الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 109 ] باب القصاص بالسيف وغيره

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تعالى : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا قال : وإذا خلى الحاكم الولي وقتل القاتل فينبغي له أن يأمر من ينظر إلى سيفه فإن كان صارما وإلا أمره بصارم لئلا يعذبه ثم يدعه وضرب عنقه .

                                                                                                                                            قال الماوردي : ما أوجب القصاص من الجنايات ضربان : طرف ، ونفس .

                                                                                                                                            فأما الطرف فلا يمكن مستحق القصاص من استيفائه بنفسه ، لما يخاف من تعديه إلى ما لا يمكن استدراكه ، وأما النفس فيجوز للولي أن يتولى استيفاء القود منها بنفسه إذا قدر على مباشرته للآية ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وكما يستوفي جميع حقوقه بنفسه ، ولأن القود موضوع للتشفي فكانت المباشرة فيه أشفى ، وإذا كان كذلك فاستيفاؤه للقود معتبر بستة شروط :

                                                                                                                                            أحدها : أن يحكم به الحاكم ليميز العمد المحض من عمد الخطأ ، وليتعين بالحكم ما اختلف فيه الفقهاء ، ولئلا يتسرع الناس إلى استباحة الدماء .

                                                                                                                                            والشرط الثاني : أن يكون مستوفيه رجلا فإن كانت امرأة منعت ، لما فيه من بذلتها وظهور عورتها .

                                                                                                                                            والشرط الثالث : أن يكون ثابت النفس عند مباشرة القتل ، فإن ضعفت منع .

                                                                                                                                            والشرط الرابع : أن يعرف القود ويحسن إصابة المفصل ، فإن لم يحسن منع .

                                                                                                                                            والشرط الخامس : أن يكون قوي اليد نافذ الضربة ، فإن ضعفت يده لشلل أو مرض منع .

                                                                                                                                            فإذا تكاملت فيه هذه الشروط الخمسة وصار بها من أهل الاستيفاء لم يخل حال الولي أن يكون واحدا أو عددا ، فإن كان واحدا قام باستيفائه ، وإن كانوا عددا خرج منهم من لم يتكامل فيه شروط الاستيفاء ولم يجز أن يشترك الباقون فيه حتى يتولاه أحدهم ، فإن سلموه لأحدهم كان أحقهم به وإن تنازعوا فيه أقرع بينهم ، فمن قرع كان أحقهم باستيفائه ، فإذا تعين الاستيفاء لواحد منهم اعتبر في استيفائه عشرة أشياء :

                                                                                                                                            [ ص: 110 ] أحدها : حضور الحاكم الذي حكم له بالقود ، أو نائب عنه ليكون حضوره تنفيذا لحكمه .

                                                                                                                                            والثاني : أن يحضره شاهدان ليكونا بينة في استيفاء الحق أو في التعدي بظلم .

                                                                                                                                            والثالث : أن يحضر معه من الأعوان من إن احتاج إليهم أعانوا ، فربما حدث ما يحتاج إلى كف وردع .

                                                                                                                                            والرابع : أن يؤمر المقتص منه بما تعين عليه من صلاة يومه ، ليحفظ حقوق الله تعالى من الإضاعة .

                                                                                                                                            والخامس : أن يؤمر بالوصية فيما له وعليه من الحقوق ، ليحفظ بها حقوق الآدميين .

                                                                                                                                            والسادس : أن يؤمر بالتوبة من ذنوبه ، ليزول عند مآثم المعاصي .

                                                                                                                                            والسابع : أن يساق إلى موضع القصاص سوقا رفيقا ، ولا يكلم بخنا ولا شتم .

                                                                                                                                            والثامن : أن تستر عورته بشداد حتى لا تبرز للأبصار .

                                                                                                                                            والتاسع : أن تشد عينيه بعصابة حتى لا يرى القتل ويترك ممدود العنق ، حتى لا يعدل السيف عن عنقه .

                                                                                                                                            والعاشر : أن يكون سيف القصاص صارما ليس بكال ولا مسموم ، لأن الكال والمسموم يفسد لحمه ويمنع من غسله ، فيراعى سيف الولي ، فإن كان على الصفة المطلوبة وإلا التمس سيفا على صفته أو أعطي من بيت المال إن كان موجودا ، وإنما اعتبرنا هذه الشروط والأوصاف إحسانا في الاستيفاء ، ومنعا من التعذيب ، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن الله تعالى كتب عليكم الإحسان فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه " نهى عن تعذيب البهائم " فكان النهي عن تعذيب الآدميين أحق .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية