الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكان سفيان الثوري يقول عند الصباح يحمد القوم السرى وعند الممات يحمد القوم التقى .

وقال عبد الله بن داود كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه أى كان لا ينام طول الليل .

وكان كهمس بن الحسن يصلي كل يوم ألف ركعة ثم يقول لنفسه قومي يا مأوى كل شر فلما ضعف اقتصر على خمسمائة ثم كان يبكي ويقول ذهب نصف عملي .

وكانت ابنة الربيع بن خثيم تقول له يا أبت ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام فيقول يا ابنتاه إن أباك يخاف البيات .

ولما رأت أم الربيع ما يلقى الربيع من البكاء والسهر نادته يا بني لعلك قتلت قتيلا قال نعم يا أماه قالت فمن هو حتى نطلب أهله فيعفو عنك فوالله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك فيقول يا أماه هي نفسي .

وعن عمر ابن أخت بشر بن الحارث قال سمعت خالي بشر بن الحارث يقول لأمي يا أختي جوفي وخواصري تضرب علي فقالت له أمي يا أخي تأذن لي حتى أصلح لك قليل حساء بكف دقيق عندي تتحساه يرم جوفك فقال لها ويحك أخاف أن يقول أين لك هذا الدقيق فلا أدري إيش .

أقول له .

فبكت أمي وبكى معهما وبكيت معهم .

قال عمر ورأت أمي ما ببشر من شدة الجوع وجعل يتنفس نفسا ضعيفا فقالت له أمي يا أخي ليت أمك لم تلدني فقد والله تقطعت كبدي مما أرى بك فسمعته يقول لها وأنا فليت أمي لم تلدني وإذ ولدتني لم يدر ثديها علي .

قال عمر وكانت أمي تبكي عليه الليل والنهار .

وقال الربيع أتيت أويسا فوجدته جالسا حتى صلى الفجر ثم جلس فجلست فقلت لا أشغله عن التسبيح فمكث مكانه حتى صلى الظهر ثم قام إلى الصلاة حتى صلى العصر ثم جلس موضعه حتى صلى المغرب ثم ثبت مكانه حتى صلى العشاء ثم ثبت مكانه حتى صلى الصبح ثم جلس فغلبته عيناه فقال اللهم إني أعوذ بك من عين نوامة ومن بطن لا تشبع فقلت حسبي هذا منه ثم رجعت .

ونظر رجل إلى أويس فقال يا أبا عبد الله ما لي أراك كأنك مريض فقال وما لأويس أن لا يكون مريضا يطعم المريض وأويس غير طاعم وينام المريض وأويس غير نائم .

وقال أحمد بن حرب يا عجبا لمن يعرف أن الجنة تزين فوقه وأن النار تسعر تحته كيف ينام بينهما وقال رجل من النساك أتيت إبراهيم بن أدهم فوجدته قد صلى العشاء فقعدت أرقبه فلف نفسه بعباءة ثم رمى بنفسه فلم ينقلب من جنب إلى جنب الليل كله حتى طلع الفجر وأذن المؤذن فوثب إلى الصلاة ولم يحدث وضوءا فحاك ذلك في صدري فقلت له رحمك الله قد نمت الليل كله مضطجعا ثم لم تجدد الوضوء فقال كنت الليل كله جائلا في رياض الجنة أحيانا وفي أودية النار أحيانا فهل في ذلك نوم .

التالي السابق


(وقال سفيان الثوري ) رحمه الله تعالى (عند الصباح يحمد القوم السرى وعند الممات يحمد القوم التقى ) ، رواه البيهقي في الشعب وأبو نعيم في الحلية .

(وقال ) أبو عبد الرحمن (عبد الله بن داود ) بن عامر بن الربيع الهمداني الكوفي المعروف بالحربي سكن الحربية وهي محلة بالبصرة ثقة عابد ناسك مات سنة ثلاث عشرة ومائتين روى له الجماعة سوى مسلم (كان أحدهم إذا بلغ أربعين سنة طوى فراشه أي كان لا ينام الليل ) فطي الفراش كناية عن ذلك (وكان أبو الحسن كهمس بن الحسن ) التميمي البصري العابد مات سنة تسع وأربعين ومائة روى له الجماعة (يصلي كل يوم ألف ركعة ويقول لنفسه قومي يا مأوى كل شر فلما ضعف اقتصر على خمسمائة ) ركعة (ثم كان يبكي ويقول ذهب نصف عملي ) ، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثني الهيثم بن معاوية عن شيخ من أصحابه قال كان كهمس يصلي ألف ركعة في اليوم والليلة فإذا مل قال لنفسه قومي يا مأوى كل سوء فوالله ما رضيتك لله ساعة قط (وكانت ابنة الربيع بن خثيم ) كزبير بن عائذ بن عبد الله الثوري الكوفي (تقول له يا أبت ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام فيقول يا ابنتاه إن أباك يخاف البيات ) أي : أن يفجأه العدو ليلا رواه البيهقي في الشعب من طريق سعيد بن عبد الله بن الربيع بن خثيم عن عمته قالت كنت أقول لأبي يا أبتاه لا تنام فيقول يا بنية كيف ينام من يخاف البيات ورواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا أبو محمد بن حيان حدثنا محمد بن عبد الله حدثني رستة حدثنا أبو أيوب حدثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار يقول قالت ابنة الربيع بن خثيم للربيع يا أبت ما لك لا تنام والناس ينامون فقال إن النار لا تدع أباك أن ينام (ولما رأت أم الربيع ) بن خثيم (ما يلقى الربيع من البكاء والسهر نادته يا بني لعلك قتلت قتيلا قال نعم يا أماه قالت من هو حتى نطلب إلى أهله فيعفوا عنك فوالله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك فيقول يا أماه هي نفسي ) ، رواه أبو نعيم في الحلية فقال حدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس عن سفيان قال بلغنا أن أم الربيع كانت تنادي ابنها فتقول يا بني يا ربيع ألا تنام فيقول يا أمه من جن عليه الليل وهو يخاف النار حق له أن لا ينام فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت يا بني لعلك قد قتلت قتيلا فقال نعم يا والدتاه قد قتلت قتيلا فقالت ومن هذا القتيل يا بني حتى نتجمل إلى أهله فيعفوك والله لو يعلمون ما تلقى من البكاء والسهر بعد لقد رحموك فقال يا والدتاه هي نفسي (و ) يحكى (عن ) أبي حفص (عمر ابن أخت بشر بن الحارث ) الحافي حكى عنه أبو بكر المروزي والفتح بن شخرف (قال سمعت خالي بشر بن الحارث يقول لأمي ) واسمها زبدة بنت الحارث وكانت من الزاهدات حكى عنها علان العصايري وماتت قبل بشر فقد روى علي بن محمد بن بشران من طريق محمد بن يوسف الجوهري به قال سمعت بشر بن الحارث يقول يوم ماتت أخته أن العبد إذا قصر في الطاعة سلبه من يؤنسه وحكايتها مع أحمد بن حنبل معروفة (يا أختي جوفي ) وجع (وخواصري تضرب علي فقالت له أمي يا أخي تأذن لي حتى أصلح لك قليل حساء بكف دقيق عندي تتحساه يرم ) أي : يصلح (جدبك فقال لها ويحك أخاف أن يقول ) لي (من أين لك هذا الدقيق فلا أدري أيش أقول له فبكت أمي وبكى معها وبكيت معهم ) وفي نسخة معهما (قال عمر ورأت أمي ما ببشر ) كذا في النسخ والصواب ما به (من شدة الجوع وجعل يتنفس نفسا ضعيفا فقالت له أمي يا أخي ليت أمك لم تلدني فقد والله تقطعت كبدي مما أرق بك ) قال (فسمعته يقول لها وأنا فليت أمي لم تلدني وإذ ) قد (ولدتني لم يدر ) لها (ثديها علي قال عمر وكانت أمي تبكي عليه الليل والنهار ) أي : لما ترى من شدة اجتهاده ورياضته لنفسه رواه أبو الحسن بن جهضم فقال حدثنا محمد بن عبد الله الزيات حدثنا [ ص: 128 ] محمد بن مخلد حدثني الفتح بن شخرف قال قال عمر بن أخت بشر سمعت خالي بشرا فذكره (قال الربيع ) قيل هو ابن زياد الحارثي البصري الذي روى له أبو داود والنسائي (أتيت أويسا ) بن عامر القرني (فوجدته جالسا ) في مسجده بالكوفة (قد صلى الفجر ثم جلس فجلست ) معه (وقلت لا أشغله عن التسبيح فمكث مكانه حتى صلى الظهر ثم قام إلى الصلاة حتى العصر ثم جلس موضعه حتى صلى المغرب ثم ثبت مكانه حتى صلى العشاء ثم ثبت مكانه حتى صلى الصبح ثم جلس فغلبته عيناه قال اللهم إني أعوذ بك من عين نوامة ومن بطن لا يشبع فقلت حسبي هذا منه ثم رجعت ونظر رجل إلى أويس ) بن عامر رحمه الله تعالى (فقال يا أبا عبد الله ما لي أراك كأنك مريض ) وذلك لما رأى من تغير حاله ولونه (فقال وما لأويس أن لا يكون مريضا يطعم المريض وأويس غير طاعم وينام المريض وأويس غير نائم ) والصحة إنما تكون من قبل الطعام والنوم .

(وقال أحمد بن حرب ) النيسابوري الزاهد روى عن ابن عيينة (يا عجبا لمن يعرف أن الجنة تزين فوقه وأن النار تسعر تحته كيف ينام وقال رجل من النساك أتيت إبراهيم بن أدهم ) رحمه الله تعالى (فوجدته قد صلى العشاء فقعدت أرقبه فلف نفسه بعباءة ثم رمى بنفسه ) على الأرض (فلم ينقلب من جنب إلى جنب الليل كله حتى طلع الفجر وأذن المؤذن فوثب ) قائما (إلى الصلاة ولم يحدث وضوءا فحاك ذلك في صدري فقلت له رحمك الله قد نمت الليل كله مضطجعا ثم لم تجدد الوضوء فقال كنت الليل كله جائلا في رياض الجنة أحيانا وفي أودية النار أحيانا فهل في ذلك نوم ) وهذا هو التفكر وهو سيد العبادات .




الخدمات العلمية