الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام عند موته: من لأمتي بعدي ؟ فأوحى الله تعالى إلى جبريل أن بشر حبيبي أني لا أخذله في أمته وبشره بأنه أسرع الناس خروجا من الأرض إذا بعثوا ، وسيدهم إذا جمعوا ، وأن الجنة محرمة على الأمم حتى تدخلها أمته ، فقال الآن قرت عيني .

وقالت عائشة رضي الله عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغسله بسبع قرب من سبعة آبار ففعلنا ذلك ، فوجد راحة فخرج فصلى بالناس واستغفر لأهل أحد ، ودعا لهم وأوصى بالأنصار ، فقال : أما بعد ، يا معشر المهاجرين ، فإنكم تزيدون وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها التي عليها اليوم ، وإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها فأكرموا كريمهم يعني : محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ، ثم قال : إن عبدا خير بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله ، فبكى أبو بكر رضي الله عنه وظن أنه يريد نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم على رسلك يا أبا بكر ، سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر ، فإني لا أعلم أمرا أفضل عندي في الصحبة من أبي بكر .

التالي السابق


(وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لجبريل) -عليه السلام- (عند موته من لأمتي بعدي؟ فأوحى الله تعالى إلى جبريل) -عليه السلام- (أن بشر حبيبي أني لا أخذله في أمته وبشره بأنه أسرع الناس خروجا من الأرض) أي: من قبره (إذا بعثوا، وسيدهم إذا جمعوا، وأن الجنة محرمة على الأمم حتى تدخلها أمته، فقال) -صلى الله عليه وسلم- (الآن قرت عيني) .

قال العراقي: رواه الطبراني في الكبير من حديث جابر وابن عباس من حديث طويل فيه: من لأمتي المصطفاة من بعدي؟ قال: أبشر يا حبيب الله فإن الله -عز وجل- يقول: قد حرمت الجنة على جميع الأنبياء والأمم حتى تدخلها أنت وأمتك، قال: الآن طابت نفسي وإسناده ضعيف. اهـ .

قلت: فيه عبد المنعم بن إدريس بن سفيان عن أبيه عن وهب بن منبه عن جابر، وابن عباس وعبد المنعم وأبوه ضعيفان، والحديث طويل جدا في ورقتين كبار سيأتي ذكره قريبا .

(وقالت عائشة -رضي الله عنها- أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نغسله بسبع قرب من سبعة آبار ففعلنا ذلك، فوجد راحة فخرج فصلى بالناس واستغفر لأهل أحد، ودعا لهم وأوصى بالأنصار، فقال: أما بعد، يا معشر المهاجرين، فإنكم تزيدون وأصبحت الأنصار لا تزيد على [ ص: 287 ] هيئتها التي عليها اليوم، وإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها) أي: موضع (فأكرموا كريمهم، يعني: محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم، ثم قال: إن عبدا خير بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر -رضي الله عنه- وظن أنه يريد نفسه) أي: لما فهم الرمز الذي الذي أشار به النبي صلى الله عليه وسلم- من قرينة ذكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى (فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- على رسلك يا أبا بكر، سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر، فإني لا أعلم امرأ أفضل عندي في الصحبة من أبي بكر) .

قال العراقي: رواه الدارمي في مسنده، وفيه إبراهيم بن المختار مختلف فيه عن محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد رواه بالعنعنة. اهـ . قلت: يعني بذلك أنه بهذا السياق وإلا ففي عدة مواضع من الصحيح للبخاري من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي مات فيه صبوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أستريح فأعهد إلى الناس، قالت عائشة: فأجلسناه في مخضب لحفصة من نحاس، وسكبنا عليه الماء حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج. وهو عند النسائي في سننه الكبرى من رواية عروة، عن عائشة، ورواه أحمد، عن محمد بن يحيى بن عبد الله عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة. ورواه أيضا عن معاوية بن صالح عن يحيى بن معين عن هشام بن يوسف عن معمر، قال: قال الزهري، فذكره، وفي بعض سياقات البخاري بعد قوله: ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم. في لفظ للبخاري والنسائي: أهريقوا علي، بدل: صبوا. وروى صاحب كتاب المتفجعين هذا الحديث فقال: حدثنا سليمان بن سيف أبو داود الحراني الحافظ، حدثنا أبو عمرو سعيد بن بزيع قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: حدثني يعقوب بن عتبة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة قالت: رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من البقيع وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول وارأساه، فساق الحديث، وفيه: ثم اشتد وجعه فقال: أهريقوا علي بسبع قرب من آبار شتى؛ حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، فأقعدناه في مخضب لحفصة بنت عمر، ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول بيده حسبكم حسبكم، قال الزهري: وحدثني أيوب بن بشير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، فأول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم فأكثر، ثم قال: إن عبدا من عباد الله -عز وجل- خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده، ففهمها أبو بكر -رضي الله عنه- وعرف أن نفسه يريد، فبكى، وقال: نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا، فقال: على رسلك يا أبا بكر، انظروا هذه الأبواب الشارعة في المسجد فسدوها إلا باب أبي بكر، فإني لا أعلم أحدا كان أفضل عندي في الصحبة منه. ورواه الدارمي مثله، وأبو داود الحراني حافظ ثقة، وسعيد بن بزيع، ما عرفت أحدا تكلم فيه، وقد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث .

وروى أحمد والشيخان من حديث عقبة بن عامر قال: صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قتلى أحد بعد ثمان كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: إني بين أيديكم فرط، وإني عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها.

وروى مالك والشيخان والترمذي من حديث أبي سعيد: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جلس على المنبر فقال: إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر -رضي الله عنه- وقال: يا رسول الله، فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله، وهو يقول فديناك بآبائنا وأمهاتنا، قال: فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام، لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر، رواه الطبراني من حديث معاوية، ورواه أحمد من حديث مويهبة: أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد، ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة فاخترت لقاء ربي والجنة. وعند عبد الرزاق من مرسل طاوس مرفوعا: خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل، ورواه [ ص: 288 ] ابن السني في عمل يوم وليلة من حديث أبي المعلى بلفظ: إن عبدا خيره الله بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش فيها يأكل ما شاء أن يأكل منها وبين لقائه .



* (تنبيه) *

هذا الاغتسال لم يكن سببه إغماء كما ظنه بعضهم، وإنما كان مقصوده النشاط والقوة، وقد صرح بذلك في قوله لعلي أستريح، وقوله في رواية الدارمي : من سبع آبار شتى، أي: متفرقة، وهذه زيادة على رواية البخاري وغيره، فيحتمل أنها معينة، ويحتمل أنها غير معينة، وإنما يراد تفرقها خاصة، فعلى الأول: في تلك الآبار المعينة خصوصية ليست في غيرها، وعلى الثاني: الخصوصية في تفرقها والله أعلم .

وقد تقدم للمصنف في آخر كتاب الحج ذكر الآبار التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ منها ويشرب من مائها ويغتسل، وهي سبعة: بئر أريس، وبئر حاو، وبئر دومة، وبئر غرس، وبئر بضاعة، وبئر البصة، وبئر السقيا أو بئر جمل، وفي السابعة تردد، وقد تقدم الكلام عليها، وروى ابن ماجه في السنن من حديث علي بإسناد جيد: إذا أنا مت فاغسلوني بسبع قرب من بئري بئر غرس.




الخدمات العلمية