الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم انظر إلى عجائب السفن كيف أمسكها الله تعالى على وجه الماء وسير ، فيها التجار ، وطلاب الأموال ، وغيرهم . وسخر لهم الفلك لتحمل أثقالهم ثم أرسل الرياح لتسوق السفن ثم عرف الملاحين موارد الرياح ، ومهابها ، ومواقيتها ولا يستقصى على الجملة عجائب صنع الله في البحر في مجلدات ، وأعجب من ذلك كله ما هو أظهر من كل ظاهر ، وهو كيفية قطرة الماء ، وهو جسم رقيق لطيف سيال مشف متصل الأجزاء كأنه شيء واحد ، لطيف التركيب ، سريع القبول للتقطيع ، كأنه منفصل مسخر للتصرف قابل للانفصال والاتصال ، به حياة كل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات فلو احتاج العبد إلى شربة ماء ومنع منها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في تحصيلها لو ملك ذلك ; ثم لو شربها ومنع من إخراجها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في إخراجها فالعجب من الآدمي كيف يستعظم الدينار ، والدرهم ، ونفائس الجواهر ، ويغفل عن نعمة الله في شربة ماء إذا احتاج إلى شربها أو الاستفراغ ، عنها ، بذل جميع الدنيا فيها . فتأمل في عجائب المياه ، والأنهار والآبار ، والبحار ، ففيها متسع للفكر ومجال .

وكل ذلك شواهد متظاهرة ، وآيات متناصرة ، ناطقة بلسان حالها ، مفصحة عن جلال بارئها ، معربة عن كمال حكمته ، فيها منادية أرباب القلوب بنغماتها قائلة لكل ذي لب : أما تراني وترى صورتي وتركيبي .

وصفات ومنافعي واختلاف حالاتي وكثرة فوائدي ؟! أتظن أني كونت نفسي أو خلقني أحد من جنسي أو ما تستحي أن ؟! تنظر في كلمة مرقومة من ثلاثة أحرف ، فتقطع بأنها من صنعة آدمي عالم ، قادر ، مريد ، متكلم ، ثم تنظر إلى عجائب الخطوط الإلهية المرقومة على صفحات وجهي بالقلم الإلهي الذي لا تدرك الأبصار ذاته ، ولا حركته ، ولا اتصاله ، بمحل الخط ، ثم ينفك قلبك عن جلالة صانعه .

وتقول النطفة لأرباب السمع والقلب لا للذين هم عن السمع معزولون توهمني في ظلمة الأحشاء مغموسة في دم الحيض في ، الوقت الذي يظهر التخطيط والتصوير على وجهي فينفش النقاش حدقتي ، وأجفاني ، وجبهتي ، وخدي ، وشفتي ، فترى التقويس يظهر شيئا فشيئا على التدريج ، ولا ترى داخل النطفة نقاشا ، ولا خارجها ، ولا داخل الرحم ، ولا خارجه ، ولا خبر منها للأم ، ولا للأب ، ولا للنطفة ، ولا للرحم فما ، هذا النقاش بأعجب مما نشاهده ينقش بالقلم صورة عجيبة لو نظرت إليها مرة أو مرتين لتعلمته ؟! فهل تقدر على أن تتعلم هذا الجنس من النقش والتصوير الذي يعم ظاهر النطفة وباطنها ، وجميع أجزائها ، من غير ملامسة للنطفة ، ومن غير اتصال بها ، لا من داخل ، ولا من خارج ؟! فإن كنت لا تتعجب من هذه العجائب ، ولا تفهم بها أن الذي صور ونقش وقدر لا نظير له ولا يساويه نقاش ولا مصور ، كما أن نقشه وصنعه لا يساويه نقش وصنع ، فبين الفاعلين من المباينة والتباعد ما بين الفعلين ، فإن كنت لا تتعجب من هذا فتعجب من عدم تعجبك فإنه أعجب من كل عجب فإن الذي أعمى بصيرتك مع هذا الوضوح ومنعك من التبيين مع هذا البيان جدير بأن تتعجب منه فسبحان من هدى ، وأضل ، وأغوى ، وأرشد ، وأشقى ، وأسعد ، وفتح بصائر أحبابه ، فشاهدوه في جميع ذرات العالم وأجزائه وأعمى قلوب أعدائه ، واحتجب عنهم بعزه وعلائه فله الخلق ، والأمر ، والامتنان ، والفضل ، واللطف ، والقهر ، لا راد لحكمه ، ولا معقب لقضائه .

