الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : فإن قال الجاني جنيت عليه وهو موجوء ، وقال المجني عليه بل صحيح فالقول قول المجني عليه مع يمينه لأن هذا يغيب عن أبصار الناس ولا يجوز كشفه لهم .

                                                                                                                                            قال الماوردي : إذا اختلف في سلامة العضو المجني عليه فقال الجاني : هو أشل وهو موجوء قد بطلت منافعه فلا قود علي ولا دية ، وعلي حكومة .

                                                                                                                                            وقال المجني عليه : بل هو سليم أستحق فيه القود أو الدية عامة فقد نص الشافعي في الأعضاء الباطنة كالذكر والأنثيين أن القول قول المجني عليه مع يمينه على سلامتها ، وله القود إلا أن يقيم الجاني البينة على ما ادعاه من الشلل ، ونص في الأعضاء الظاهرة كاليدين والرجلين والأنف والعينين أن القول قول الجاني مع يمينه أنها غير سليمة ، ولا قود عليه ولا دية إلا أن يقيم المجني عليه البينة على سلامتها ، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين النصين على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن اختلافهما محمول على اختلاف قولين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن القول قول الجاني مع يمينه في الأعضاء الظاهرة والباطنة أنها غير سليمة على ما نص عليه في الأعضاء الباطنة لا قود عليه ولا دية .

                                                                                                                                            وبه قال أبو حنيفة : لأن الأصل براءة الذمة من قود وعقل فكان الظاهر صدقه .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أن القول قول المجني عليه مع يمينه في الأعضاء الظاهرة والباطنة على ما نص عليه في الأعضاء الباطنة ، لأن الأصل سلامة الخلقة وثبوت الصحة ، وهكذا لو قطع رجلا ملفوفا في ثوب فادعى أنه كان ميتا وادعى وليه أنه كان حيا فهو على قولين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن القول قول الجاني .

                                                                                                                                            والثاني : أن القول قول الولي وأصلهما اختلاف قوليه في أيهما هو المدعي :

                                                                                                                                            أحدهما : أن الجاني هو المدعي لحدوث الموت ، فيكون القول فيه قول الولي .

                                                                                                                                            والثاني : أن الولي هو المدعي للقود ، فيكون القول قول الجاني ، فهذا أحد وجهي أصحابنا .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو قول أبي إسحاق المروزي ، أن اختلاف النصين محمول على [ ص: 186 ] اختلاف حالين ، فيكون القول في الأعضاء الظاهرة قول الجاني مع يمينه أنها غير سليمة ، والقول في الأعضاء الباطنة قول المجني عليه مع يمينه أنها سليمة .

                                                                                                                                            والفرق بينهما : تقدير إقامة البينة في الأعضاء الباطنة وإمكانها في الأعضاء الظاهرة ، فيقوى في الباطن جنبة المجني عليه ، وقوي في الظاهر جنبة الجاني ، كما لو قال : إن ولدت فأنت طالق ، فادعت الولادة وأنكرها ، كان القول فيه قولها لتعذر البينة عليها .

                                                                                                                                            وإن قال : إن ولدت فأنت طالق ، فادعت الولادة وأنكرها كان القول فيه قوله دونها ، لإمكان إقامة البينة على ولادتها .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية