الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ وَلَيْسَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ غَيْرُ اللَّهِ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ مَطْلُوبٌ سِوَى الْوَاحِدِ الْحَقِّ كَانَ قُدُومُهُ بِالْمَوْتِ عَلَى مَحْبُوبِهِ غَايَةَ النَّعِيمِ فِي حَقِّهِ ، وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ مَشْغُوفًا بِالدُّنْيَا مُلْتَفِتًا إِلَيْهَا مُتَأَسِّفًا عَلَى لَذَّاتِهَا وَكَانَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى رَأْسِ اللِّسَانِ وَلَمْ يَنْطَبِقُ الْقَلْبُ عَلَى تَحْقِيقِهَا وَقَعَ الْأَمْرُ فِي خَطَرِ الْمَشِيئَةِ ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ قَلِيلُ الْجَدْوَى إِلَّا أَنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقَبُولِ . وَأَمَّا حُسْنُ الظَّنِّ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّجَاءِ ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِفَضْلِ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ . دَخَلَ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ عَلَى مَرِيضٍ فَقَالَ : أَخْبِرْنِي كَيْفَ ظَنُّكَ بِاللَّهِ ؟ قَالَ : أَغْرَقَتْنِي ذُنُوبٌ لِي وَأَشْرَفْتُ عَلَى هَلَكَةٍ ، وَلَكِنِّي أَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّي فَكَبَّرَ وَاثِلَةُ وَكَبَّرَ أَهْلُ الْبَيْتِ بِتَكْبِيرِهِ ، وَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ يَمُوتُ ، فَقَالَ : كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَ ؟ : أَرْجُو اللَّهَ وَأَخَافُ ذُنُوبِي ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا اجْتَمَعَا فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ الَّذِي يَرْجُو وَآمَنُهُ مِنَ الَّذِي يَخَافُ وَقَالَ ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ كَانَ شَابٌّ بِهِ حِدَّةٌ وَكَانَ لَهُ أَمٌّ تَعِظُهُ كَثِيرًا ، وَتَقُولُ لَهُ : يَا بُنَيَّ ، إِنَّ لَكَ يَوْمًا فَاذْكُرْ يَوْمَكَ ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، أَكَبَّتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ وَجَعَلَتْ تَقُولُ لَهُ : يَا بُنَيَّ قَدْ كُنْتُ أُحَذِّرُكَ مَصْرَعَكَ هَذَا وَأَقُولُ : إِنَّ لَكَ يَوْمًا فَقَالَ يَا أُمَّهْ ، إِنَّ لِي رَبًّا كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَعْدِمَنِي الْيَوْمَ بَعْضَ مَعْرُوفِهِ ، قَالَ ثَابِتٌ : فَرَحِمَهُ اللَّهُ بِحُسْنِ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ وَدَاعَةَ كَانَ شَابٌّ بِهِ رَهَقٌ فَاحْتُضِرَ فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ : يَا بَنَيَّ تُوصِي بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ خَاتَمِي لَا تَسْلُبِينِيهِ ، فَإِنَّ فِيهِ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَرْحَمُنِي ، فَلَمَّا دُفِنَ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ ، فَقَالَ : أَخْبِرُوا أُمِّي أَنَّ الْكَلِمَةَ قَدْ نَفَعَتْنِي وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِي . وَمَرِضَ أَعْرَابِيٌّ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّكَ تَمُوتُ ، فَقَالَ : أَيْنَ يُذْهَبُ بِي قَالُوا ؟ : إِلَى اللَّهِ ، قَالَ : فَمَا كَرَاهَتِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى مَنْ لَا يُرَى الْخَيْرُ إِلَّا مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَبِي لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ : يَا مُعْتَمِرُ ، حَدِّثْنِي بِالرُّخَصِ لَعَلِّي أَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَا حَسَنُ الظَّنِّ بِهِ وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُذْكَرَ لِلْعَبْدِ مَحَاسِنُ عَمَلِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِكَيْ يُحْسِنَ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ . * (فَصْلٌ) * فِي بَيَانِ مَا يُقْرَأُ عِنْدَ الْمَيِّتِ، وَمَا يُقَالُ إِذَا مَاتَ وَغُمِّضَ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَوْتِ وَالدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا مِنْ مَيِّتٍ يَقْرَأُ عِنْدَ رَأْسِهِ "يَسِ" إِلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ: اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ "يَسِ". قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: أَرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ يُقْرَأُ عَلَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْمَرْوَزِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ يُسْتَحَبُّ إِذَا حُضِرَ الْمَيِّتُ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ سُورَةُ الرَّعْدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَإِنَّهُ أَهْوَنُ لِقَبْضِهِ وَأَيْسَرُ لِشَأْنِهِ، وَكَانَ يُقَالُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمَيِّتُ بِسَاعَةٍ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، وَبَرِّدْ عَلَيْهِ مَضْجَعَهُ، وَوُسِعْ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ، وَأَعْطِهِ الرَّاحَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ، وَتَوَلَّ نَفْسَهُ، وَصَعِّدْ رُوحَهُ فِي أَرْوَاحِ الصَّالِحِينَ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي دَارٍ تَبْقَى فِيهَا الصُّحْبَةُ، وَيَذْهَبُ عَنَّا فِيهَا النَّصْبُ وَاللُّغُوبُ، وَيُصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيُكَرَّرُ ذَلِكَ حَتَّى يُقْبَضَ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْمَرْوَزِيُّ عَنِ الشُّعَبِيِّ، قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ يَقْرَءُونَ عِنْدَ الْمَيِّتِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَلَمَّا شُقَّ بَصَرُهُ، مَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَهُ فَأَغْمَضَهُ، فَلَمَّا أَغْمَضَهُ صَاحَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَسَكَّتَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: إِنَّ النَّفْسَ إِذَا خَرَجَتْ تَبِعَهَا الْبَصَرُ; وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْضُرُ الْمَيِّتَ فَيُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا يَقُولُ أَهْلُ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اللَّهُمَّ ارْفَعْ دَرَجَةَ أَبِي سَلَمَةَ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقَبِهِ فِي الْفَائِزِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَوْمَ الدِّينِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ وَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى دُعَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَرَوَى الْمَرْوَزِيُّ عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: إِذَا أَغْمَضْتُ مَيِّتًا فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية