الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وعجائب السماوات لا مطمع في إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها ، وإنما هذا تنبيه على طريق الفكر واعتقد ، على طريق الجملة أنه ما من كوكب من الكواكب إلا ولله تعالى حكم كثيرة في خلقه ، ثم في مقداره ، ثم في شكله ، ثم في لونه ، ثم في وضعه من السماء ، وقربه .من ، الكواكب التي بجنبه ، وبعده وقس على ذلك ما ذكرناه من أعضاء بدنك ، إذ ما من جزء إلا وفيه حكمة بل حكم كثيرة ، وأمر السماء أعظم ، بل لا نسبة لعالم الأرض إلى عالم السماء ، لا في كبر جسم ، ولا في كثرة معانيه .

وقس التفاوت الذي بينهما في كثرة المعاني بما بينهما من التفاوت في كبر الأرض ، فأنت تعرف من كبر الأرض ، واتساع أطرافها ، أنه لا يقدر آدمي على أن يدركها ويدور بجوانبها وقد اتفق الناظرون على أن الشمس مثل الأرض مائة ونيفا وستين مرة وفي الأخبار ما يدل على عظمتها ثم الكواكب التي تراها أصغرها مثل الأرض ثمانى مرات ، وأكبرها ينتهي إلى قريب من مائة وعشرين مرة مثل الأرض .

وبهذا تعرف ارتفاعها وبعدها إذ للعبد صارت ترى صغارا ، ولذلك أشار الله تعالى إلى بعدها فقال : رفع سمكها فسواها .

وفي الأخبار أن ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام فإذا كان هذا مقدار كوكب واحد مثل الأرض أضعافا ، فانظر إلى كثرة الكواكب .

ثم انظر إلى السماء التي الكواكب مركوزة فيها ، وإلى عظمها .

ثم انظر إلى سرعة حركتها وأنت لا تحس بحركتها ، فضلا عن أن تدرك سرعتها ، لكن لا تشك أنها في لحظة تسير مقدار عرض كوكب لأن الزمان من طلوع أول جزء من كوكب إلى تمامه يسير وذلك ، الكوكب هو مثل الأرض مائة مرة وزيادة ، فقد دار الفلك في هذه اللحظة مثل الأرض مائة مرة ، وهكذا يدور على الدوام ، وأنت غافل عنه .

وانظر كيف عبر جبريل عليه السلام عن سرعة حركته إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل زالت الشمس ؟ فقال : لا نعم ، فقال : كيف تقول لا نعم ؟ فقال : من حين قلت لا إلى أن قلت نعم سارت الشمس خمسمائة عام فانظر إلى عظم شخصها ثم إلى خفة حركتها ثم انظر إلى قدرة الفاطر الحكيم كيف أثبت صورتها مع اتساع أكنافها في حدقة العين مع صغرها حتى تجلس على الأرض وتفتح عينيك نحوها ، فترى جميعها .

فهذه السماء بعظمها ، وكثرة كواكبها ، لا تنظر إليها ، بل انظر إلى بارئها كيف خلقها ثم أمسكها من غير عمد ترونها ومن غير علاقة من فوقها وكل العالم .

كبيت واحد ، والسماء سقفه . فالعجب منك أنك تدخل بيت غني فتراه مزوقا بالصبغ مموها بالذهب فلا ينقطع تعجبك منه ، ولا تزال تذكره ، وتصف حسنه طول عمرك ، وأنت أبدا تنظر إلى هذا البيت العظيم ، وإلى أرضه ، وإلى سقفه ، وإلى هوائه ، وإلى عجائب أمتعته ، وغرائب حيواناته ، وبدائع نقوشه ثم لا تتحدث فيه ، ولا تلتفت بقلبك إليه ، فما هذا البيت دون ذلك البيت الذي تصفه بل ذلك البيت هو أيضا جزء من الأرض التي هي أخس أجزاء هذا البيت ، ومع هذا فلا تنظر إليه ليس له سبب إلا أنه بيت ربك هو الذي انفرد ببنائه وترتيبه ، وأنت قد نسيت نفسك ، وربك ، وبيت ربك ، واشتغلت ببطنك ، وفرجك ، ليس لك هم إلا شهوتك أو حشمتك ، وغاية .

شهوتك أن تملأ بطنك ولا تقدر على أن تأكل عشر ما تأكله بهيمة ، فتكون البهيمة فوقك بعشر درجات .

وغاية حشمتك أن تقبل عليك عشرة أو مائة من معارفك فينافقون بألسنتهم بين يديك ، ويضمرون خبائث الاعتقادات عليك ، وإن صدقوك في مودتهم إياك فلا يملكون لك ولا لأنفسهم نفعا ، ولا ضرا ، ولا موتا ، ولا حياة ، ولا نشورا وقد يكون في بلدك من أغنياء اليهود والنصارى من يزيد جاهه على جاهك وقد اشتغلت بهذا الغرور ، وغفلت عن النظر في جمال ملكوت السماوات والأرض ، ثم غفلت عن التنعم بالنظر إلى جلال مالك الملكوت والملك .

وما مثلك ، ومثل عقلك ، إلا مثل النملة تخرج من جحرها الذي حفرته في قصر مشيد من قصور الملك ، رفيع البنيان ، حصين الأركان ، مزين بالجواري ، والغلمان ، وأنواع الذخائر ، والنفائس ، فإنها إذا خرجت من جحرها ، ولقيت صاحبتها ، لم تتحدث لو قدرت على النطق إلا عن بيتها ، وغذائها ، وكيفية ادخارها ; فأما حال القصر والملك الذي في القصر فهي بمعزل عنه ، وعن التفكر فيه ، بل لا قدرة لها على المجاوزة بالنظر عن نفسها ، وغذائها ، وبيتها إلى غيره .

. وكما غفلت النملة عن القصر ، وعن أرضه ، وسقفه ، وحيطانه ، وسائر بنيانه ، وغفلت أيضا عن سكانه ، فأنت أيضا غافل عن بيت الله تعالى ، وعن ملائكته ، الذين هم سكان سماواته ، فلا تعرف من السماء إلا ما تعرفه النملة من سقف بيتك ، ولا تعرف من ملائكة السماوات إلا ما تعرف النملة منك ومن سكان بيتك .

نعم ليس للنملة طريق إلى أن تعرفك ، وتعرف عجائب قصرك ، وبدائع صنعة الصانع فيه ، وأما أنت فلك قدرة على أن تجول في الملكوت ، وتعرف من عجائبه ما الخلق غافلون عنه .

التالي السابق


(وعجائب السموات لا مطمع في إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها، وإنما هذا تنبيه على طريق الفكر، وأعتقد على الجملة أنه ما من كوكب من الكواكب إلا ولله تعالى حكم كثيرة في خلقه، ثم في مقداره، ثم في شكله، ثم في لونه، ثم في وضعه من السماء، وقربه من وسط السماء، وبعده وقربه من الكواكب التي بجنبه، وبعده ) . والمراد بوسط السماء المجرة المسماة بـ"أم النجوم"، وهي دائرة متصلة اتصال الطوق، وتسمى أيضا "منطقة الفلك". (وقس ذلك بما ذكرناه من أعضاء بدنك، إذ ما من جزء إلا وفيه حكمة بل حكم كثيرة، وأمر السماء أعظم، بل لا نسبة لعالم الأرض إلى عالم السماء، لا في كبر جسم، ولا في كثرة معانيه، وقس التفاوت الذي بينهما في كثرة المعاني بما بينهما [ ص: 214 ] من التفاوت في كبر الأرض، فأنت تعرف كبر الأرض، واتساع أطرافها، أنه لا يقدر آدمي على أن يدور بجوانبها قد اتفق الناظرون ) أهل النظر من علماء الأوائل (على أن الشمس مثل الأرض مائة ونيف وستون مرة ) قال الدينوري: "يقال إن الأرض جزء من مائة وستة وسبعين جزءا من الشمس، والقمر جزء من ستة آلاف وثلاثمائة وستة وثلاثين جزءا من الشمس (وفي الأخبار ما يدل على عظمها ) قال العراقي: روى أحمد من حديث عبد الله بن عمرو: "رأى رسول الله الشمس حين غربت، وقال: في نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأهلكت ما على الأرض"، وفيه من لم يسم. وللطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة: "وكل بالشمس تسعة أملاك يرمونها بالثلج كل يوم لولا ذلك ما أتت على شيء إلا أحرقته"، انتهى. قلت: حديث عبد الله بن عمرو أخرجه كذلك ابن أبي شيبة، وابن منيع، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن مردويه، بلفظ: "لأحرقت" بدل "لأهلكت". وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم، وصححه من حديث أبي ذر قال: "كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم وهو على حمار فرأى الشمس حين غربت، فقال: أتدري حين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تغرب في عين حامئة". وأما حديث أبي أمامة فأخرجه كذلك أبو الشيخ في "العظمة"، وابن مردويه في "التفسير" .

