ألف سجدة وعن مرة الهمداني حين سئل وقد كبر ما بقي من صلاتك قال الشطر خمسون ومائتا ركعة وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي حدثنا موسى بن هلال حدثنا رجل كان جليسا لنا وكانت امرأة حسان مولاة له قال فحدثتني امرأة حسان بن أبي سنان قالت كان يجيء فيدخل معي في فراشي ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيتها فإذا علم أني قد نمت سل نفسه فخرج ثم يقوم فيصلي قال فقلت له يا أبا عبد الله كم تعذب نفسك أرفق بنفسك قال اسكتي ويحك فيوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زمانا وعن أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سليمان الداراني يقول بينا أنا ساجد إذ ذهب بي النوم فإذا بها يعني بالحوراء قد ركضتني برجلها فقالت حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم بؤسا لعين آثرت لذة نومه على لذة مناجاة العزيز قم فقد دنا الفراغ ولقي المحبون بعضهم بعضا فما هذا الرقاد حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وأنا أربى لك في الخدور منذ كذا وكذا فوثبت فزعا وقد عرقت استحياء من توبيخها إياي وأن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي وعن طلق بن معاوية قال قدم رجل يقال له هند بن عوف من سفر فمهدت له امرأته فراشا وكانت له ساعة من الليل يقومها فنام عنها حتى أصبح فحلف لا ينام على فراش أبدا وعن أبي الحسن علي بن المزين قال دخلت على امرأة عبد الرحمن بن مهدي وكنت أزورها بعد موته فرأيت سوادا في القبلة قالت هذا موضع عبد الرحمن كان يصلي بالليل فإذا غلبه النوم وضع جبهته على هذا الموضع وعن رابعة العدوية قالت ما كان صلة يجيء في مسجد بيته إلى فراشه إلا حبوا يقوم حتى يفتر عن الصلاة وعن جعفر بن زيد العبدي أن أباه أخبره قال خرجنا في غزوة إلى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم قال فنزل الناس عند العتمة فقلت لأرمقن عمله فأنظر ما يذكر الناس من عبادته فصلى العتمة ثم اضطجع فالتمس غفلة الناس حتى إذا قلت هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبا منه ودخلت في أثره فتوضأ ثم قام يصلي فافتتح قال وجاء أسد حتى دنا منه فصعدت في شجرة قال فتراه التفت حتى سجد فقلت الآن يفترسه فلا شيء فجلس ثم سلم فقال أيها السبع اطلب الرزق من مكان آخر فولى وإن له زئيرا أقول تصدع الجبال منه فما زال كذلك يصلي حتى إذا عند الصبح جلس فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها إلا ما شاء الله ثم قال اللهم أسألك أن تجيرني من النار أومثلي يجترئ أن يسألك الجنة ثم رجع فأصبح كأنه بات على الحشابك وأصبحت وبي من الفترة شيء الله به أعلم قال فلما دنونا من أرض العدو قال الأمير ولا يشذن أحد من العسكر قال فذهبت بغلته يعني بغلة صلة بثقلها فأخذ يصلي فقالوا له إن الناس قد ذهبوا قال إنما هما خفيفتان قال فدعا ثم قال اللهم إني أقسم عليك أن ترد علي بغلتي وثقلها قال فجاءت حتى قامت بين يديه فلما لقينا العدو حمل هو وهشام بن عامر فصنعا بهم طعنا وضربا وقتلا قال فكسر ذلك العدو وقالوا إن رجلين من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا فأعطوا المسلمين حاجتهم فقيل لأبي هريرة إن هشام بن عامر وكان يجالسه ألقى بيده إلى التهلكة فأخبره خبره قال كلا ولكنه التمس هذه الآية ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد وعن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه كان يصلي فإذا دخل الداخل أتى فراشه فاتكأ عليه وعن منصور بن أبي أمية خادم عمر بن عبد العزيز [ ص: 137 ] قال