التالي السابق


(ثم انظر إلى عجائب السفن ) وما فيها من غرائب الصنائع، كيف هدي الإنسان إلى تركيبها على هذا الوجه المشاهد، وهي ما بين صغيرة وكبيرة ومتوسطة (كيف أمسكها الله على وجه الماء، ويسير فيها التجار، وطلاب الأموال، وغيرهم. وسخر لهم الفلك لتحمل أثقالهم ) من البضائع والمؤن الثقيلة (ثم أرسل الرياح لتسوق السفن ) إلى المواضع المقصودة (ثم عرف الملاحين ) وهم خدمة السفن، نسبوا إلى البحر الملح لملازمتهم إياه (موارد الرياح، ومهابها، ومواقيتها ) حتى قيل إنه علم نفيس مع قوم مناحيس. (ولا يستقصى على الجملة عجائب صنع الله في البحر في مجلدات، وأعجب من ذلك ) كله (ما هو أظهر من كل ظاهر، وهو كيفية قطرة الماء، وهو جسم رقيق لطيف سيال مشف متصل الأجزاء كأنه شيء واحد، لطيف التركيب، سريع القبول للتقطيع، كأنه منفصل مسخر للتصرف قابل الانفصال والاتصال، به حياة كل ما على وجه الأرض من حيوان ونبات ) قال الله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي قال الحراني: وهو أول ظاهر للعين من أشباح الخلق. (فلو احتاج العبد إلى شربة ماء ومنع منها لبذل جميع خزائن الدنيا في تحصيلها لو ملك ذلك; ثم إذا شربها لو منع من إخراجها لبذل جميع خزائن الأرض وملك الدنيا في إخراجها ) .

(فالعجب من الآدمي كيف يستعظم الدينار، والدرهم، ونفائس الجواهر، ويغفل عن نعمة الله في شربة ماء إذا احتاج إلى شربها، والاستفراغ عنها، بذل جميع الدنيا فيها. فتأمل في عجائب المياه، والآبار، والأنهار، والبحار، ففيها متسع للفكر ومجال، وكل ذلك شواهد متظاهرة، وآيات متناصرة، ناطقة بلسان حالها، مفصحة عن جلال بارئها، معربة عن كمال حكمته، فيها منادية أرباب القلوب بنغماتها ) أي أصواتها (قائلة لكل ذي لب: أما تراني وترى صورتي وتركيبي وصفاتي ومنافعي واختلاف حالاتي وكثرة فوائدي؟! أتظن أني كونت بنفسي أو خلقني أحد من جنسي؟! أوما تستحي تنظر في كلمة مرقومة من ثلاثة أحرف، فتقطع بأنه صفة آدمي عالم، قادر، مريد، متكلم، ثم تنظر إلى عجائب الخطوط الإلهية المرقومة على صفحات وجهي بالقلم الإلهي الذي لا تدرك الأبصار ذاته، ولا حركته، ولا اتصاله، بمحل الخط، ثم ينفك قلبك عن جلالة صانعه ) وعظمة خاطه؟! (وتقول النطفة ) الإنسانية (لأرباب السمع والقلب ) الذين يسمعون فيعون ويرون فيعتبرون (لا الذين هم عن السمع معزولون ) قال الله تعالى: إنهم عن السمع لمعزولون أي ممنوعون بعد أن كانوا ممكنين: (توهموني في ظلمة الأحشاء مغموسة في دم الحيض، في الوقت الذي يظهر التخطيط والتصوير على وجهي ) وهو بعد مضي مائة وعشرين يوما من الحمل (فينقش النقاش حدقتي، وأجفاني، وجبهتي، وخدي، وشفتي، فترى [ ص: 207 ] التقويس يظهر ) على التدريج (شيئا فشيئا، ولا ترى داخل النطفة نقاشا، ولا خارجها، ولا داخل الرحم، ولا خارجه، ولا خبر منها للأم، ولا للأب، ولا للنطفة، ولا للرحم، أفما هذا النقاش بأعجب ممن تشاهده ينقش بالقلم صورة عجيبة ولو نظرت إليها مرة أو مرتين لتعلمته؟! فهل تقدر أن تتعلم هذا الجنس من النقش والتصوير الذي يعم ظاهر النطفة وباطنها، وجميع أجزائها، من غير ملامسة للنطفة، ومن غير اتصال بها، لا من داخل، ولا من خارج؟! ) .

(فإن كنت لا تتعجب من هذه العجائب، ولا تفهم بها أن الذي صور ونقش وقدر لا نظير له ) في ذاته (ولا يساويه نقاش ومصور، كما أن نقشه وصنعه لا يساويه نقش وصنع، فبين الفاعلين من المباينة والتباعد ما بين الفعلين، فإن كنت لا تتعجب من هذا فتعجب من عدم تعجبك ) لهذا (فإنه أعجب من كل عجب فإن الذي أعمى بصيرتك مع هذا الوضوح ) والانكشاف (ومنعك من التبيين مع هذا البيان جدير بأن تتعجب منه ) أي حقيق (فسبحان من هدى، وأضل، وأغوى، وأرشد، وأشقى، وأسعد، وفتح بصائر أحبابه، فشاهدوه في جميع ذرات العالم وأجزائه ) مشاهدة عيانية مصونة عن الحلول والاتحاد (وأعمى قلوب أعدائه، واحتجب عنهم بعزه وعلائه ) فهم عن مشاهدته محجوبون (فله الخلق، والأمر، والامتنان، والفضل، واللطف، والقهر، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه ) جل شانه وعز برهانه .




الخدمات العلمية