(والكواكب التي تراها ) بعينك (أصغرها مثل الأرض ثمان مرات، وأكبرها ينتهي إلى قريب مائة وعشرين مرة من الأرض ) . قال الدينوري: "يقال إن القمر جزء من ستة وثلاثين جزءا من الأرض، والأرض جزء من مائة وستة وسبعين جزءا من الشمس". (وبهذا تعرف ارتفاعها وبعدها ) عن الأرض (إذ للبعد صارت ترى صغارا، ولذلك أشار الله تعالى إلى بعدها فقال: رفع سمكها فسواها ) .

(وفي الأخبار أن بين كل سماء إلى أخرى مسيرة خمسمائة عام ) قال العراقي: رواه الترمذي من رواية الحسن عن أبي هريرة، وقال غريب، قال ويروى عن أيوب، ويونس بن عبيد، وعلي بن زيد، قالوا لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ورواه أبو الشيخ في "العظمة" من رواية أبي نصر عن أبي ذر، ورجاله ثقات، إلا أنه لا يعرف لأبي نصر سماع من أبي ذر; انتهى. قلت: وقد رواه البزار كذلك فيما أخبر به عمر بن أحمد بن عقيل أنا عبد الله بن سالم أخبرنا محمد بن العلاء الحافظ أنبأنا علي بن يحيى أنا يوسف بن عبد الله أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر الحافظ قال أخبرني عبد الرحمن بن أبي الحسن الأنصاري شفاها عن إبراهيم بن أحمد المقري عن أحمد بن أبي طالب أنبأنا جعفر بن علي عن محمد بن عبد الرحمن الحضرمي أخبرنا أبو محمد بن عتاب حدثني أبي أنبأنا سليمان بن خلف إجازة أنبأنا أبو عبد الله بن الفرج أخبرنا محمد بن يحيى بن حبيب حدثنا الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا محاضر هو ابن المورع حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي نصر عن أبي ذر رفعه: "كنف الأرض مسيرة خمسمائة عام، وبين الأرض العلياء والسماء الدنيا خمسمائة عام، وكنفها مثل ذلك، وكنف الثانية مثل ذلك، وما بين كل أرض مثل ذلك... إلى أن قال: ثم ما بين السماء السابعة إلى العرش مثل ذلك"; هذا حديث رجاله ثقات، أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي معاوية عن الأعمش به قال البزار: ولا نعلمه عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد، وأبو نصر أحسبه حميد بن هلال، ولم يسمع من أبي ذر; انتهى. قلت: وقيل: مجذر بن شيبة، وقيل: لا يعرف، وهو من رجال النسائي.

وروى أحمد، والترمذي، وقال غريب، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وأبو الشيخ في "العظمة"، وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في "البعث"، والضياء في "المختارة" من حديث أبي سعيد في تفسير قوله تعالى: وفرش مرفوعة : "والذي نفس محمد بيده إن ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام". وروى أحمد في مسنده من حديث العباس- رضي الله عنه-: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكنف كل سماء خمسمائة سنة" الحديث .

(فإذا كان هذا مقدار كوكب واحد من الأرض، فانظر إلى كثرة الكواكب، ثم انظر إلى السماء التي الكواكب مركوزة فيها، وإلى عظمها، ثم انظر إلى سرعة حركتها وأنت لا تحس بحركتها، فضلا عن أن تدرك سرعتها، لكن لا تشك أنها [ ص: 215 ] في لحظة تسير مقدار عرض كوكب لأن الزمان من طلوع أول جزء من كوكب إلى تمامه يسير، وكذلك الكوكب هو مثل الأرض مائة مرة وزيادة، فقد دار الفلك في هذه اللحظة مثل الأرض مائة مرة، وهكذا يدور على الدوام، وأنت غافل عنه. وانظر كيف عبر جبريل- عليه السلام- عن سرعة حركته إذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل زالت الشمس؟ فقال: لا نعم، فقال: كيف تقول لا نعم؟ فقال: من حين قلت لا إلى أن قلت نعم سارت الشمس مسيرة خمسمائة عام ) هكذا ذكره صاحب القوت، وقد تقدم في آداب السفر، وقال العراقي: لم أجد له أصلا .

(فانظر إلى عظم شخصها ثم إلى خفة حركتها ثم انظر إلى قدرة الفاطر الحكيم ) جل جلاله (كيف أثبت صورتها مع اتساع أكنافها ) وبعد أقطارها (في حدقة العين ) الباصرة (مع صغرها حتى تجلس على الأرض وتفتح عينيك نحوها، فترى جميعها، فهذه السماء بعظمها، وكثرة كواكبها، لا تنظر إليها، بل انظر إلى بارئها كيف خلقها ) فسواها (ثم أمسكها ) عن أن تقع على الأرض (من غير عمد ترونها ) ولا سناد يسندها (ومن غير علاقة من فوقها ) يجرها (وكل العالم كبيت واحد، والسماء سقفه. فالعجب أنك تدخل بيت غني ) من ذوي الأموال (فتراه مزوقا بالصبغ ) المختلف (مموها بالذهب فلا ينقطع تعجبك منه، ولا تزال تذكره، وتصف حسنه طول عمرك، وأنت أبدا تنظر إلى هذا البيت العظيم، وإلى أرضه، وإلى سقفه، وإلى هوائه، وإلى عجائب أمتعته، وغرائب حيواناته، وبدائع نقوشه ) وأنواع مزخرفاته (ثم لا تتحدث فيه، ولا تلتفت بقلبك إليه، فما هذا البيت دون البيت الذي تصفه ) وتذكر محاسنه (بل ذلك البيت أيضا جزء من الأرض التي هي أخس أجزاء هذا البيت، ومع هذا فلا تنظر إليه ليس له سبب إلا أنه بيت ربك هو الذي انفرد ببنائه وترتيبه، وأنت قد نسيت نفسك، وربك، وبيت ربك، واشتغلت ببطنك، وفرجك، ليس لك هم إلا شهوتك أو حشمتك، وغاية شهوتك أن تملأ بطنك ) بأنواع الأطعمة (ولا تقدر أن تأكل عشر عشر ما تأكله بهيمة، فتكون البهيمة فوقك بعشر درجات، وغاية حشمتك أن يقبل عليك عشرة أو مائة من معارفك فينافقون بألسنتهم بين يديك، ويضمرون خبائث الاعتقادات عليك، وإن صدقوك في مودتهم إياك فلا يملكون لك ولا لأنفسهم نفعا، ولا ضرا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا ) بل عاجزون عن ذلك كله (وقد يكون في بلدك من أغنياء اليهود والنصارى من يزيد جاهه على جاهك ) وماله على مالك .

(وقد اشتغلت بهذا الغرور، وغفلت عن النظر في جمال ملكوت السموات والأرض، ثم عن التنعم بالنظر إلى جلال مالك الملكوت والملك ) جل جلاله (وما مثلك، ومثل عقلك، إلا كمثل النملة تخرج من جحرها الذي حفرته في قصر مشيد من قصور الملك، رفيع البنيان، حصين الأركان، مزين بالجواري، والغلمان، وأنواع الذخائر، والنفائس، فإنها إذا خرجت من جحرها، ولقيت صاحبتها، لم تتحدث لو قدرت على النطق إلا عن بيتها، وغذائها، وكيفية ادخارها; فأما حال القصر والملك [ ص: 216 ] الذي في القصر فهي بمعزل عنه، وعن التفكر فيه، بل لا قدرة لها على المجاوزة بالنظر من نفسها، وغذائها، وبيتها. وكما غفلت النملة عن القصر، وعن أرضه، وسقفه، وحيطانه، وسائر بنيانه، وغفلت أيضا عن سكانه، فأنت أيضا ) أيها المسكين (غافل عن بيت الله تعالى، وعن ملائكته، الذين هم سكان سماواته، فلا تعرف من السماء إلا ما تعرفه النملة من سقف بيتك، ولا تعرف من ملائكة السموات إلا ما تعرف النملة منك ومن سكان بيتك، نعم ليس للنملة طريق إلا أن تعرفك، وتعرف عجائب قصرك، وبدائع صنعة الصانع فيه، وأما أنت فلك قدرة على أن تجول في الملكوت، وتعرف من عجائبه ما الخلق غافلون عنه ) .

ومن كلام أمير المؤمنين علي- رضي الله عنه-: "فمن شواهد خلقه خلق السموات موطدات بلا عمد، قائمات بلا سند، دعاهن فأجبن طائعات، مذعنات غير متلكئات، ولا مبطئات، ولولا إقرارهن له بالربوبية، وإذعانهن بالطواعية، لما جعلهن موضعا لعرشه، ولا سكنا لملائكته، ولا مصعدا للكلم الطيب والعمل الصالح من خلقه. جعل نجومها أعلاما يستدل بها الحيران في مختلف فجاج الأقطار، لم يمنع ضوء نهارها ادلهمام سجف الليل المظلم، ولا استطاعت جلابيب سواد الحنادس أن ترى ما شاع في السموات من تلألؤ نور القمر. فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج، ولا ليل ساج، في بقاع الأرضين المتطأطئات، ولا في يفاع الشفع المتجاورات، وما يتجلجل به الرعد في أفق السماء، وما تلاشت عنه بروق الغمام، وما يسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء، وانهطال السماء، يعلم مسقط القطرة ومقرها، ومسحب الذرة ومجرها، وما يكفي البعوضة من قوتها، وما تحمل من أنثى في بطنها".

وقال رضي الله عنه في صفة السماء: "ونظم بلا تعليق رهوات فرجها، ولاحم صدوع انفراجها، ووشح بينها وبين أزواجها، وذلل للهابطين بأمره، والصاعدين بأعمال خلقه، خزونة معراجها، وناداها بعد إذ هي دخان فالتحمت عرى أشراجها، وفتق بعد الارتفاق صوامت أبوابها، وأقام رصدا من الشهب الثواقب على نقابها، وأمسكها من أن تمور في خرق الهواء بائدة، وأمرها أن تقف مستسلمة لأمره، وجعل شمسها آية مبصرة لنهارها، وقمرها آية ممحوة من ليلها، وأجراهما في مناقل مجراهما، وقد سيرهما في مدارج درجيهما، ليميز بين الليل والنهار بهما، وليعلم عدد السنين والحساب بمقاديرهما. ثم علق في جوها فلكا، وناط بها زينتها في خفيات دراريها، ومصابيح كواكبها، ورمى مسترقي السمع بثواقب شهبها، وأجراهما على إذلال تسخيرها من ثبات ثابتها، ومسير سائرها، وهبوطها، وصعودها، ونحوسها، وسعودها".

وقال رضي الله عنه في صفة الملائكة: "ثم خلق سبحانه لإسكان سمواته، وعمارة الصفيح الأعلى من ملكوته، خلقا بديعا من ملائكته، ملأ بهم فروج فجاجها، وحشا بهم فتوق أجوائها، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حظائر القدس، وسترات الحجب، وسرادقات المجد. ووراء ذلك الزجيح الذي تستك منه الأسماع سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها، فتقف خاسئة على حدودها، أنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات، أولي أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، جعلهم فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته. وأمدهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضع إخبات السكينة، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده. ولم تثقلهم مؤصرات الآثام، ولم ترتحلهم عقب الليالي والأيام، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولم تعترك الظنون على معاقد يقينهم، ولا قدحت قادحة اللاحن فيما بينهم، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم، وسكن من عظمته وهيبة جلالته في أثناء صدورهم، ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع بريبها على فكرهم، منهم من هو في خلق الغمام الدلح، وفي عظم الجبال الشمخ، وفي قترة الظلام الأبهم، ومنهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السفلى، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء، وتحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية، قد استفرغتهم أشغال عبادته، ووسلت حقائق الإيمان [ ص: 217 ] بينهم وبين معرفته، وقطعهم الإيقان به إلى الوله إليه، ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره، قد ذاقوا حلاوة معرفته، وشربوا بالكأس الروية من محبته، وتمكنت من سويداء قلوبهم وشيحة خيفته، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم، ولم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم، ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم، ولم يتولهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف عنهم، ولا تركت لهم استكانة الإجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم، ولم تجر الفترات فيهم على طول دويهم، ولم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم، ولم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم، ولا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الخبر إليه أصواتهم. ولم تختلف في مقادم الطاعة مناكبهم، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمر رقابهم، ولا تعدو على عزيمة جدهم بلادة الغفلات، ولا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات، قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم، ويمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم، لا يقطعون أمد غاية عبادته، ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته، لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فبنوا في جدهم، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم، ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم. ولم يفرقهم سوء التقاطع، ولا تولاهم غل التحاسد، ولا شعبتهم مصارف الريب، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم فهم أسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ، ولا عدول، ولا وني، ولا فتور، وليس في أطباق السموات موضع إهاب إلا وعليه ملك ساجد أو ساع حافد، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما، وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما" اهـ .



* (فصل ) *

في ذكر ما ورد في الأخبار من ذكر ملائكة الملكوت الأعلى روى ابن مردويه من حديث ابن عباس: "أطت السماء، ويحق لها أن تئط، والذي نفس محمد بيده ما فيها موضع شبر إلا وفيه جبهة ملك ساجد يسبح الله بحمده". وروى أبو داود، وابن ماجه، من حديث عباس بن عبد المطلب: "فوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل ما بين السماء إلى السماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش من أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء فوق ذلك". وروى أبو الشيخ في "العظمة"، والبيهقي في "الشعب"، والخطيب، وابن عساكر، من حديث رجل من الصحابة: "إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته، ما منهم ملك تقطر من عينيه دمعة إلا وقعت، ملكا قائما يسبح، وملائكة سجودا، منذ خلق الله السموات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وملائكة ركوعا لم يرفعوا رؤوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وصفوفا لم ينصرفوا عن مصافهم، ولا ينصرفون إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم فنظروا إليه وقالوا: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك".

وروى الديلمي من حديث ابن عمران: "لله تعالى ملائكة في السماء الدنيا خشوعا منذ خلقت السموات والأرض إلى أن تقوم الساعة، يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت; فإذا كان يوم القيامة يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ولله ملائكة في السماء الثانية ركوعا منذ خلقت السموات والأرض إلى أن تقوم الساعة، فإذا كان يوم القيامة يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. ولله ملائكة في السماء الثالثة سجودا منذ خلقت السموات والأرض إلى أن تقوم الساعة، فإذا كان يوم القيامة يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك". وروى ابن بلال في "مكارم الأخلاق" من حديث ابن عباس: "إن لله عز وجل أملاكا خلقهم كيف شاء، وصورهم على ما شاء تحت عرشه، ألهمهم أن ينادوا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في كل يوم مرتين ألا من وسع على عياله وجيرانه وسع الله تعالى عليه في الدنيا، ألا من ضيق ضيق الله عليه، ألا إن الله قد أعطاكم لنفقة درهم على عيالكم سبعين قنطارا، والقنطار مثل أحد وزنا، أنفقوا، ولا تجمعوا، ولا تضيقوا، ولا تقتروا، وليكن أكثر نفقتكم يوم الجمعة".

وروى أبو الشيخ في "العظمة" من حديث جابر: "إن لله تعالى ملائكة ما بين شحمة أذن أحدهم إلى ترقوته مسيرة سبعمائة عام للطير السريع الطيران". ورواه ابن عساكر بلفظ: "إن لله ملائكة وهم [ ص: 218 ] الكروبيون من شحمة أذن أحدهم إلى ترقوته مسيرة سبعمائة عام للطائر السريع في انحطاطه". وروى الديلمي من حديث ابن عباس: "إن لله ملكا نصف جسده الأعلى ثلج، ونصفه الأسفل نار، ينادي بصوت رفيع: سبحان الله الذي كف حر هذه النار فلا يذيب هذا الثلج، وكف برد هذا الثلج فلا يطفئ حر هذه النار، اللهم يا مؤلفا بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين على طاعتك". وروى الديلمي من حديث أنس: "إن لله تعالى بحرا من نور، حوله ملائكة من نور، على خيل من نور، بأيديهم حراب من نور، يسبحون حول ذلك البحر: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، فمن قالها في يوم أو شهر أو سنة مرة أو في عمره غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولو كانت ذنوبه مثل زبد البحر أو مثل رمل عالج أو فر من الزحف".




الخدمات العلمية