رأيت عمر بن عبد العزيز وله سفط في كوة ومفتاحه في إزاره فكان يستغفلني فإذا نظر أني قد نمت فتح السفط فأخرج منه جبة شعر ورداء شعر فصلى فيهما الليل كله فإذا نودي بالصبح نزعهما وعن السري بن يحيى قال كان سليمان التميمي في طريق مكة يتوضأ لصلاة العشاء ثم يصلي بالليل كأنه في محمله حتى الصبح ثم يصلي الصبح بوضوئه ذلك وعن محمد بن عبد الأعلى قال قال لي المعتمر بن سليمان لولا أنك من أهلي ما حدثتك بذا عن أبي مكث أبي أربعين سنة يصوم يوما ويفطر يوما ويصلي صلاة الفجر بوضوء العشاء وعن سعيد بن عامر قال كان سليمان التميمي يسبح في كل سجدة وركعة سبعين تسبيحة وعن هشيم قال لو قيل لمنصور بن زاذان إن ملك الموت على الباب ما كان عنده زيادة في العمل قال وذلك أنه كان يخرج ويصلي بالغداة في جماعة ثم يجلس فيسبح حتى تطلع الشمس ثم يصلي إلى الزوال ثم يصلي الظهر ثم يصلي إلى العصر ثم يصلي العصر ثم يجلس فيسبح إلى المغرب ثم يصلي العشاء الآخرة ثم ينصرف إلى بيته فيكتب عنه في ذلك الوقت وعن الحسين بن منصور قال كان سليمان بن المغيرة إذا قام إلى الصلاة لو أكلت الذبابة وجهه لم يطيرها قال وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال سمعت أبي يقول سمعت مريم امرأة أبي عثمان تقول كنا نؤخر اللعب والضحك والحديث إلى أن يدخل أبو عثمان ورده في الصلاة فإنه كان إذا دخل بيت الخلوة لا يحس بشيء من الحديث وغيره وعن الربيع بن سليمان قال كان الشافعي جزأ الليل ثلاثة أجزاء الجزء الأول يكتب والثلث الثاني يصلي والثلث الثالث ينام وعن أبي خالد الأحمر قال أكل سفيان ليلة فشبع فقال إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله فقام حتى أصبح وعن حمزة بن ربيعة قال حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومائة فما رأيته مضطجعا على المحمل في ليل ولا نهار قط كان يصلي فإذا غلبه النوم استند إلى القتب وعن أحمد بن سلمة قال سمعت هناد بن السري غير مرة إذا ذكر قبيصة بن عقبة قال الرجل الصالح وتدمع عيناه وكان هناد كثير البكاء وكنت عنده ذات يوم في مسجده فلما فرغ من القراءة عاد إلى منزله فتوضأ وانصرف إلى المسجد وقام على رجليه يصلي إلى الزوال وأنا معه في المسجد ثم رجع إلى منزله فتوضأ وانصرف إلى المسجد فصلى بنا الظهر ثم قام على رجليه إلى العصر ويرفع صوته بالقرآن ويبكي كثيرا ويصلي إلى العصر ثم صلى بنا العصر وجاء إلى صحن المسجد فجعل يقرأ القرآن في المصحف إلى الليل فصليت معه صلاة المغرب وقلت لبعض جيرانه ما أصبره على العبادة فقال هذه عبادته منذ سبعين سنة فكيف لو رأيت عبادته بالليل وما تزوج قط ولا تسرى قط وكان يقال له راهب الكوفة وعن الأوزاعي قال خرجت حاجا فدخلت مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فإذا شاب بين القبر والمنبر يتهجد فلما طلع الفجر استلقى على ظهره ثم قال عند الصباح يحمد القوم السرى فقلت له يا ابن أخي لك ولأصحابك لا للجمالين وعن داود بن رشيد قال قام أخ لي في ليلة ظلماء يصلي مع نفسه فضربه البرد وكان رث الثياب ثم سجد فذهب به النوم في سجوده فهتف بي هاتف أنمناهم وأقمناك وتبكي علينا وعن أبي محمد الجريري قال كنت واقفا على رأس الجنيد في وقت وفاته وكان يوم جمعة وهو يقرأ القرآن فقلت يا أبا القاسم أرفق بنفسك فقال يا أبا محمد رأيت أحوج مني في هذا الوقت وهو ذا تطوى صحيفتي وقال أبو عبد الرحمن السلمي سمعت جدي يقول دخل أبو العباس بن عطاء على الجنيد وهو في النزع فلم يرد عليه ثم رد عليه بعد ساعة وقال اعذرني فإني كنت في وردي ثم حول وجهه إلى القبلة ومات .




الخدمات العلمية